مظاهر التوتر في سلوكنا الجماعي

مظاهر التوتر في سلوكنا الجماعي

إذا تأملنا الفروق السلوكية التي تميز الشعوب بعضها من بعض، فسنلاحظ أن لكل مجموعة بشرية تعيش في إطار جغرافي أو ثقافي مشترك، سلوكيات جماعية تميزها من المجموعات الأخرى. والطريف أن دراسة بعض هذه السلوكيات قد تحمل دلالات عميقة عن الوضع النفسي العام لتلك المجموعة البشرية. وإذا دققنا النظر في بعض السلوكيات الجماعية المتكررة في  الكثير من البلدان العربية، فسنلاحظ أنها تعكس في غالب الأحيان حالة من التوتر النفسي المشترك. فما هي هذه السلوكيات؟ وأين تكمن مظاهر التوتر المشترك؟

الفوضى المرورية

إذا زرت أكثر من بلد عربي، فستلاحظ أن حركة المرور متشابهة، وأن قيادة السيارة في هذا البلد أو ذاك قد تكون ضربًا من ضروب المجازفة، وأن عبور الشارع قد يتسبب لك بحادث محقق. ورغم أن معظم الشوارع العربية لا تشكو من نقص في علامات المرور، ولا من ممرات خاصة بالمترجلين، إلا أن كل ذلك يبقى مجرّد "ديكور" خارجي لا يلتزم به أحد. على سبيل المثال، ليس غريباً أن ترى في عدد من المدن العربية سيارات مركونة فوق الأرصفة، وأخرى تسير في اتجاه معاكس أو ممنوع، أو مترجلين يعبرون الشارع في أماكن غير مخصصة لذلك... كل هذه السلوكيات المرورية تعكس حالة من التوتر العام تحول دون احترام قواعد السير، وتجعل المدن العربية في حالة اختناق متواصل. ليس أدلّ على هذا التوتر من المشاكسات والخصومات التي كثيراً ما تنشب في الشارع العربي بسبب عدم التقيد بإشارات المرور، والتي قد تتطور أحياناً إلى عنف متبادل.

المجادلة الحادة

كثيراً ما تتميز النقاشات العربية، في العمل أو في الشارع أو حتى في المقهى، بنبرة حادة قد تعطي لغير المطلع على خصوصياتنا الثقافية انطباعاً بأن الأمر ليس مجرّد نقاش حول فكرة معينة، وإنما هو خصام على وشك أن يتحول إلى عنف جسدي. الطريف أن هذا الأسلوب في الحوار يكاد لا

يتغير بتغير موضوع الحديث، فسواء كان النقاش حول مقابلة لكرة القدم أو مسألة سياسية وطنية أو دولية أو حتى أغنية لفنان راحل، فإن النبرة كثيراً ما تخفي في طياتها توتراً عميقاً قد يتحول إلى عنف لفظي وجسدي. صارت ظاهرة المجادلة الساخنة سمة مميزة لبعض البرامج التلفزيونية، التي يُفترض أن تحترم حداً أدنى من الهدوء، مثل برنامج الاتجاه المعاكس على قناة الجزيرة، وقد تحولت فيه بعض النقاشات السياسية إلى سباب لفظي وعنف جسدي مباشر. يُبرز هذا التأهب المستمر للدفاع عن الموقف، بغض النظر عن قيمته ومبرراته وقوة حجته، بنبرة حادة تتجاوز آداب الحوار الهادئ، حالة من التوتر الجماعي بات يُميز الشعوب العربية على اختلاف خصوصياتها اللغوية.

المبالغة في الفرح والحزن

في لحظات الحزن العميق أو الفرح الشديد، كثيرًا ما يكون المواطن العربي على درجة من الاستنفار قد تؤدي به إلى عواقب وخيمة. ولعلّ ما حصل في الجزائر عقب ترشح منتخب كرة القدم إلى مونديال البرازيل أهم دليل على ذلك. ففي الليلة التي ضمن الجزائريون ورقة التأهل، توفي ما لا يقل عن شابين "احتفالاً" بالانتصار. كما لا تخلو بعض المناسبات العائلية مثل حفلات الزواج وغيرها من المناسبات في بعض المناطق العربية من مظاهر غريبة قد تعرض حياة العشرات إلى الخطر، ومنها استخدام البارود والمفرقعات وحتى الأسلحة الرشاشة. أما في حالات الحزن، فالمبالغة تكون عبر التشفي في النفس، ومن منا لم يطّلع على ما يُسفك من دماء في بعض المناسبات الدينية في عدد من الدول العربية ودول الجوار "حزناً وألماً" على أحداث معينة في التاريخ العربي الإسلامي.

