إجازات الأمومة في دول الخليج: كافية أم منقوصة؟

إجازات الأمومة في دول الخليج: كافية أم منقوصة؟

بعد عام كامل قضته في منزلها بعيداً عن عملها، تعود طبيبة التوليد مايا صابوني إلى عملها في المستشفى. تترك البيت وهي مستعدة نفسياً وجسدياً لمتابعة حال مريضاتها ومعالجتهن. كان هذا العام على حد قولها أحد أجمل أعوام عمرها. لم تكن فترة راحة، قضتها على الشاطئ. بل كانت إجازة وضع أو إجازة أمومة مدتها 12 شهراً، أمضتها بجانب رضيعتها آيلة. أرضعت آيلة، واستيقظت معها في الليل وقضت أياماً بلا نوم، ومرت بتغيرات هرمونية وبدنية كثيرة. لكنها شعرت، حسب تعبيرها، بإشباع عاطفي، أعطاها دفعة قوية للعودة إلى العمل من جديد.

مايا، ذات الأصول السورية، تعمل وتقيم في بريطانيا. نجلاء الدباغ هي أيضاً طبيبة، ولكنها لا تقيم في بريطانيا، بل في مدينة بوسطن الأمريكية. عندما وضعت طفلتها الأولى في مسقط رأسها، مدينة جدة السعودية، كانت تعمل باحثة في جامعة الملك عبد العزيز. منحتها وظيفتها إجازة وضع مدفوعة مدتها 3 أشهر. وبعد مرور الفترة المخصصة، حصلت على 3 أشهر إضافية، لكنها اختيارية، بنصف مرتبها. تلتها 3 أشهر اختيارية أيضاً ولكن بربع المرتب. فكان لديها خيار البقاء مع ابنتها 9 أشهر كاملة، مع الحفاظ على وظيفتها. وكانت هذه الإجازة أطول بكثير مما حصلت عليه حينما وضعت ابنتها الثانية في أمريكا حيث تقيم الآن.

جامعة الملك عبدالعزيز الحكومية تتبع قانون العمل في المملكة لكنها أكثر سخاءً منه في إجازة الوضع. ففي السعودية حيث يعتبر انخراط المرأة في سوق العمل بشكل عام ولا سيما في القطاع الخاص أحد أهداف وزارة العمل، تنص المادة 151 من قانون العمل على أن تعطى الحامل إجازة مدتها 4 أسابيع قبل الوضع و6 بعده، تحصل خلالها الموظفة على نصف أجرها إذا عملت لدى الشركة لأقل من ثلاثة أعوام، وعلى أجرها كاملاً إذا تجاوزت السنوات الثلات. أي أن نجلاء كانت أكثر حظاً من موظفات أخريات، وقد تضاعفت أعدادهن في الأعوام الأخيرة بحسب الإحصاءات الرسمية.

تشعر نجلاء أن إجازات الوضع في السعودية تنصف الأم العاملة، ولكن تختلف مصممة الجرافيك وصال الدندشي معها في الرأي. هي موظفة في القطاع الخاص في مدينة جدة، وتحمل جنينها في الشهر السادس. شركتها تطبق القانون بحذافيره، لذلك فهي لن تحصل على أيام إضافية. تقول وصال: "من الصعب أن أتصور ما الذي سأفعله بعد الولادة. هذا طفلي الأول وأنا متأكدة أن شهراً ونصف الشهر من الرعاية ليسا كافيين". خيار الحضانة غير متاح بالنسبة لها في الوقت الحالي، فهي لا تثق بمعظم الحضانات التي زارتها، عدا تكلفتها الباهظة التي قد تصل على حد قولها إلى 7500 ريال سعودي في الشهر (2000 دولار).

اجازات الامومة في دول الخليج

حيرة وصال هي انعكاس لمشكلة تواجهها الكثير من النساء العاملات في السعودية. لذا تعتمد بعضهن على الأهل والأقارب في رعاية الطفل. وإلا فقد تضطر الموظفة للاستقالة من العمل والبقاء في المنزل أو ترك حديثي الولادة برفقة خادمات لا يملكن خبرة كافية في التعامل مع الأطفال، وهو ما تحاول وصال تفاديه. فهي مصرة على الاستمرار في مسيرتها المهنية بعد أن تمكنت من أن تثبت جدارتها على مدى 5 سنوات من العمل في الشركة نفسها. "أنا بالفعل حائرة، هل أبحث عن حضانة قريبة من عملي وأترك طفلي هناك برغم أني لا أثق بها كلياً؟ أم أطلب تمديد إجازتي؟ أو أختصر ساعات عملي مضحيةً بتقدمي في وظيفتي؟ لا أعرف”.

