"عبادة" الكعب العالي

"عبادة" الكعب العالي

العبارة غير مبالغ فيها، فما أن تخوضوا عميقاً في علاقة امرأة معاصرة بحذائها ذي الكعب العالي، حتى تكتشفوا التضحية والآلام التي تقدمها يومياً، كـ"صلاةٍ" لكريستيان Christian Louboutin، ومانولو Manolo Blahnik وجيمي Jimmy Shoo.

"عبادة" المرأة للكعب العالي لا يحدها أي عامل بشري، فإذا كبرت عظام قدميها في الحذاء، أو كسبت أصابعها بعض الوزن، قد تتخلى عن عددٍ منها بكل بساطة من خلال العمليات الجراحية، لتتمكن من انتعال حذاء سنديريلا.

كيف آلت الأمور إلى أن يصبح الكعب العالي رمزاً للقوة الجنسية الأنثوية الاجتماعية، وديانة في حد ذاتها للمرأة العاملة، بينما كان يوماً مخصصاً للرجال الأريستقراطيين، الذين ليسوا في حاجة حتى أن يمشوا أكثر من بضع خطوات في اليوم؟

جندي بالكعب

الرجال هم أول من لبس الكعب العالي، وبالتحديد في بلاد فارس. الفروسية كانت أساس اختراع الكعب، فحين يقف الجندي خلال ركوبه الخيل ليتمكن من رمي رمحه بدقة، كان الكعب العالي في خلفية رجله هوالذي يساعده على التوازن والثبات. مبدأ ما يزال يحكم تقاليد الكاوبويز Cowboys في الغرب، منخ لال لبس الحذاء ذي الكعب العالي Boots. ولقرونٍ عدة بقي الكعب مخصصاً لركوب الخيل في الشرق، كما توضح Elizabeth Semmelhack المسؤولة في متحف Bata Shoe Museum في تورونتو في مقابلة على موقع BBC، وذلك حتى حلول القرن السادس عشر، وانتشار ثقافة الكعب الفارسي في أوروبا الشرقية، خصوصاً لدى الفئة الأريستقراطية من خلال تبادل العلاقات على يد الشاه عباس الأول.

الكعب العالي - تاريخ الكعب العالي - عبادة الكعب العالي - جندي بالكعب

وقد دفع  ذلك الفئات الدنيا من الهرم الاجتماعي إلى اقتناء الكعب العالي في محاولة لتقليد الأريستقراطيين، وهذا ما دفع الآخرين إلى المبالغة في طول كعب حذائهم، الذي يعتبر النسخة الأولى من الكعب العالي الذي نلبسه اليوم. عدم الحاجة إلى الذهاب للعمل أو المشي لمسافات طويلة، لعب دوراً هاماً في تبني الكعب العالي لدى الأغنياء، الذين اعتادوا اختيار الملابس المعقدة والقليلة الراحة فقط لإظهارانتمائهم إلى طبقة معينة من المجتمع.

أقوال جاهزة

شارك غردكيف آلت الأمور إلى أن يصبح الكعب العالي رمزاً للقوة الجنسية الأنثوية الاجتماعية، وديانة في حد ذاتها للمرأة العاملة

شارك غردجنون عظمة الأقدام وما قد تفعله امرأة في سبيل ارتداء الكعب العالي

ذكورية المرأة في كعبها

سرعان ما انتقلت موضة الكعب العالي إلى النساء من الطبقة الأريستقراطية، كمحاولة لتقليد الرجال وانتزاع القوة أو السلطة منهم، تماماً كما كان يحصل مع قص الشعر، وإضافة الكتفية على الملابس، وتدخين الغليون. هكذا أصبح الكعب العالي "أكسسواراً" تختاره النساء من الطبقات العليا والمتوسطة في القرن السابع عشر، ليعطي المرأة وقفة المغازلة الطبيعية التي نجدها لدى معظم الثدييات، تقوس الظهر وإبرازالأرداف، مهما كان الألم الناتج عن لبسه.

الحركة الفكرية التي أنارت القرن الثامن عشر دفعت الرجال إلى التخلي عن معظم تقاليدهم الصاخبة في اللباس والحياة اليومية، فتنازلوا عن الصبغة ولباس الألوان الفاقعة، والأقمشة الفاخرة، والكعب العالي لتبني طلة بسيطة وعملية، وهذا ما قرّب فئات المجتمعات الذكورية المختلفة بعضها من بعض، لكنه جعل التفرقة بين الجنسين أكثر وضوحاً. الرجل مثقف وجدّي، والمرأة عاطفية وغير مثقفة، هذا هو المجتمع الذكوري الذي ما زال موجوداً حتى اليوم. مجتمع الكعب العالي الأنثوي، الذي يرمز إلى السطحية للبعض وإلى الإغراء للبعض الآخر. عام  1789، بدأت الثورة الفرنسية، فلم يعد تقليد الطبقة الأريستقراطية على الموضة، والنساء أيضاً تخلين عن الكعب العالي، 50 عاماً بعد تنازل الرجال عنه.

