رجال تخلوا عن نسائهم الناجيات من السرطان وآخرون تمسّكوا بهنّ

رجال تخلوا عن نسائهم الناجيات من السرطان وآخرون تمسّكوا بهنّ

ما إن علمت شقيقات أبو أحمد أن زوجته مصابة بسرطان الثدي، حتى بدأت الضغوط العائلية تنهال عليه لتزويجه بامرأة أخرى، على اعتبار أن زوجته لن تعود يوماً كما كانت، وأن مجرد إصابتها بالمرض يعني "تجرّدها من أنوثتها". 

يقول أبو أحمد لـرصيف22: "مضى على اكتشاف إصابة زوجتي بسرطان الثدي نحو 15 عاماً. حينذاك، كانت الأمور تختلف عن اليوم، فالوعي بطبيعة المرض كان شبه معدوم وفرص النجاة كانت قليلة جداً". ويضيف: "كان الأمر صدمة كبيرة. كان قلقي الأكبر على فرص نجاة زوجتي وشفائها. تكتّمنا على الموضوع، ولم نشأ أن يعلم به أحد من المحيطين بنا. خضعت زوجتي لعملية جراحية تم على إثرها استئصال أحد ثدييها، وخضعت للعلاج الكيماوي". ويتابع: "خلال فترة  العلاج الكيماوي، علمت عائلتي بمرض زوجتي وكانت ردود أفعالهم صادمة. فبدلاً من تشجيعي على رعايتها، كانوا يضغطون علي للزواج بأخرى خصوصاً أن زوجتي باتت فاقدة لأنوثتها برأيهم".

ويشير أبو أحمد إلى أن "أياً من تلك النصائح لم تؤثّر فعلياً عليّ. شعرت خلال تلك الفترة بمدى حاجتي وحبي لها، كما أنّ علاقتنا باتت أكثر حميمية، فهي بقيت امرأة جذابة ومغرية في نظري، ولم أرد لها يوماً أن تشعر أن شيئاً تغيّر في نظرتي إليها".

أقوال جاهزة

شارك غردعلى الرجل أن يكون الداعم الأول لزوجته عند إصابتها بسرطان الثدي

شارك غرد"خلال الجلسات كنا نتشارك قصصنا، إحدانا لم تكن تتجرأ على خلع الشعر المستعار أمام زوجها برغم أن علاقتهما جيدة جداً"

يبقى دعم الرجل لزوجته الناجية من هذا المرض أمراً أساسياً ومهماً، عند اكتشافه وخلال رحلة شفائها وبعدها. وكان مركز الحسين للسرطان أطلق حملة عام 2012 تحت اسم "شجعها تفحص، منك أنت غير"، كان هدفها تثبيت دور الرجل في دعم زوجته، والتغلب على المرض ومواجهة التحدي معاً. وبرغم إطلاق الحملة، فإن مديرة معهد العناية بصحة الأسرة في مؤسسة نور الحسين، الدكتورة منال التهتموني تقول: "للأسف هناك غياب واضح لأهمية برامج الإرشاد للناجية وشريكها في التعامل مع الوضع الجديد بعد مرحلة العلاج. نتيجة لذلك، تعاني العديد من النساء إما من مشكلة هجران الزوج أو من حصول برودة في العلاقة".

وتضيف: "غالباً ما تركّز المؤسسات الطبية، التي تقدّم الخدمات، على توفير النصح والإرشاد للمرأة وعائلتها في الفترة ما قبل العلاج عبر طرح الخيارات أمامها، من عمليات جراحية إلى علاج كيماوي أو علاج إشعاعي. وبعد الانتهاء من العلاج يتم متابعة المراجعات فقط، من دون إعطاء مساحة كافية للإرشاد النفسي والاجتماعي للزوجين لتقبّل المرحلة المطلة من الحياة". وتوضح "في السابق، كانت نسبة النجاة من سرطان الثدي قليلة جداً، إذ إن اكتشاف المرض كان غالباً يتمّ في مراحل متأخرة. أما اليوم ونتيجة للتشجيع من خلال حملات الكشف المبكر عن سرطان الثدي، فبات هناك عدد أكبر من الناجيات المتعايشات مع المرض أو اللواتي شفين".

