شباب عراقيون يعملون على إنقاذ المهاجرين عبر البحر من الموت

شباب عراقيون يعملون على إنقاذ المهاجرين عبر البحر من الموت

تنتظر ريهام، 40 عاماً، مع ولديها في مدينة أزمير التركية لحظة انطلاق رحلة الوصول إلى أوروبا، هاربةً من الحرب الدائرة في بلدها سوريا. وقبل الانطلاق تتواصل مع مجموعة شباب كي يتابعوا رحلتها عبر البحر لمساعدتها في حال حدوث أي طارئ.

غرفة عمليات فيسبوكية

أمام زحف المهاجرين نحو أوروبا وما يحمله من مخاطر، أنشأ شباب عراقيون مقيمون في العراق ودول أخرى صفحة على فيسبوك سمّوها مجموعة الطوارئ لإنقاذ اللاجئين. وسرعان ما انضم إليها أكثر من 17 ألف متابع يراقبون عن كثب الرحلات اليومية للمهاجرين. وفي حال حدوث أي طارئ للرحلة كغرق الزورق المطاطي "البلّم" أو القارب، يقومون بأخذ إحداثيات المكان من المهاجرين ليتصلوا بخفر السواحل التركي أو اليوناني ويطلبوا مساعدتهم.

أقوال جاهزة

شارك غردناشطون يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي للتواصل مع الهاربين إلى أوروبا عبر البحر وحمايتهم

شارك غردمجموعة الطوارئ لإنقاذ اللاجئين... وسيط افتراضي بين اللاجئين الهاربين عبر البحر وخفر السواحل

ما إن يبدأ المهاجرون رحلتهم البحرية حتى يتم التواصل مع القائمين على الصفحة وإخبارهم بخط سير رحلتهم. وتكون مهمة المسؤولين متابعة المهاجرين لحظة بلحظة حتى يصلوا إلى الجزر اليونانية. يأخذون رقم هاتف أو حساب whatsapp أو Viber ويتبادلون الرسائل والإحداثيات.

شباب عراقيون يعملون على إنقاذ المهاجرين عبر البحر من الموت - واتساب

الهدف من الخدمة

الشاب السوري جيان، 30 عاماً، كان ضمن مجموعة شباب بدأت رحلتها من مدينة أزمير التركية باتجاه جزيرة فارماكونيزي Farmakonisi العسكرية اليونانية. قال إنهم تواصلوا أثناء خروجهم مع مجموعة الإنقاذ، وبقي أحد أعضاء المجموعة يتابع رحلتهم عبر البحر عن طريق الـWhatsapp لحظة بلحظة، وروى أنه "خلال رحلتنا أضعنا الطريق إلى الجزيرة اليونانية، ولكن عن طريق الخارطة الإلكترونية وبالتواصل مع فريق الإنقاذ، استطعنا تحديد الاتجاه الصحيح".

الشاب العراقي حمد نجم عبد، هو أحد المتطوّعين لمتابعة الرحلات البحرية. شرح لرصيف22 أن "عملهم تطوعي لخدمة الناس، ويقتصر على متابعة الرحلات البحرية"، وقال: "هدفنا لا يقف عند المتابعة فقط، بل أيضاً نقوم بتقديم النصائح والإرشادات للمهاجرين".

قصص نجاح وقصص فشل

في 13 سبتمبر الماضي، غرق قارب يقل مهاجرين يحاولون الوصول إلى جزيرة فارماكونيزي. في تلك الليلة، روى حمد، أنه "تم تنبيه المهاجرين إلى أن الموج عالٍ والرياح سريعة ودرجة حرارة البحر منخفضة، وأن الرحلات ستلاقي صعوبة، ولكنهم قرروا ركوب البحر، فتوفّى غرقاً نحو 34 شخصاً نصفهم أطفال". ووصف حمد تلك الليلة بأصعب الليالي التي مرت عليهم، وقال: "اتصلنا بخفر السواحل لكنهم لم يستطيعوا إنقاذ الجميع، فقد كان العدد كبيراً جداً".

ورأى حمد أن "وصول الناس إلى بر الأمان أمرٌ يُدخل السعادة إلى قلوب أعضاء المجموعة، فإنقاذ أي شخص عملٌ إنساني ينسيهم مشقة عملهم". وأضاف: "نحن لا نفرّق بين جنسيات وهويات المهاجرين، فالسوري كما العراقي بالنسبة إلينا. في النهاية هناك أرواح بشرية على الزوراق". لكن عند سؤال حمد هل من الممكن أن يقوم شخصياً بتجربة الهجرة عن طريق البحر، أجاب:

كيف وُلدت الفكرة؟

يصف القائمون على المجموعة أنفسهم بأنهم مجموعة تعمل بشكل تطوعي لمساعدة اللاجئين العابرين عبر المياه الإقليمية بين تركيا واليونان، لمحاولة إنقاذ الزوارق التي تتعرض للغرق أو التوقف، ويقولون إن غايتهم إنقاذ أرواح الناس. مؤسس المجموعة هو خلدون الصعب، شاب عراقي يسكن في بغداد. قال لرصيف22: "مع بداية الرحلات البحرية كنت أتابع على فيسبوك مجموعات متخصصة باللاجئين، واستوقفتني إحدى المنشورات حين نشر أناس تعرض زورقهم للغرق نداء استغاثة. حينذاك، وضع أحد المعلقين صورة لأرقام خفر السواحل اليونانية والتركية. لكن عمل المجموعة لم يكن منظماً، ومن هنا فكرت في إنشاء مجموعة عمل منظمة".