"لوبوتان" الملك لويس الرابع عشر

كانت الكعوب والنعال الحمراء اللون رمزاً للملكية والأريستقراطية لارتفاع تكلفة الصبغ، وهذا ما دفع الملك البريطاني شارل الثاني إلى اقتناء الموضة الفرنسية الحمراء، التي أطلقها لويس الرابع عشر، أحد أهم جامعي الأحذية في التاريخ. الصورة لم تتغير كثيراً اليوم، فالنعل الأحمر الذي أعاد اختراعه كريستيان لوبوتان منذ سنواتٍ قليلة، ما زال يرمز لانتماء المرأة التي تنتعله إلى طبقة اجتماعية معينة، وهو بطبيعة الحال دفع نساء الفئات الأخرى من المجتمع لمحاولة اقتناء النعل الأحمر، مهما كان ثمنه. عام 1670، أمر لويس الرابع عشر بإصدار مرسومٍ يسمح فقط لأعضاء بلاطه بانتعال الكعب الأحمر، للتمكن من التمييز بين من يملك مصالح مع الملك ومن لا يتمتع بتلك السمة، فهل يأتي يوم ويصبح كعب لوبوتان الأحمر حكراً على طبقة معينة من المجتمع؟

الكعب العالي - تاريخ الكعب العالي - عبادة الكعب العالي - صورة 3

البورنو والكعب الجنسي

اختراع الكاميرا الفوتوغرافية، نهضة الـPin-up girl أو فتيات البوسترات المثيرات للشهوة، انتشار البورنو، هذه هي الأحداث التي كانت مسؤولة عن عودة الكعب العالي لدى النساء فقط، منتصف القرن التاسع عشر. عارضات عاريات بالكعب العالي، هكذا حرص البورنوغرافيون على تقديم الكعب للمجتمعات الحديثة بحلة مثيرة، قبل أن يتبناه عالم الموضة. هذا الترابط بين الإغراء والشهوة والكعب العالي، هو الذي ما زال يجذب الرجل المعاصر، ولو بطريقة غير واعية، للمرأة التي تنتعله.

في القرن العشرين حصل تطور ملحوظ في دور المرأة السياسي والاجتماعي، ومع اقتنائها أعمالاً وهوايات ورياضات كانت حكراً على الرجال، قررت المرأة أن لا تتخلى عن كعبها العالي، الذي أصبح يرمز للأنوثة والإغراء. إعادة انخراط الرجل في الحياة الاجتماعية بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، دفع المرأة إلى استعادة مكانها في المنزل، والموضة إلى "تأليه" الكعب العالي الرفيع الأنثوي، خصوصاً بعداكتشاف مواد وتقنيات معدنية أيام الحرب، ساهمت في إنتاج كعوب عالية ومتينة.

آخر الاختراعات في أيامنا المعاصرة يتجسد في أحذية تعلو أكثر من 20 سنتمتراً عن الأرض، تسمى "أحذية التعري" أو “stripper shoe”، تجدونها في المحال التجارية العامة وفي خزائن الفتيات العاديات في البلاد العربية وخارجها، أمرٌ قد يثير غرابتكم ولكنه قد يثير أيضاً على الأرجح فتيشيو الأقدام، الذين يملكون اهتماماً جنسياً للكعوب العالية.

اليوم لا نجد رجالاً ينتعلون الكعوب العالية باستثناء موسيقيي الروك أو الفتيان الذين ما زالوا عالقين في زمن الديسكو، وخلال بعض التظاهرات التي تطالب بحقوق المرأة. ولكن مع احتمال تغير رمزية الكعب العالي الاجتماعية، لا تشك Elizabeth Semmelhack أن يعود الكعب العالي موضةً للرجال أيضاً، خصوصاً إذا أصبح يرمز إلى السلطة العليا، وهذا ما قد يدفع الرجال لنسبه إلى جنسهم.

فتاوى الكعب العالي

اخترنا لكم من الفتاوى العديدة المتخصصة بلبس الكعب العالي، فتوى الشيخ الألباني الراحل، الذي نسبه إلى "الفاسقات اليهوديات":

"لا يجوز التشبه بالكافرات والفاسقات، وأصل هذا من اليهوديات، كن قديماً قبل الإسلام إذا أرادت الواحدة منهن أن تحظر المجتمع الذي فيه عشيقها، كانت تلبس نوعاً من القبقاب العالي كي يراها، وتصبح طويلة فترى، ثم مع الزمن تحول هذا إلى النعل ذي الكعب العالي، ثم هذا النعل يجعل المرأة تتغير في مشيتها وتميل يميناً ويساراً، ومن أجل ذلك اخترع الكفار الفساق هذا النوع من النعال، فلا ينبغي للمرأة المسلمة الملتزمة أن تلبس نعلاً ذا كعب عال، لاسيما في كثير من الأحيان يكون سبب في وقوعها على أم رأسها إذا ما تعثرت في الطريق بأدنى سبب".