بحسب مديرية الأمراض غير السارية، فقد شهد اكتشاف حالات السرطان بين النساء في الأردن ارتفاعاً ملحوظاً خلال عشر سنوات. ففي حين كان عدد الحالات المكتشفة عام 2001 نحو 566 حالة، بلغ عام 2011 نحو 935. وترى التهتموني أن هذا العدد مؤشر على زيادة الوعي بالمرض والكشف المبكر عنه". أما نسبة الإصابات بسرطان الثدي لعام 2011 فقد بلغت 37.7% من بين الأنواع السرطانية الأخرى، في حين بلغ إجمالي الحالات المسجلة لسرطان الثدي منذ العام 1996 حتى 2011 نحو 10652 حالة.

وتشير التهتموني إلى أن "التغيير في شكل الجسد واهتزاز ثقة المرأة بنفسها أو عدم تقبّل زوجها لشكلها الجديد، فضلاً عن أثر بعض العلاجات سلباً على الرغبة الجنسية، جميعها عوامل قد تؤدي إلى برودة في العلاقة، هنا تكمن أهمية برامج الرعاية اللاحقة والإرشاد للزوجين". ولفتت إلى أن "في بعض الحالات يكون الزوج داعماً لزوجته من منطلق قناعات دينية تحتّم عليه رعايتها. حينذاك، تشعر الزوجة أنها حصلت على منة أو حسنة من زوجها، وأنه يستحق الأفضل. فتبدأ برحلة البحث له عن زوجة ثانية، وفي حالات أخرى ترفض الزوجة هذه الشفقة فتنتهي العلاقة الزوجية". وتقول: "برغم الاختلاف في ردود الأفعال، التي تعود إلى طبيعة العلاقة سابقاً بين الزوجين، ومدة الزواج والوعي الفكري والاجتماعي ومستوى التعليم، فإن ذلك لا يبرّر النقص في خدمات الإرشاد".

وسط ندرة برامج المؤسسات الطبية أو حتى مؤسسات المجتمع المدني في الأردن لدعم النساء الناجيات من سرطان الثدي، لجأت "آية" إلى تشكيل مجموعة دعم من نساء التقت بهنّ خلال رحلة علاجها من سرطان الثدي في مركز الحسين للسرطان. تقول: "أصبت بسرطان الثدي في مرحلة مبكرة من عمري. كنت في نهاية الثلاثين من عمري، وقرّرت التعامل مع المرض بإيجابية. أستطيع أن أقول إنني كنت قوية حتى أن زوجي وعائلتي استمدوا قوتهم مني". وتضيف: "وقف زوجي إلى جانبي ولم يفارقني طوال فترة علاجي، كان لوجوده الداعم أهمية كبيرة في رفع معنوياتي وقدرتي على مواجهة المرض".

وتتابع: "لم يشعرني يوماً بأنه يرفض شكلي الجديد، بل بدا متقبلاً له. خضعت لعملية زراعة ثدي اصطناعي، لم تكن نتائج العملية مرضية لكنها لم تكن غاية في السوء". وتشير إلى أنه "رغم دعمه الدائم فلم يعاملني بشفقة، وهذا أمر مهم بالنسبة إلي. فكل ما كنت بحاجة له وجود رفيق إلى جانبي". وتتابع: "اليوم أرتدي المايو بكل ثقة، صحيح ليس هذا الشكل الذي أتمنى أن أكون عليه، لكن ذلك لا يهمني، المهم أنني في صحة جيدة وسعيدة بعلاقتي مع زوجي".

وتقول: "لا ينطبق حالي على حال كل الناجيات، خلال حلقات الدعم كان هناك قصص ناجيات من السرطان ضحايا لأزواج غير مخلصين". وتذكر قصة امرأة في نهاية العشرين من عمرها، اكتشفت إصابتها بالسرطان أثناء حملها بطفلها الأول، عقب فترة قصيرة من اكتشاف المرض خسرت الجنين، وبعد ذلك مباشرة خسرت زوجها الذي لم يرغب في إكمال حياته معها.

"خلال الجلسات كنا نتشارك قصصنا، إحدانا لم تتجرأ على خلع الباروكة (الشعر المستعار) أمام زوجها برغم أن علاقتهما جيدة جداً، لكنها كانت دوماً تخشى أن يراها من دون شعر".

نادين نمري

صحفية أردنية متخصصة في صحافة حقوق الإنسان، لديها اهتمام خاص بقضايا الحريات الدينية والأقليات في الشرق الاوسط، والجندر وحقوق الطفل والأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة، مناهضة لعقوبة الاعدام. حائزة على جائزة صحافة حقوق الانسان للعام 2015 المقدمة من منظمة صحفيون لحقوق الإنسان ومعهد الإعلام الاردني. تعمل في مجال الصحافة المكتوبة منذ 12 عاما.

كلمات مفتاحية
الأردن المرأة

التعليقات

المقال التالي