القصة المثيرة لدير "سمعان الخراز" و"منطقة الزبالين" في مصر

القصة المثيرة لدير "سمعان الخراز" و"منطقة الزبالين" في مصر

تقول الروايات التاريخية إن المعز لدين الله، أول الخلفاء الفاطميين في مصر، كان له وزير يهودي اسمه يعقوب ابن كلس يكره المسيحيين ويعاديهم بشدة، فحرّض الخليفة ضدهم. وكان المعز متسع الأفق واسع الصدر، فقال له الوزير: "مكتوب في إنجيل النصارى أن من كان له إيمان مثل حبة خردل، فإنه يقول للجبل انتقل واسقط في البحر فيفعل، فإما أن يكون النصارى على صدق أو كذب، في إنجيلهم".

القصة المثيرة لدير سمعان الخراز ومنطقة الزبالين في مصر - صورة 1

عرض الوزير تلك الآية على الخليفة، وطلب إليه أن يجبر المسيحيين إثبات "زعم" كتابهم. راق اقتراحه الخليفة، الذي كان يريد التخلص من الجبل الكائن شرق القاهرة (المقطم)، ومن ناحية أخرى اعتقد أن تملُص المسيحيين من تحقيق الآية الإنجيلية سيكون دليلاً على بطلان دينهم ومعتقداتهم. فبعث المعز للبطريرك إبرام ابن زرعة السرياني، يعلمه بطلبه مهدداً بعواقب وخيمة إذا فشل في ذلك، ومنحه مهلة ثلاثة أيام. فقامت الكنيسة كلها في البلاد خلال تلك الفترة بالصوم والصلاة.

وتتحدث الرواية الدينية عن ظهور مريم العذراء للبطريرك في صباح اليوم الثالث، وأخبرته أن يخرج ليرى رجلاً يحمل جرة ماء، سيكون هو المختار لإتمام المعجزة. وعند تنفيذه وصية العذراء، وجد إسكافياً يدعى سمعان الخراز وأخبره بما حدث. فطلب الإسكافي من البطريرك أن يبقى بين الشعب في اليوم المقرر لنقل الجبل، ومن هناك سوف يقوم بالصلاة، بينما يرسم البطريرك علامة الصليب. وتم ذلك كما قال، فحدثت زلزلة عظيمة وتحرك الجبل حتى بانت الشمس من تحته. بعد ذلك هرب الخراز كي لا ينال المديح من أحد.

معجزة "الزبالين" في مصر

بعد أكثر من ألف سنة، وقع أيضاً ما يشبه "المعجزة" في منطقة المقطم في قلب حي "الزرايب" المركز الذي يستقر فيه جامعو القمامة في القاهرة مع أسرهم، منذ أن حكمت عليهم محافظة القاهرة بالعيش هناك في أواخر عام 1969. فقد صدر قرار من محافظ القاهرة في ذلك الوقت قضى بنقل جامعي قمامة القاهرة، البالغ عددهم حينذاك 5 آلاف أسرة، إلى إحدى روابي المقطم ليقطنوا فيها، في ظروف قاسية، فكانت مساكنهم بدائية، وسميت زراريب نسبة إلى المكان الذي تقيم فيه الحيوانات، من دون مياه ولا مدارس ولا دور للعبادة.

القصة المثيرة لدير سمعان الخراز ومنطقة الزبالين في مصر - صورة 2

وقد اعتاد "قديس عجيب عبد المسيح"، وهو أحد جامعي القمامة، أن يجمع القمامة من حي شبرا، وكان يقابل أحد الخدام، الذي أصبح "أبانا سمعان ابراهيم"، وكان يتكلم معه عن الحياة مع الله، والتمتع بمحبته ونعمته عن طريق التوبة. كان قديس يدعو الخادم لزيارة "منطقة الزبالين" في جبل المقطم، وكرر هذه الدعوة على مدى عامين منذ عام 1972. في صباح يوم الأول من فبراير 1974، وافق ابراهيم على الزيارة وذهب إلى المكان.

حين وصل طلب من قديس أن يأخذه إلى مكان هادئ ليصلي، فأخذه إلى أعلى قمة في المنطقة، حيث وجد فجوة كبيرة تحت صخرة ضخمة، كانت حينذاك مغارة عجيبة، وهي الآن دير القديس "سمعان الخراز". وجدها الخادم مكاناً مناسباً، فداوم على الصلاة فيها كل يوم أحد مدة ثلاثة أسابيع.

