هل تساهم مناهج الأزهر في تنشئة جيل متطرف؟

هل تساهم مناهج الأزهر في تنشئة جيل متطرف؟

بين حين وآخر، نسمع أحاديث وتصريحات لمسؤولين مصريين تتطرق إلى دور الأزهر في تجديد الخطاب الديني، باعتباره المؤسسة الدينية الرسمية التي تُوصف بالوسطية والاعتدال. ولكنّ أصواتاً من خارج المؤسسة الأزهرية تطالب بضرورة تطوير وتغيير مناهج الأزهر نفسه لما تحويه من مواد تُكرس العنف والتطرف والأفكار التكفيرية.

الفريق المطالب بالتجديد يؤكد أن الأزهر ببنيته الحالية غير قادر لا على تجديد خطابه ولا على التصدي للإرهاب. ووسط هذه الاتهامات، أجرت المؤسسة الأزهرية تعديلات على بعض مواد المرحلتين الإعدادية والثانوية، وقد تم استثناء المرحلة الجامعية من التطوير.

غموض حول إصلاحات الأزهر

برغم إعلان لجنة تطوير المناهج ما جرى حذفه أو إضافته إلى المواد الأزهرية، فإن بيانات وتصريحات علماء الأزهر الذين قادوا عملية التطوير سيطرت عليها حالة من الارتباك. فهنالك من ذكر أن تعديل المناهج اقتصر على المرحلة الإعدادية، وقال آخرون إن التعديل شمل المرحلتين الإعدادية والثانوية. ثم خرج الدكتور محمد أبو زيد الأمير، رئيس قطاع المعاهد الأزهرية، ليقول إن مناهج وكتب الأزهر لم تتغير ولن يستطيع أحد المساس بها.

مناهج الأزهر - الباحة الداخلية لجامع الأزهر الباحة الداخلية لجامع الأزهر

ولكن لجنة التطوير أعلنت تنقيتها مادة "الفقه الشافعي" بإلغاء الأبواب التي تتناول موضوعات الرق والعبودية والجمال والصحراء، والتي تجيز أكل لحم الموتى والأسرى. كذلك تضمنت التعديلات ترحيل الموضوعات الخاصة بالجهاد من المرحلة الإعدادية إلى المرحلة الثانوية.

في المقابل، أضيفت معالجات لقضايا معاصرة مثل الإرهاب والإلحاد وحُدّثت مفاهيم الدولة، والمواطنة، ونظم الحكم، والجهاد. وأكدت اللجنة أنها حرصت على تبسيط مناهج المرحلة الإعدادية وشرح المتون والعبارات التراثية بأسلوب سهل مع الحفاظ على المحتوى الأصلي.

الأزهر ينتمي إلى العصر الوسيط

ورأى أستاذ الفلسفة الإسلامية في جامعة القاهرة علي مبروك أن عملية تعديل وتطوير المناهج الأزهرية هي شكلية وتحصيل حاصل، وعلامة من علامات التخبط داخل المؤسسة الأزهرية. وقال لرصيف22: "إن الخطاب الفقهي التقليدي الذي يُدرس في الأزهر يُبنى على فكرة جوهرية مركزية، وهي أن البشر ليسوا سواسية بل أنهم يتراتبون في ما بينهم، بمعنى أن وجودهم الاجتماعي قائم على شكل من أشكال التراتب والهرمية".

وأضاف: "الخطاب الفقهي قائم على مجموعة من التمايزات الأساسية: هناك تمايز بين الرجل والمرأة، المسلم وغير المسلم، الحر والعبد، الأمة والسيدة الحرة. ومن ثم فتجديد هذا الخطاب لا يمكن حصره في الحذف والإضافة بل يجب التصدي للفكرة الأساسية التي يقوم عليها الخطاب الفقهي كاملاً، وخاصة أن هذه الفكرة لا تنتمي إلى القرآن بل تنتمي إلى العصر الوسيط عندما كان البشر يتراتبون في وجودهم الاجتماعي بحسب النوع، والدين، والمكانة الاجتماعية".

وأكد صاحب كتاب "الإمامة والسياسة" أن "الخطاب الفقهي التقليدي الذي يُدرّس في مناهج الأزهر لا يصلح للعصر الحديث الذي انتقل من أفق العصر الوسيط"، لافتاً إلى أن "الحداثة أوجدت معنى جديداً للإنسان وأصبح التفاضل بين البشر على أساس الكفاءة ومدى قدرة الفرد على استخدام عقله".

أقوال جاهزة

شارك غردالأزهر أصلح مناهج تعليمه لكن عليه إصلاح نفسه لتنجح خطواته

شارك غردالأزهر لا يزال يعلّم طلابه ازدراء الأديان الأخرى ويحضّهم على محاربة الكفار والمرتدين عن الدين الإسلامي

وذكر مبروك أن مؤسسة الأزهر تتبنّى وجهات نظر تتعارض مع ما تردده في شأن سعيها إلى تجديد الخطاب الديني مدللاً على ذلك بما نشرته "مجلة الأزهر" قبل أشهر عدّة حول كتاب "الإسلام وأصول الحكم" للشيخ علي عبدالرازق. فقد تبنى الأزهر وجهة النظر التي ترى أن الخلافة هي من أصول الدين، وعارض الشيخ عبد الرازق الذي كان قد كتب أن اختيار نظام الحكم في الإسلام هو مسألة سياسية ولا علاقة للدين بها.

