التعاونيات النسوية تنقذ التراث الموريتاني

التعاونيات النسوية تنقذ التراث الموريتاني

عند مجيء الاستعمار الفرنسي (1905)، كان المجتمع الموريتاني يعتمد على الصناعة التقليدية بنسبة تتجاوز 95% من حاجاته من أدوات الإنتاج، وكانت شريحة تعرف بـ"المعلمين" هي التي تتولى حصرياً إنتاج كل الصناعات التي يحتاجها المجتمع من الملبس والمفرش إلى السلاح بنوعيه، الأبيض والناري.

لكنّ ميزة الصناعة التقليدية الموريتانية كانت أنّها "صناعة تشكيلية" إن صح التعبير، إذ تقوم على جماليات فنية من زخرفة ونقوش تجعل الآلة عبارة عن لوحة فنية، مما أدّى إلى تصنيف هذه الصناعة ضمن الفن التشكيلي لدى المتخصصين الغربيين، ولدى الحكومة الموريتانية التي دأبت على اختيار قطع من الصناعة التقليدية وتقديمها هدايا تذكارية ورمزية للرؤساء والضيوف الأجانب.

ومع تحوّل المجتمع الموريتاني إلى المدنية واعتماده على الأدوات المستوردة التي وفرتها الصناعة الحديثة، تراجع الاهتمام بالصناعة التقليدية الموريتانية، وهجر العشرات من "المعلمين" حرفة الصانع التقليدي نحو ميادين التعليم والتجارة والأعمال الأخرى. هكذا تحوّلت هذه الصناعة إلى حرفة تراثية يمارسها، بدافع الهواية، صناع تقليديون يسعون للكسب منها عبر تسويق منتجاتهم لهواة التحف وللسياح الغربيين.

غير أن آلاف الأنواع من أدوات الصناعة التقليدية الموريتانية أصبحت مهددة بالانقراض أو انقرضت إبان عقدي السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، لا سيما المتعلقة بالأفرشة والتكايا وأدوات الشراب والأكل، وحافظات المؤن وغير ذلك، إذ ركّز الصناع التقليديون على أنواع محدودة من الأدوات لا سيما تلك التي تستخدم في إنتاجها مادتا الفضة والنحاس، لكونها صناعة صلبة وقابلة للكثير من التزويق والزخرفة. وبالتالي، ارتفعت الدعوات المطالبة بإنقاذ الصناعة التقليدية من الاندثار باعتبارها تراث البلاد وواجهة حضارية لمجتمعه عبر القرون.

أقوال جاهزة

شارك غردفي محاولتهن إعالة عائلاتهن، أنقذت نساء التعاونيات في موريتانيا صناعات تراثية بكاملها

شارك غرد4500 تعاونية نسائية في موريتانية اليوم، تعيد إحياء الصناعات التقليدية

أنشأت الحكومة الموريتانية قطاعاً وزارياً خاصاً بالصناعة التقليدية، قبل أن يلحق هذا القطاع بوزارة الثقافة، باعتبار هذه الصناعة ثقافة تراثية للبلاد. غير أن البرنامج الحكومة اقتصر على دعم محدود في ظل غياب رؤية إستراتيجية لحماية التراث الصناعي الموريتاني. ما عجزت عنه وزارة الثقافة، تتولاه التعاونيات النسوية الموريتانية، التي شكّلت ظاهرة اجتماعية وإنتاجية فريدة في تاريخ البلاد.

مع موجة الجفاف التي ضربت البلاد خلال العقود الماضية وأدت إلى إفقار 90% من السكان وإلى هجرة كثيفة للرجال إلى المدن وإلى البلدان الخارجية بحثاً عن فرص العمل، أصبحت آلاف النساء الموريتانيات معيلات للأسر بين ليلة وضحاها. خلق ذلك مأزقاً معيشياً وتحدياً للموريتانيات اللواتي انتقلن فجأة من واقع "المرأة الصحراوية المدللة" إلى واقع امرأة فرضت عليها الظروف إعالة أطفالها وكبار السن.

توثيق الذاكرة: الحياة الموريتانية قبل قرون

أسست بعض النساء الموريتانيات ما يعرف اليوم بـ"التعاونيات النسوية"، حيث تنضوي مجموعات النساء في تعاونيات إنتاجية زراعية وحرفية، من أجل خلق مصدر مدر للدخل. ونظراً لأن النساء المنتسبات إلى هذه التعاونيات أمّيات ومحدودات الخبرة، اتجهت التعاونيات النسوية إلى الصناعة التقليدية الموريتانية، في مجالات النسيج والخياطة والصباغة وتصنيع الأدوات المستخدمة في كثير من مجالات الحياة اليومية، مثل الخيام والحصائر والوسائد والحلي والمجوهرات، فضلاً عن الحافظات اليدوية، وحافظات المفاتيح، والصناعات الجلدية المختلفة.

تقول أم الفضلي بنت أحمد أبو المعالي، المسؤولة في وزارة المرأة والشؤون الاجتماعية، إنّ "ما قامت به التعاونيات النسوية من إنقاذ للتراث الموريتاني لا يقدّر بثمن، ذلك أن هذه الأدوات والمنسوجات مرتبطة بمنتوج ثقافي مهم وموثّق ويتضمن الأمثال الشعبية، والأشعار، والحكايات عن أحداث كثيرة وأنماط اجتماعية واستهلاكية. وتالياً، ساهمت التعاونيات النسوية بشكل ملموس في توثيق الذاكرة الموريتانية. وحين تزور أحد المعارض النسوية، تتأكّد أنك تشاهد الحياة الموريتانية قبل قرون".

