كاميرات هواتف السعوديين تُهدّد كراسي المسؤولين

كاميرات هواتف السعوديين تُهدّد كراسي المسؤولين

"الوزير ما هو بشمس شارتزة" (أي الوزير ليس شمساً شارقة)، عبارة أطلقها وزير الصحة الأسبق أحمد الخطيب خلال مشادة كلامية مع أحد المواطنين، قاصداً بها رفض طلب المواطن في نقل والده إلى مستشفى حكومي في الرياض بغرض تلقي العلاج. فكانت كاميرا الهاتف الجوال لأحد الحاضرين في القاعة بالمرصاد، والتقطت تلك العبارة التي تفوّه بها الوزير، لتحتل موقعها في وسائل التواصل الاجتماعي. وسرعان ما صدر الأمر الملكي بإعفائه من مهماته، برغم قصر الفترة الزمنية التي أمضاها الخطيب في منصبه، والتي لم تتجاوز 10 أسابيع.

إلا أنّ تلك الواقعة لم تمرّ مرور الكرام لدى الكثير من السعوديين، فكانت إيذاناً بانطلاق مرحلة جديدة في المجتمع. فتحوّلت كاميرا الهاتف الذكي جهاز الرقابة الأكثر فعالية في رصد تعاطي المسؤولين الحكوميين مع مطالب المواطنين، في توفير خدمات الصحة والتعليم والتوظيف وغيرها من الخدمات، التي تقع على عاتق القطاع الحكومي. فينتشر المقطع كالنار في الهشيم في مواقع التواصل الاجتماعي، ليواجه بعد ذلك المسؤول سيلاً من التحقيقات مع الجهات المعنية، أو الإعفاء من مهماته مباشرة. 

ومثال وزير الصحة ليس استثناءً. ففي محافظة الطائف، أصدر وزير الشؤون البلدية والقروية المهندس عبد اللطيف آل الشيخ قراراً قضى بإعفاء وكيل أمين محافظة الطائف للتعمير من منصبه، بعد ظهور وكيل الأمين في مقطع فيديو تم تداوله، وتضمن مشادة كلامية له مع أحد المواطنين الذي طُرد من المكتب. وفي محافظة طريف في منطقة الحدود الشمالية، أعفت إدارة تعليم المنطقة وكيل مدرسة، وأحالته إلى التحقيق، بعد انتشار فيديو يوضح تطاوله على أحد أولياء الطلاب خلال وجوده بالمدرسة. وفي منطقة نجران، أعفت مديرية تعليم نجران مدير مدرسة تَلَفّظ بكلمات بذيئة وبصوت عالٍ لدى مخاطبته أحد الطلاب، والقائمة تطول.

وبات العديد من المسؤولين يخافون عند التحدث إلى أحد المواطنين أو الاستماع إلى شكواه أو مطالبه، من أن تلتقط إحدى الكاميرات كلمة سيئة تفوّه بها أو تصرفاً يعبر عن لامبالاته. ويُعلّل مسؤولون ردات فعلهم تجاه المواطنين بأنها ناجمة عن حجم الضغوط التي يتعرضون لها خلال العمل.

في هذا السياق، يؤكد عبد الرحمن المقبل، مشرف قسم الإعلام في إحدى الجهات الحكومية، لـرصيف22 أن "ثورة وسائل التواصل الاجتماعي فتحت الباب على مصراعيه لكشف السلبيات التي تدور داخل المجمتع، لا سيما في مجمتع محافظ كالسعودية. فيعتبر اختباء بعض المسؤولين السعوديين وتهربهم من التحدث مع المواطنين، أبرز السلبيات التي شيّدت جداراً بين المواطن والمسؤول. كلاهما ينظر إلى الآخر نظرة مشككة، إذ يرى المواطن أن جلّ المسؤولين في القطاعات الخدمية والحكومية لا يلقون بالاً في توفير تلك الخدمات. فيما ينظر المسؤول إلى المواطن بأن لديه مطالب لا يمكن تلبيتها في ظل الإجراءات البيروقراطية التي يريد تجاوزها بفضل اللجوء إلى الوزير".

