عالم الركلات الترجيحية المثير والمجنون... المرمى قد يتحوّل إلى علبة كبريت

عالم الركلات الترجيحية المثير والمجنون... المرمى قد يتحوّل إلى علبة كبريت

يضطلع العامل الذهني والنفسي للاعب المُسدّد بدور كبير في تحديد مصير الركلة الترجيحية. الخطوات الأربع أو الخمس التي يخطوها اللاعب قبل الوصول إلى الكرة في المباريات المهمة قد تكون الأصعب في حياته.

"كنت جاهزاً لتسديد الركلة الترجيحية، لكن الحكم تأخّر في إطلاق صافرته لسبب لم أفهمه. ثوانٍ قليلة من شأنها أن تذهب بتركيزك". بهذه الكلمات تحسّر الإنغليزي ستيفان جيرارد Gerrard على الركلة الترجيحية التي أضاعها في مباراة منتخب بلاده ضد البرتغال، في ربع نهائي مونديال 2006 في ألمانيا.

وقال ماجد العبد الله نجم الكرة السعودية: "يبدو لي المرمى أصغر من علبة كبريت في كل مرة أقف لأسدد ركلة جزاء". أحياناً، يدفع الخوف بعض اللاعبين إلى الامتناع عن تسديد الركلة كما حصل في مونديال البرازيل الأخير، إذ أقرّ مدرب المنتخب الهولندي لويس فان غال Van Gal بأن اثنين من لاعبيه رفضا تولي مهمة تنفيذ الركلة الترجيحية الأولى في مباراة نصف النهائي ضد الأرجنتين.

تفاصيل تحدد مصيراً

وصلت المباراة المتكافئة بين المنتخبين الإنغليزي والإيطالي في ربع نهائي يورو 2012 في بولندا وأوكرانيا إلى الركلات الترجيحية. دهم الطليانَ خطر الخروج بعد إهدار مونتوليفيو Montolivio للركلة الثانية. تقدّم نجم الفريق اندريا بيرلو Pirlo بهدوء لتسديد الركلة الثالثة، وأرسلها خفيفة في منتصف المرمى على طريقة بانينكا Paninka. لاحقاً، اعترف بيرلو: "شعرت بأن زملائي متوترون، وسدّدت الكرة بهذه الطريقة لأرفع من معنوياتهم". فازت إيطاليا لاحقاً بالمباراة، وخرج الإنغليز كما عادتهم من بوابة ركلات الموت.

يُعدّ حسن اختيار اللاعبين الخمسة لتسديد الركلات الترجيحية وتحديد ترتيبهم أمراً مفصلياً وبالغ التأثير في تحديد الفائز بالمباراة. يتجنب بعض المدربين مثلاً تكليف لاعبهم الأبرع في التسديد، تنفيذ الركلة الأولى لأن الضغط النفسي يكون أقل، ويفضلون توفيره لركلة أكثر أهمية (كحالة بيرلو المذكورة آنفاً). علماً أن إهدار اللاعب الأفضل للركلة الأولى من شأنه إحباط بقية اللاعبين. ومن جهة أخرى يختار معظم المدربين، في حال كسبهم القرعة، أن يسدّد فريقهم الركلة الأولى باعتبار أن تسجيل الركلة الأولى، وهو أمر مرجح بنسبة عالية، سيضع المسدّد الأول من الفريق الخصم تحت ضغط كبير.

ويشير إحصاء تناول الركلات الترجيحية المسددة في نهائيات كأس العالم، إلى أنّ نسبة تسجيل اللاعب عندما يكون إهدار الركلة سيقصي الفريق هي 66% ، بينما نسبة تسجيل الركلة هي 90% عندما يكون تسجيلها يهدي الفريق الفوز. والسبب في التفاوت يعود إلى الأمور الذهنية والنفسية قبل أي شيء آخر. وعادةً، يتجنب لاعبو الفريق إلى حد معين تسديد الركلة المُقصية (أي الركلة التي يقصى الفريق في حال إهدارها).

ركلات حظ أم جزء من اللعبة؟

يعتبر كثيرون أن الفوز بالركلات الترجيحية هو مسألة حظ في النهاية إذ إن حظوظ ربح كلا الفريقين تكون متساوية قبيل البدء بتنفيذها، ولا تركن النتيجة بالضرورة إلى نوعية اللاعبين ونجوميتهم، ولا يمكن توقّع ما سيحدث، خصوصاً أن نجوماً كباراً أهدروا ركلات ترجيحية في مباريات حاسمة. ولكن مدرّبين كثراً لا يتعاملون مع هذا الموضوع على أنه قضية حظ بل باتوا يخصّصون أوقاتاً طويلة للتدرّب على تنفيذ ركلات الترجيح، والتعامل مع السيناريوهات المحتملة.