وفتوى أخرى مأخوذة من أحد مواقع الفتاوى الإلكترونية، تشرّع لبس الكعب العالي شرط أن يكون كاتماً للصوت ومستوراً:

"لا مانع شرعاً من لبس الأحذية العالية في حد ذاتها ما لم يكن هناك مانع خارجي. فما دامت لا تصدر أصواتاً مثيرة أو ملفتة للانتباه، فلا مانع من لبسها، وكذلك إذا لم يكن فيها تشبه بالكفار أو أهل الفجور... ويشترط أن تكون مستورة إذا كانت فيها زينة، وأن لا يكون لبسها مضراً لصحة المرأة، وإنما منع لبس ما كانت تصدر الأصوات...".

آلام الكعب العالي

علماً أن  الآلام والأضرار التي يسببها الكعب العالي هي أشبه برحلة مازوشية قاسية قد تختار بعضهن خوضها كل يوم، حتى ولو لم يكن ذلك الخيار هدفه جذب الرجل. فالكعب العالي والرفيع جداً، أسلوب لوبوتان أو مانولو بلانيك، أصبح نوعاً من المبارزة المعاصرة الجدية بين النساء، وبالطبع تكون فيها الرابحة صاحبة الكعب الأطول والأرفع شرط أن تكون قادرة على الركض به.

ربما ما لا تدركه المرأة هو أن ذلك الماراتون الذي تقوم به بالكعب العالي، له أضرار على جسمها، من أظافر رجليها صعوداً إلى خرزات ظهرها، ثمنها 3.5 مليارات دولار، تصرف سنوياً في الولايات المتحدة على عمليات المتعلقة بالأقدام النسائية. ولتوضيح الأضرار الجانبية التي يسببها الكعب العالي، نشر موقع Washington Post منذ نحو عامين جدولاً مرسوماً يظهر جميع التداخلات التي يفرضها الكعب العالي على جسم المرأة، نذكر أهمها:

الركبة: المشي بالكعب العالي يغير وقفة وخطوات المرأة، ويفرض قوة مبالغ فيها على الركبة من الداخل، وتصل زيادة الضغط عليها إلى نسبة 26% في كل مرة ترتديه فيها.

عضلات الساق: تقلص تلك العضلة لتتمكن من التكيف مع زاوية الكعب العالي، أمرٌ قد يكون مسؤولاً عن قصر وضيق في العضلات.

وتر العرقوب: يشدّ ذلك الوتر عندما يضطر الجزء الأمامي من القدم إلى التحرك للأسفل، بسبب لبس الكعب العالي، وهذا ما يسبب آلاماً في كعب القدم.

إصابات الكاحل: تراوح بين التواء الكاحل وكسره، والوقوع أرضاً.

كرة أسفل القدم: الكعب العالي يفرض إعادة توزيع وزن الجسم، فارتداؤه فترات طويلة قد يسبب آلاماً  في كرة كعب القدم.

تورم مفصل إصبع القدم الكبير: الأحذية الضيقة تسبب نمواً عظمياً مؤلماً على مفصل الإصبع الكبير، وتجبره على الالتواء نحو أصابع القدم الأخرى.

جنون عظمة الأقدام

من البديهي أن تظنوا أن الأضرار الجانبية المؤلمة والمشوهة للقدم قد تدفع النساء إلى لبس الكعب العالي بطريقة أكثر عقلانية، ولكن في الواقع ما من شيءٍ قد يوقف امرأة من هوس ارتداء الأحذية الضيقة وذات الكعب الذي يعلو 10 أو 15 سم أو أكثر عن الأرض، خصوصاً إذا كان يرمز لقوتها الاجتماعية بين النساء، وكذلك بين الرجال.

تتساءلون ما الذي قد تقوم به المرأة لتتمكن من انتعال حذاء سندريلا الناعم؟ إليكم أشهر العمليات العصرية التي تخوضها النساء بكل آلامها،  كي لا يحيرها أي كعبٍ في الفيترينات بعد الآن.

Stiletto lift

أو حقن البوتوكس في كرة أسفل القدم لحماية البشرة من العظام بعد ساعاتٍ من الوقوف.

شفط الدهون من أصابع القدم

هل سمعتم يوماً عن بدانة أصابع القدم أو toebesity؟ الأمر مربك ربما، ولكن بعض النساء يعانين من ذلك الداء، ويخضعن للشفط!

Loub jobs

حقن الكولاجين في أسفل الأصابع والكعب وكرات القدم، لتتمكني سيدتي من انتعال  أحذية لوبوتان العالية الكعب.

Stiletto surgery

قطع أو تقصير الأصابع، حتى لا تخرج من الحذاء. هل يوجد متطوع؟

Cinderella job

عملية جراحية تعيد نحت قدم المرأة حسب الحذاء، ربما الأمر يستحق!

كريستين أبي عازار

صحافية لبنانية تعمل في مجالي الإعلانات والصحافة المكتوبة. متخصصة في الشؤون الاجتماعية والثقافية في منطقة الشرق الأوسط. عملت سابقاً في مجلة ماري كلير Marie Claire العالمية بنسختها العربية.

كلمات مفتاحية
المرأة الموضة

التعليقات

المقال التالي