في الأسبوع الثالث صعد الخادم إلى المغارة وأخذ معه شخصين آخرين، وأثناء الصلاة ثارت عاصفة هوجاء، فتطايرت أوراق قمامة المنطقة وملأت الجو، وحين هدأت العاصفة وقعت أمام المصلين ورقة صغيرة، تناولها أحدهم وسلمها إلى الخادم ليقرأ ما فيها، وإذا بها ورقة من سفر أعمال الرسل إصحاح 18: "فقال الرب لا تخف بل تكلم ولا تسكت لأنني أنا معك". حينذاك اعتبر الخادم ذلك صوت الله له، أو كما قال البابا الأنبا شنودة الثالث: "إنها ليست ورقة، بل هي فرمان سماوي". فقرر الخادم أن يخدم المنطقة، وبدأ ببناء كنيسة من الصاج سقفها من البوص، تماماً مثل مباني المنطقة، وقد أعادت إلى الأذهان مذود بيت لحم.

القصة المثيرة لدير سمعان الخراز ومنطقة الزبالين في مصر - صورة 4

ذهب الأنبا سمعان إبراهيم للبابا شنودة، الذي صرف مبلغاً من المال لبناء كنيسة لقاطني الجبل، فوقع الاختيار على مغارة تم اكتشافها عام 1974، وجرى تكليف مهندس معماري وضع تصميم لها. وبُني الدير بشكل تدريجي، بسواعد أبناء "حي الزبالين"، الذين نقلوا أكثر من مليونين ونصف المليون حجر لبناء الدير. واستمر العمل حتى وصل الدير لشكله الحالي "جوهرة معمارية" في قلب الجبل على مساحة 1000 متر تقريباً. يتكون الدير من 4 كنائس: كاتدرائية السيدة العذراء والقديس سمعان الخراز، كنيسة الأنبا إبرام بن زرعة السرياني، كنيسة مار مرقس و قاعة القديس سمعان الخراز التي تتسع لـ2000 شخص، وكنيسة الأنبا بولا أول السواح.

القصة المثيرة لدير سمعان الخراز ومنطقة الزبالين في مصر - صورة 5

و من الأمور العجيبة التي اكتشفت أثناء الحفر داخل المغارة، بروز رسم في سقف المغارة للسيدة مريم العذراء تحمل المسيح بين يديها. 

رسالة "ماريو" البولندي

اجتذب الدير سائحاً بولندياً يدعى ماريو لدى زيارته لمصر، وشعر أن هناك رسالة يستطيع أن يؤديها من هذا المكان. فنحت رسماً للقديس سمعان على لوح خشبي، حاز إعجاب راعي الكنيسة، فطلب منه أن ينحت تماثيل تحكي سيرة القديسين داخل الصخور، لتكون بمثابة معرض مفتوح. فنحت 76  نحتاً في الجدران بخلاف التماثيل، وأقام في مصر وتزوج امرأة من صعيد مصر. 

القصة المثيرة لدير سمعان الخراز ومنطقة الزبالين في مصر - صورة 7

مر على بناء الدير 43 عاماً، تحسنت فيها ظروف جامعي القمامة، ولم يعد المكان منفى لهم كما كان سابقاُ. فقد تحول إلى منطقة صناعية صغيرة لتدوير القمامة والمخلفات، برغم استمرار مشاكلهم مع الدولة، منذ حكمت بإعدام الخنازير في مصر في أبريل 2008، إبان ظهور وباء أنفلونزا الخنازير، القرار الذي اعترفت الحكومة المصرية فيما بعد بأنه كان قراراً مخطئاً، ولكن بعد خسارة "الزبالين" أكثر من مئة ألف خنزير كانوا يربونها في زرائبهم الشاسعة، وتساعدهم في التخلص من جبال القمامة التي يتم جمعها يومياً من ضواحي القاهرة المختلفة. وقد عادت الآن تربية الخنازير في الحي، لكنها لا تتعدى 25% مما كانت عليه قبل إعدام الخنازير.

القصة المثيرة لدير سمعان الخراز ومنطقة الزبالين في مصر - صورة 8

التعليقات

المقال التالي