أقوال جاهزة

شارك غردالأم العاملة في دول الخليج بين نارين: عملها أو طفلها

شارك غردما تحتاجه الأم: إجازة ولادة مدفوعة مدتها 6 أشهر، حضانات مجانية عالية المستوى، ومشاركة الأب في رعاية الأطفال!

ترى الاختصاصية في طب الحمل والولادة في بريطانيا، الدكتورة مايا صابوني أن إجازة الوضع ليس هدفها رعاية الوليد فقط "فمزاولة العمل بعد شهرين من الوضع قد يؤثر على صحة الأم". إذ تعتبر فترة ما بعد الولادة، أو النفاس، التي تستمر من ستة إلى ثمانية أسابيع، الأكثر خطورة على الأم والطفل الذي يحتاج لعنايتها. "ستشعر خلالها المرأة بالاكتئاب، وتكون عرضة لمضاعفات وتغيرات هرمونية كثيرة، عدا الإرهاق والتعب”.

ولكن هذا لا يعني أنها تستطيع العودة لمزاولة العمل لدى انتهاء هذه المدة. فبين تعب الإرضاع، وآلام الوضع، وتنظيم نوم الطفل وقلة نومها التي تستمر أكثر من ثلاثة أشهر، سيستحيل عليها التركيز في عملها بدون الوقوع تحت كم هائل من الضغوط الجسدية والنفسية. "يتوقع أصحاب العمل أن تعود المرأة بعد شهرين ولديها الطاقة والإنتاجية والتركيز والقدرة التي كانت تتمتع بها قبل الحمل. وهذا شبه مستحيل”.

علماً أن العديد من النساء بحاجة للراحة في الأسابيع التي تسبق الولادة. فإن كانت إجازة الوضع في القانون 50 يوماً مثلاً، فلن يتبقى لها بعد الولادة سوى 40 أو حتى 35 يوماً فقط.

الحضانات أكثر أهمية

في السعودية، يُلزم القانون صاحب العمل الذي لديه أكثر من 50 موظفة بتوفير مكان مناسب لرعاية الأطفال خلال ساعات عمل الموظفة، وبتأمين عدد كافٍ من المربيات. وهو ما تتمناه وصال، غير أن عدد الموظفات في مكتبها لا يتجاوز الستة. "أنا مستعدة لإحضار المربية والأدوات اللازمة، كل ما أحتاجه هو أن يوفر لي العمل ركناً خاصاً أضع طفلي فيه ليكون قريباً مني". وقد قررت مفاتحة إدارة الشركة بالموضوع، لكنها غير متفائلة، إذ سبق أن تقدمت زميلة لها بطلب مماثل وقوبل بالرفض. "سأحاول مرة أخرى، فنحن الآن إثنتان لعل وعسى".

تعتقد الاختصاصية في علم النفس والإرشاد النفسي والسلوكي، وسفيرة النوايا الحسنة لدى الأمم المتحدة في الكويت الدكتورة سناء عصفور أن إنشاء دور حضانة مجانية للأطفال الصغار تكون على درجة عالية من الكفاءة، هي الحاجة الأكثر أهمية وإلحاحاً في الوقت الحالي، لتعود المرأة إلى العمل وهي مطمئنة لوجود طفلها في مكان آمن بالقرب منها.

الكويت

في الكويت، حيث وصلت نسبة النساء في سوق العمل إلى 47% على حد قول الدكتورة عصفور، تنص المادة 25 من قانون العمل على أن "تتمتع المرأة الحامل بإجازة أقصاها 30 يوماً قبل الوضع و40 بعد الوضع بأجر كامل. ويجوز للعاملة أن تنقطع عن العمل بعد هذه الفترة بدون أجر لمدة أقصاها 100 يوم متصلة أو متقطعة وذلك بسبب مرض يثبت بشهادة طبية إنه نتيجة للحمل والوضع".