وفي إمكان المطلّع على تاريخ الركلات الترجيحية في المسابقات الدولية، رسم بعض الملامح العامة لمسارها والخروج، وإن بحذر، ببعض الاستنتاجات. كالقول مثلاً إن الإنغليز سيئون في تنفيذ ركلات الترجيح، أو سيئو الحظ كما يحب البعض أن يقول. فمنتخب الأسود الثلاثة خرج من المونديال في المرّات الثلاث التي خاض فيها ركلات ترجيح (1990، 1998، 2006) كما أنه خرج ثلاث مرات من كأس أوروبا بركلات الترجيح (1996، 2004، 2012). لذلك، صارت ركلات الترجيح تشكّل هاجساً كبيراً للإنغليز.

في المقابل، استطاع المنتخب الألماني أن يتخطّى منافسيه في المرّات الأربع التي اضطر فيها إلى لعب ركلات ترجيح (1982، 1986، 1990، 2006) متسلّحاً بحراس مرمى جيّدين ولاعبين يسددون ركلاتهم بدم بارد. واستطاع الألمان خلال هذه المناسبات الأربع تسجيل 17 ركلة ترجيح من 18. يتدرّب الألمان على تنفيذ هذه الركلات، بل يلجأون إلى الحيلة أحياناً كما فعل حارسهم ينس ليمان Lehman عندما دوّن على ورقة صغيرة الطريقة التي يسدد بها لاعبو الأرجنتين، ما ساعده على صد ركلتين من أربع في ربع نهائي مونديال ألمانيا 2006.

العيون على حراس المرمى

على عكس الركلات الحرّة والتسديدات البعيدة، لا يمكن للحارس انتظار اللاعب كي يسدد ركلة الجزاء ثم اللحاق بالطابة، وذلك بسبب قرب المسافة بين الكرة والمرمى (9 أمتار تقريباً) وسرعة التسديدة (أكثر من 80 كلم/ ساعة غالباً)، أي أن الكرة بحاجة لأقل من نصف ثانية للوصول إلى خط المرمى، لذا على الحارس أن يختار زاوية الارتماء مسبّقاً.

يلجأ الحراس إلى وضع استراتيجيات تهدف إلى زيادة حظوظهم في التصدي للكرة، كالتفرّس في عيني اللاعب المسدّد لتوقّع اتجاه الكرة، أو التحرّك بطريقة تشتت تركيز اللاعب. وتظهر إحدى الإحصاءات، التي شملت نحو 400 ركلة عشوائية، أن الحارس ينقذ الكرة بنسبة 12% عندما يختار القفز إلى الجهة اليمنى، و9% عندما يختار الجهة اليسرى، بينما تصل النسبة إلى 30% عندما يقرر الحارس البقاء في منتصف المرمى.

ركلات جزاء راسخة في الأذهان

يتذكّر المتابعون غالباً الركلات المهدورة باعتبار أن دخول الكرة في الشباك هو المرجح بنسبة تفوق الـ80%. مع ذلك وبعد نحو أربعين سنة، لا يزال العالم يتذكر ركلة الترجيح التي سددها اللاعب التشيكوسلوفاكي أنطونين بانينكا Paninka في نهائي يورو 1976 ضد ألمانيا في بلغراد بطريقة مدهشة، إذ وضع الكرة خفيفة ومتوسطة الارتفاع في منتصف المرمى تماماً بحرفية عالية، مهدياً منتخب بلاده كأس البطولة. عشرات النجوم قاموا لاحقاً بتقليد بانينكا وسددوا بالطريقة نفسها.

في المقابل، هناك لاعبون لم تسامحهم جماهير فرقهم على إضاعة ركلات ترجيحية، ومنهم نجومٌ كبار أهدروا ركلات حاسمة بطريقة غريبة. ومن أبرز الركلات الترجيحية التي أضاعها نجوم، تلك التي سددها نجم فرنسا ميشال بلاتيني Platini في مباراة بلاده ضد البرازيل في نصف نهائي كأس العالم 1986، ولكن فرنسا فازت برغم ذلك، ما خفف عن النجم الفرنسي. علماً أن تلك المباراة شهدت إضاعة نجم البرازيل زيكو Zico ركلة جزاء كانت، لو دخلت، لتحسم المباراة قبل الوصول إلى الركلات الترجيحية، وهذا ما لم ينسه البرازيليون.

كذلك أضاع نجم المنتخب الإنغليزي، خبير الركلات الثابتة، دافيد بيكهام Beckham ركلة ترجيحية في ربع نهائي يورو 2004 ضد البرتغال مقصياً فريقه من المنافسة.

ولعلّ أشهر الركلات الترجيحية المهدورة هي تلك التي سدّدها نجم إيطاليا روبرتو باجيو Baggio في نهائي كأس العام 1994 ضد البرازيل، وأدت إلى منح منتخب السامبا اللقب. وعنها قال: "برغم مرور السنوات لا تزال الحسرة في قلبي، أحلم باستمرار بهذه الركلة أثناء نومي، لو قدّر لي أن أمحو لحظةً من حياتي لما ترددت بمحو تلك اللحظة".

التعليقات

المقال التالي