استحالة التعديل

ورأى الدكتور خالد عاشور، الأستاذ في كلية العلوم في جامعة الأزهر، أن ما أعلنته لجنة تطوير المناهج الأزهرية هو محاولات عقيمة لا تنتج شيئاً. وقال لرصيف22 إن حذف الفصول التي تتناول موضوعات الرق والعبودية وأكل لحم الميت والأسرى لا تغير شيئاً، لأن الأصل يحض على معاداة الآخر وكل ما يُخالف الدين الإسلامي. موضحاً أن "التفسيرات الفقهية للفقهاء والمفسرين، وهي موجودة في التعليم الأزهري من بدايته إلى المرحلة الجامعية، قدمت فقهاً جهادياً معادياً لما هو غير إسلامي. وما نراه الآن واضحاً من صراعات بسبب العقيدة والاختلافات المذهبية هو نتاج لما فسره الفقهاء الذين كانوا أكثر تشدداً من المصدر ذاته".

الأزهر أداة في يد السلطة

ربط عاشور بين تجديد المناهج وعلاقة الأزهر بالسلطة إذ أكد أن التغيير والتعديل لن يحدثا إلا إذا تخلت الدولة عن مساندة الأزهر. ورأى أن "الدولة تساند الأزهر لأنه جزء أصيل من أدواتها في محاربة مَن يعارضها، فالدين له سلطة يستخدمها الأزهر، وتستخدمها الدولة للنيل من كل ما هو جديد، ويمكننا القول إن الأزهر يتوحش بطلب رسمي من السلطة".

وجزم عاشور بأن "الحديث عن دور الأزهر في التجديد والتطوير سيظل هراء إلا إذا تمت تنقية كتب التراث الديني، وجرى التعامل مع القرآن كنص يحتاج إلى الاجتهاد العقلي لا كسلطة تُفرض بالقوة، تتخفى وراءها سلطة البشر، وكذلك تنقية السنة للتفرقة بين ما هو اجتماعي كان له زمنه وما يصلح للعصر الحالي، وإلا فسنظل داخل دائرة إعادة تدوير القديم بأشكال جديدة لا يخرج من عباءتها إلا ما هو متطرف".

ازدراء الأديان الأخرى وتجاهل محمد عبده

وقال لرصيف22 أحد طلاب الماجستير في كلية الشريعة والقانون في جامعة الأزهر مفضلاً عدم ذكر اسمه، إن أيّة تعديلات يقوم بها الأزهر على المناهج، ستظل بلا فائدة لأن علماء الأزهر يعتبرون كتب التراث التي اعتمدت عليها هذه المناهج خطاً أحمر لا يُمكن الاقتراب منه برغم ما تحويه من عنف وتطرف. وأضاف أن الخطورة الحقيقية تكمن في المواد التي تحرض على ازدراء الأديان الأخرى، والأبواب التي تُكرس للجهاد كفريضة في كل الأزمان، ومحاربة الكفار والمرتدين عن الدين الإسلامي.

وذكر بعض ما ورد في باب الجهاد في كتاب "الحدود والجهاد في الفقه الإسلامي" المقرر للسنة الأولى في كليات الهندسة وطب الأسنان والصيدلة والسنة الثانية في باقي الكليات، إذ يقول كاتبه الدكتور محمد مصطفى شحاته الحسيني: "الجهاد فرض كفاية ابتداء، بمعنى أنه يجب علينا أن نحارب الكفار الذين امتنعوا عن قبول الإسلام، وعن أداء الجزية، وإن لم يقاتلونا. وثبتت شرعيته بالكتاب والسنة والإجماع".

وعلّق الطالب الأزهري أن هذا الباب صاغه شحاته الحسيني اعتماداً على حديث ضعيف للرسول يقول فيه "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله". وأشار إلى أن أغلب المناهج لا تناسب المراحل العمرية والفكرية للطلبة الذين لم يجدوا حلاً سوى حفظ المواد المقررة دون فهمها. كذلك أكد أن كتب الإمام المجدد الشيخ محمد عبده ليس لها مكان بين مناهج الأزهر بل يتم تجاهلها وتهميشها، مثلما تُهمش المواد الفلسفية.

التعديلات تدمير للأزهر؟

في المقابل، رأى عميد كلية اللغات والترجمة في جامعة الأزهر الدكتور حامد أبو أحمد أن التعديلات التي قامت بها لجنة تطوير المناهج هي بمثابة هدم وتدمير للأزهر، لافتاً إلى أن ما أقرته اللجنة من ضم مواد الصرف، والنحو، والإملاء، والخط في كتاب واحد، ومواد التفسير، والحديث، والفقه في كتاب أصول الدين، يؤدي إلى تسطيح التعليم الأزهري وخلق عقلية مشوهة.

واستنكر ما قامت به اللجنة من حذف أبواب الرق والعبودية، وترحيل باب الجهاد إلى المرحلة الثانوية، مشيراً إلى أن الجهاد فريضة من فرائض الدين الإسلامي التي لا يصح المساس بها، أما الرق والعبودية فمن الضروري تدريسهما باعتبارهما تاريخاً.

ورأى أن للتطرف عوامل أخرى بعيدة تماماً عن المناهج الأزهرية، منها "الظروف الاقتصادية السيئة التي دفعت الشباب للانضمام إلى الجماعات المتطرفة"، لافتاً إلى أن رواد النهضة وقادة الفكر الحديث تلقوا تعليمهم في الأزهر، ورافضاً الخوض في موضوع المعارك التي خاضها هؤلاء المفكرون المجددون مع المؤسسة الأزهرية. 

التعليقات

المقال التالي