وكما في الكويت، خيار تمديد إجازة الوضع والحصول على أيام إضافية بلا أجر متاح لمعظم موظفات الخليج، وخاصة في القطاع العام، شريطة أن تثبت الموظفة حاجتها للإجازة بتقرير طبي. ولا يحق للإدارة أن تفصلها من عملها خلال هذه الفترة لأي سبب كان. لكن الالتزامات والحالة المادية للكثير من السيدات، تجعلان التنازل عن الراتب أمراً صعباً، فتضطر الأم لمزاولة عملها بعد شهر من الوضع.

في قطر

في الدوحة، استطاعت ندين نحلاوي التي وضعت طفلتها ليا قبل حوالي ثلاثة أشهر أن تحصل على إذن عمل من المنزل. هي تعمل في شركة خاصة تعطي الموظفات فترة رعاية أطول مما يجيزها القانون. تقول ندين: "أعمل من المنزل خلال النهار، وأحدد مواعيد اجتماعاتي حينما يعود زوجي في المساء ليبقى مع الطفلة إلى حين عودتي".

تقول المادة 96 من قانون العمل القطري أن للعاملة التي "أمضت في خدمة صاحب العمل سنة كاملة الحق في الحصول على إجازة وضع بأجر كامل مدتها 50 يوماً. تشمل المدة التي تسبق الوضع والتي تليه. وترى إليزابيث بليكنهورست، إحدى مؤسسات شركة "قطر العالمية للمرأة" التي تختص بتوظيف النساء في قطر وإيجاد فرص عمل لهن، أن تمديد إجازة الوضع قد يدفع عدداً كبيراً من النساء للالتزام والبقاء في العمل، وقالت: " إن قرارات الأم العاملة إما سوداء أو بيضاء ولا مكان للحلول الوسط. فهن إما ملتزمات بعملهن كلياً برغم معرفتهن الصعوبات التي قد يواجهنها وبقصر إجازة الوضع، أو يتركن العمل لرعاية الأطفال وفي الغالب لا يعدن إليه مجدداً".

خسارة مادية لأرباب العمل؟

ماذا يحصل لو حملت 5 موظفات في الوقت نفسه، وحصلت كل واحدة منهن على إجازة وضع مدتها عام؟ سيناريو يخشاه الكثير من أصحاب العمل لما فيه من إرهاق مادي، لا سيما للشركات المتوسطة والصغيرة. وقد تستغل بعض النساء فترة عملهن لإنجاب أكثر من طفل خلال مدة قصيرة. وهو ما لمسته الدكتورة عصفور من خلال خبرتها مع الموظفات. هي لا تؤيد تمديد إجازة الوضع لعام كامل كبعض دول أوروبا، لما قد يحصل من سوء استخدام للقانون. وقالت: "بعض الموظفات يُتبعن الحمل بالآخر، فتعود من إجازة الوضع لتزاول العمل بضعة أشهر ثم تذهب في إجازة وضع جديدة. لا نزال نفتقر في العالم العربي لثقافة العمل تقديراً للذات، فلا يكون المرتب هو الهدف".

أما الحل برأيها، فهو عبارة عن تكامل حلول بسيطة. أولها تخصيص إجازة وضع مدفوعة مدتها ستة أشهر، هي المدة الكافية للمرأة العاملة في العالم العربي، ومن ثم إنشاء الدولة للكثير من الحضانات المجانية والعالية المستوى، وثالثاً مشاركة الأب في رعاية الأطفال. "بهذا نساعد المرأة الجادة على التقدم في عملها والحصول على مناصب قيادية وفعالة".

تبقى تجربة الأمومة حالة فردية وشخصية جداً، تختبرها كل إمرأة على طريقتها. فهناك نساء بحاجة لأكثر من عام بالقرب من مولودهن، بينما تشعر أخريات بالرغبة في التحرر من قيد المنزل والعودة للعمل بعد أقل من 3 أشهر. لذا على القانون إعطاء المرأة حق اختيار الفترة التي تراها مناسبة، بدون وضعها تحت ضغط مادي ومالي، ومع الحفاظ في الوقت ذاته على حقوق أصحاب العمل في القطاع الخاص. كأن تقوم الدولة بتغطية أجرها خلال هذه الفترة، أو أن تحدد مدة معينة، كعامين أو ثلاثة مثلاً، بين إجازة وضع وأخرى.

نشر الموضوع على الموقع في 12.06.2015

هالة دروبي

صحافية سورية عملت في النيويورك تايمز ومحررة في موقع ياهو. تحمل إجازة في علم النفس، وماجستير في الصحافة المكتوبة من جامعة كولومبيا في نيويورك.

التعليقات

المقال التالي