هكذا، تحوّلت التعاونيات النسوية الموريتانية التي يقدّر عددها بـ4500، إلى ورش لإنتاج الصناعة التقليدية الموريتانية وإنقاذها. تقول السالكة بنت السالكة بنت بو طرفاية رئيسة "اتحاد الوفاق للتعاونيات النسوية"، الذي يضم في عضويته خمسين تعاونية نسوية، إن نساء التعاونيات أنقذن صناعات تراثية بكاملها. "فعلى سبيل المثال، كانت الصناعات القائمة على مادة الصوف لتندثر لولا التعاونيات النسوية التي بادرت إلى صناعة الخيام الوبرية، وعشرات الأدوات الأخرى مثل "إيلويِش" (سجادة للصلاة من صوف وجلد الغنم)، والسجاد، والحافظات.

وتضيف أن التعاونيات اتّبعت الإستراتيجية ذاتها مع الصناعات الجلدية القديمة، مثل الوسائد الجلدية المزركشة، والأحزمة الجلدية، كما بعثت النساء صناعة الحلي والخلاخل من جديد، وتقول "يصعب تعداد ما حققناه في هذا الإطار، أين الرحى و"المحقن"، والرحال، والمرجل التقليدي، وغير ذلك لولا التعاونيات النسوية".

تؤكّد بنت بوطرفاية التي تنقّلت بالصناعة التقليدية الموريتانية بين عشرات المعارض الإقليمية والدولة، أن حجم الإعجاب بهذه الصناعة كبير، لكنها تستدرك أن العائد المادي منها قليل مقارنة بحجم المجهود الذي تبذله النساء، ولو أضيفت القيمة الحقيقية لليد العاملة لما كان لهذه الصناعة أن تحقق الربح أو تجذب النساء للعمل فيها "لكن البطالة تدفعهن للعمل مهما كانت ضآلة المردود".

منتجات للاستخدام المحلي: الخيام والحصير

لا شك أن تدفق الصناعات المستوردة وبأثمان زهيدة، لا يترك للصناعة التقليدية الموريتانية مجالاً للمنافسة، إذ يسجل بحياء حضورها في البيت الموريتاني. لكن مع ذلك، سجّلت التعاونيات النسوية الموريتانية احتكاراً كبيراً لمجالات معينة من الصناعات التراثية، مثل خياطة الملابس النسائية وصباغتها وإنتاج الخيام التي تستغل في البلاد على نطاق واسع، ليس في المجال الريفي، لا بل في المجال الحضري حيث تمتلك الآلاف من الأسر القاطنة في المدن خياماً توضع في فناء المنازل وعلى الأسطح، وفي العطلات الصيفية.

وكان أشهر مجال لاستغلال الخيام هو الحملات الانتخابية في بلد لا يتوقف فيه المسلسل الانتخابي، إذ تلجأ الأحزاب السياسية والمرشحون للانتخاب إلى شراء وتأجير آلاف الخيام طوال مدة الحملات الانتخابية. دفع دخول العامل السياسي على صناعة "الخيمة"، إلى ارتفاع أثمانها، إذ تؤجر الخيام بمبالغ مالية ضخمة نسبياَ تبلغ 200 دولار يومياً في بعض المواسم الانتخابية.

ومن الأدوات التراثية التي أنقذتها التعاونيات النسوية "الحصير" الموريتاني التقليدي، وتنتجه النساء من نسج حشائش السافانا التي تنبت في الضفة جنوب البلاد. وتقوم صناعة الحصير الموريتاني على نسج عيدانه عبر خيوط من جلد الغنم المدبوغ بأحجام متعددة وبألوان مختلفة. لا يسمح لغير النساء المتخصصات بالمشاركة في عملية نسج الحصير، لكن غير المتخصصات يشاركن في عمليات التحضير كدبغ الجلود واختيار أفضل أعواد السافات...

وقد حوّلت التعاونيات النسوية الموريتانية الحصير التقليدي إلى لوحات فنية جميلة، حتى أن الكثير من الموريتانيين يشترون الحصير لا لافتراشه بل لعرضه في البيت وتقديمه للزوار باعتباره تحفة فنية رائعة. أدّت جودة صناعات الحصير إلى تحويله إلى تحف فنية تعلّق في الصالونات وعلى جدران مباني القصر الرئاسي وقصور رجال الأعمال والأثرياء، مرافقاً تراثاً آخر هو "الزربية" (السجادة) الموريتانية التي تنتجها النساء الموريتانيات في واحدة من أوائل التعاونيات النسوية (المركز الموريتاني للزرابي).

وتراوح أسعار الحصير بين 330 إلى 1600 دولار بحسب نوعية الحصير ومساحته ولعبة الأشكال الهندسية المستخدمة في تزيينه. وقد كان من الطريف خلال معرض المنتوجات النسوية الموريتانية الذي نظم عام 1993 في نواكشوط، أن السفير الألماني في موريتانيا آنذاك حضر إلى المعرض قبل وصول رئيس الوزراء والوفد المرافق لافتتاح المعرض، وبادر بشراء حصير تقليدي بقيمة 2500 دولار. وحين همّ السفير بنقل تحفته، اكتشف أن الأمر ممنوع قبل الافتتاح الرسمي. وحينما حضرت الوفود الرسمية، حرس السفير الألماني بنفسه الحصير ناهراً كل من يقترب منه "لا تجلسوا على أجمل لوحة فنية شاهدتها في حياتي".

التعليقات

المقال التالي