الكسل الإداري وسوء الخدمات

هذا مشهد آخر يكاد يكون متكرراً في معظم الدول العربية. تتميز الخدمات الإدارية، في القطاع العام على وجه التحديد، ببطء شديد. وقد يواجه المواطن تعقيدات لا نهاية لها من أجل الحصول على وثيقة معينة أو أي خدمة مشابهة. رغم الانتشار الواسع للتكنولوجيا الحديثة في مؤسسات القطاع العام في معظم الدول العربية، فلا تزال الخدمات الإدارية تتسم بقدر كبير من الرداءة، وهذا يُبرز أن للقائمين عليها دوراً في ذلك. عبارة "ارجع بُكرا" صارت جواباً جاهزاً يُعفي الموظف من إسداء الخدمة لطالبها. إذا دققنا النظر في هذا التلكؤ من جانب موظفي الإدارة في تقديم خدمات ذات جودة محترمة، فسنلاحظ أن للجانبالنفسي دوراً في ذلك. فالعمل المضني لساعات متواصلة في ظروف غير مريحة وبمقابل مادي سيىء ينتج عنه حتماً توتراً نفسياً عميقاً يحول دون تحقيق خدمات ذات جودة.

أقوال جاهزة

شارك غردالتوتر ظاهر في معظم سلوكيات مجتمعاتنا

شارك غردالفوضى المرورية، المجادلات الحادة، المبالغة في الفرح والحزن... التوتر جزء أساسي من حياتنا

التجاوز عند الحرية

أبرزت الأحداث السياسية الكبرى التي هزت بعض الدول العربية، والتي أدّت إلى إسقاط بعض الأنظمة القمعية، إلى وجود فهم خاطئ لمبدأ الحرية، الذي يُفترض أن يكون من أهم ما جاءت به الانتفاضات الشعبية. على سبيل المثال، ارتفعت في هذه البلدان وتيرة المطالب الاجتماعية، مثل تحسين الأجور وظروف العمل، ولكن بأسلوب لا يرتكز على فهم صحيح لمفهوم الحرية، فصار البعض يعمد إلى غلق الطرق، وتعطيل المصالح العامة، ووصل الأمر إلى استخدام السلاح لحمل الدولة على تحقيق مطالب قد تكون في أحيان كثيرة على حساب المصلحة العامة. يدلّ هذا السلوك أيضًا على حالة من الانفلات العام الذي يُميّز المزاج العربي الجماعي، وهو أيضًا ناتج عن حالة من التوتر المزمن الذي تراخت ضوابطه بزوال القمع.

برغم أنه لا يُمكن تلخيص السلوكيات الجماعية المميزة للشعوب العربية في النقاط المذكورة أعلاه، فإن جميع هذه السلوكيات تؤكد وجود حالة من التوتر العام لدى المواطن العربي. إذا عقدنا مقارنات مع بعض الشعوب الأخرى في المنطقة، التي لا تختلف عنا من حيث المستوى المادي والتطور العلمي والتكنولوجي، فسنلاحظ أن معظم السلوكيات التي تم التطرق لها لا تشكل ظواهر اجتماعية بارزة في هذه البلدان. غير أن استعراض هذه السلوكيات، بما تحمله من تأويلات نفسية عميقة، لا ينفي وجود سلوكيات جماعية أخرى ذات قيم إنسانية عالية تتميز بها المنطقة، وقد تفتقدها أكثر المجتمعات تطوراً مثل الكرم والشهامة.

عزالدين السعيدي

أستاذ جامعي وصحافي تونسي، مساهم في وسائل إعلامية عدة. يحمل إجازة في اللسانيات الإنغليزية.

كلمات مفتاحية
الـ22

التعليقات

المقال التالي