وتابع أن المجموعة "تضم الآن أكثر من 18 شاباً وشابة من جميع المكونات العراقية، يجيدون الإنغليزية والتركية واليونانية، وينتشرون في أربيل في كردستان العراق، وبغداد والأردن وتركيا وفنلدا. يبدأ عملنا على الصفحة، ونقوم أيضاً بالتنسيق مع صفحة كروب إنقاذ البلمات والرحلات التي يديرها شباب سوريون".

هل يستفيد المهرّبون؟

لا ينكر خلدون أنهم يساعدون مهاجرين غير شرعيين، لكنه أسمعنا صراخ النساء والرجال على القارب الذي تعرض للغرق يوم 13 سبتمبر، وعلّق: "هؤلاء يهربون من الموت عبر الموت بحثاً عن العيش بسلام".

وأضاف: "لقد اتُّهمنا كثيراً بالتعامل مع المهربين، ولكننا دوماً نحذر الناس من المهربين وأيضاً من خطورة الهجرة عبر البحر. يتواصل معنا راغبون بالهجرة لربطهم بمهربين، فنقول لهم إننا فقط منقذون، حتى أننا اضطررنا إلى وضع قوانين في الصفحة تمنع أي منشور يسأل صاحبه عن أرقام مهربين". ولفت خلدون إلى أنه "ربما لا نستطيع مساعدة أهلنا في العراق وفي سوريا، لكن نستطيع مساعدتهم على الأقل خلال هجرتهم وخدمتهم إنسانياً بعمل نبيل".

يومياً يتجه ما يقارب 900 شخص من تركيا إلى اليونان في ثلاثة إلى تسعة زوارق وأحياناً في 12. وتبدأ الرحلات من الثانية ليلاً حتى الحادية عشرة صباحاً، وهذا إحصاء تقديري ذكره خلدون. 

وأكّد خلدون أن "استجابة خفر السواحل التركية واليونانية ليست حتمية"، وقال: "أحياناً لا يستجيبون لنداءاتنا، وأحياناً لا يقتنعون بمكالماتنا، وفي كثير من الأحيان يقومون بالرد وأخذ الإحداثيات والذهاب لإنقاذ الزوارق. ومن خلال العمل تبيّن أن خفر السواحل اليوناني يستجيب أكثر من خفر السواحل التركي".

شباب عراقيون يعملون على إنقاذ المهاجرين عبر البحر من الموت - ساحل

البحث عن المفقودين

يصل آلاف المهاجرين إلى مبتغاهم ويفقد المئات منهم حياتهم، وأيضاً يكون هناك العشرات في عداد المفقودين ولا يعرف ذووهم عنهم شيئاً. هذا الواقع دفع خلدون وأصدقاءه إلى إنشاء مجموعة الطوارئ لمتابعة المفقودين. ويعيد خلدون سبب إنشاء هذه الصفحة التي تديرها فتاتان عراقيتان إلى كثرة التواصل معهم من قبل الأهالي الذين فقدوا ذويهم.

وقالت شمس الجراح، طالبة إدارة أعمال في جامعة بغداد وإحدى القائمات على الصفحة، لرصيف22: "تصلنا رسائل كثيرة لأناس يبحثون عن مفقودين، فقررنا توثيق أسمائهم وصورهم، ومحاولة التواصل مع المنظمات الدولية. ومن خلال صفحتنا استطعنا الوصول إلى مفقودين من بينهم أشخاص كانوا في أحد السجون المجرية". العمل التوثيقي ليس سهلاً بالنسبة إلى شمس والمجموعة، فهو يحتاج إلى دعم المنظمات الأهلية والدولية والصليب الأحمر. وقالت: "لسنا منظمة رسمية لنقوم بإعداد أرشيف كبير. نوثق صور المفقودين والحالات والتسجيلات والاتصالات، لا أكثر من ذلك".

الحاجة إلى مساعدة

تتمنى شمس، ووالدتها سبق أن هاجرت عبر البحر ووصلت إلى بلجيكا، أن يتعاون الصليب الأحمر والأمم المتحدة معهم، ويساعدونهم على إيجاد المفقودين. أما خلدون فأكّد أنهم "حاولوا كثيراً التواصل مع الأمن الوطني العراقي ومنظمات أهلية ودولية، وكان جواب الأمن الوطني العراقي إن هؤلاء مهاجرون غير شرعيين". وتابعت شمس: "نحن نجمع المعلومات ونحفظها في أرشيفنا ونقوم بالبحث عن المفقودين، لكن عندما نتواصل مع الجهات الرسمية أو خفر السواحل للسؤال عن المفقودين، وبحكم أننا جهة غير رسمية، لا يستجيبون لنا كثيراً".

وذكرت وسم الأطرقجي، وهي فتاة عراقية تدرس القانون في جامعة بغداد وتعمل ضمن فريق البحث عن المفقودين، أن "البحث عن المفقودين بالنسبة إليها هو عمل تطوعي يأخذ منحى إنسانياً وآخر قريباً من دراستها، فهي تقوم بتوثيق الأسماء".

لا يخشى هؤلاء الشباب المساءلة. ورأى خلدون أنه "إذا تعرضنا لأي مساءلة فنحن هدفنا إنساني وعملنا فقط الإنقاذ. لسنا نحن مَن يدفع الناس للعبور عبر البحر، كما أننا نتواصل مع السلطات بشكل مباشر، وهو أمر كافٍ للتأكيد أننا لا نقوم بعمل غير قانوني".

سردار ملا درويش

صحافي سوري يحمل إجازة في الإعلام من جامعة دمشق، يعمل في الصحافة المكتوبة والمسموعة والإلكترونية وعضو هيئة إدارية في رابطة الصحفيين السوريين.

التعليقات

المقال التالي