ويضيف المقبل: "كاميرات الهواتف الذكية اكتسبت صفتين، الصفة الرقابية لأداء المسؤول في تجاوبه مع مطالب المواطنين، أمّا الصفة الثانية فهي الابتزاز". ويوضح: "من الأسهل على المواطن استفزاز المسؤول وتصوير الأمر بأن الأخير ضاق ذرعاً عند التحدث إليه، فيتم نشر مقطع يرتفع فيه صوت المسؤول، لتنطلق التغريدات والـHashtag منددة بتصرف المسؤول، فتعلو المطالبات بإعفائه، وعلى رأي المثل المصري العيار اللي ما يقتلش يدوش".

أقوال جاهزة

شارك غردوسائل التواصل الاجتماعي تكشف تقصير المسؤولين السعوديين في أداء مهامهم

شارك غردهل تصبح كاميرا الهواتف الذكية سلاحاً جديداً يستخدمه المواطنون لكشف تقصير المسؤولين؟

ولعل قصة مدير الشؤون الصحية في منطقة نجران خير دليل على ذلك. فانتشر مقطع فيديو تناولته وسائل التواصل الاجتماعي، بعد طرد مدير صحة نجران لوالدة موظفة جاءت تطلب منه نقل ابنتها من منطقة نجران إلى تبوك تقديراً لظروفهما الصعبة. وعقب ذلك، استدعى وزير الصحة خالد الفالح مدير الصحة في منطقة نجران لمناقشته حول ما حدث في مقطع الفيديو. وكان الوزير كتب على حسابه في Twitter: "ساءني مقطع الفيديو المتداول وسوف تستدعى الأطراف المعنية للتحقيق والتثبت والمساءلة". وبحسب نتائج التحقيق، تيبّن أنّ المواطنة ومدير الصحة على خطأ. وعليه، وجدت الوزارة أن المدير العام أساء التصرف، وانفعاله غير مُبرّر، والمراجِعة أخطأت أيضاً في أسلوب تعاملها معه برفع صوتها وعدم تقبلها لموقفه، ورفضها الخروج من مكتبه.

من هنا، ارتفعت المطالبات بين أوساط المسؤولين الحكوميين بضرورة منع تصوير المسؤول عند التحدث إليه، وضرورة إنزال العقوبات على كل من يقوم بعملية تصوير المسؤولين. فقد أعلن العضو السابق في هيئة التحقيق والادعاء العام السعودية، المحامي ابراهيم الآبادي، أنّ "من يصوّر المسؤولين في المملكة سيُعاقب بالسجن والغرامة المالية". واعتبر أن "تصوير أي مسؤول في إدارته ونشر الصورة، مخالف لنظام مكافحة جرائم المعلومات وموجب للعقوبة، التي تصل إلى السجن سنة والتغريم 500 ألف ريال، أو بإحدى هاتين العقوبتين".

وختم: "بحسب الفقرة الرابعة من المادة الثالثة من نظام جرائم المعلومات، يعاقب من يمسّ الحياة الخاصة عن طريق إساءة استعمال الهواتف النقالة المزودة الكاميرا أو ما في حكمها. وحدّدت الفقرة الخامسة تجريم المشهرين بالآخرين قصد إلحاق الضرر بهم عبر وسائل تقنية المعلومات المختلفة".

في هذا السياق، يقول المحامي عبد الله الثقفي: "لا يختلف اثنان على أن تصوير شخص من دون معرفته، انتهاك صريح لخصوصيته. لكن الأمر قد يختلف بعض الشيء مع الوزراء والمسؤولين المنخرطين أصلاً في الشأن العام. فبعض الوزراء وغيرهم من المسؤولين في السعودية متهمون بالتقصير في أداء مهماتهم، وقد تم ترجمة ذلك بإعفاء الكثيرين منهم في فترات متقاربة".

إبراهيم نافع

صحافي إيريتري مقيم في السعودية. عمل محرراً للأخبار السياسية في صحيفة الشرق الأوسط اللندنية، ويعمل حالياً في صحيفة عرب نيوز الناطقة باللغة الإنجليزية.

التعليقات

المقال التالي