الأخطاء الطبية في العراق تنافس جرائم الإرهاب

الأخطاء الطبية في العراق تنافس جرائم الإرهاب

بعد معاناة كريمة الربيعي، 39 عاماً، من آلام في الظهر، راجعت أحد الأطباء المتخصصين في العاصمة بغداد. ولكن بدلاً من مساعدتها على التماثل للشفاء، فقدت نظرها نتيجة خطأ في التشخيص وعدم إعطائها العلاج المناسب.

أخطاء لا تغتفر

بحالة شبه هستيرية يرافقها شعور بالندم على ذهابها إلى الطبيب الذي تقع عيادته شرق العاصمة بغداد، روت الربيعي قصتها لرصيف22: "بعد أيام من آلام مستمرة في الظهر، اضطررت إلى مراجعة أحد الأطباء فشخص الخلل خلعاً في الفقرة الخامسة من عمودي الفقري وأعطاني علاجاً وبدأت باستخدامه شهرين. ولكن العلاج بدأ يؤثر تدريجياً على عينيّ وضعف نظري بشكل كبير بسبب تزايد ماء العين".

وبعد فترة من ازدياد آلام ظهرها وضعف نظرها، اضطرت إلى مراجعة أحد أطباء العيون فأكد لها أن العلاج الذي استخدمته لظهرها أثّر على نظرها، وهذا ما يستدعي إجراء عملية لإنقاذها من واقعها الحالي. أجرت الربيعي عمليتين فاشلتين أدتا إلى فقدانها نظرها بشكل كلي. ومنذ عامين، أصبحت حبيسة المنزل برغم محاولات كثيرة لإنقاذها.

ويتداول العراقيون في أحاديثهم قصة رائجة مفادها أن الأطباء في المستشفى الكندي وسط بغداد، قرروا بتر الساق اليسرى لأحد المواطنين بسبب معاناته من مرض "الكنكري" (الغرغرينا)، ولكن عند إدخاله إلى العملية بتروا ساقه اليمنى السليمة. وتعرضت سندس محمد، 28 عاماً، لوعكة صحية وهي حامل في شهرها الثامن، فنقلوها إلى مستشفى الشيخ زايد (مستشفى حكومي) وسط بغداد، لكن المستشفى رفض استقبالها لأنها حامل وحوّلها إلى مستشفى العلوية الذي رفض أيضاً استقبالها لأنها لا تعاني من أوجاع الولادة.

وروت سندس: "ذهبت صباحاً للتسوق في منطقة بغداد الجديدة لكني فقدت الوعي ونقلتني أم زوجي إلى المستشفيات الحكومية فرفضت استقبالي لأسباب مضحكة ومبكية وأنا في حالة يرثى لها"، وأضافت: "لم يبقَ سوى حل واحد هو الذهاب إلى المضمدة (ممرضة) التي تكفلت بعلاجي". وأشارت إلى أن "الطب هو المهنة الأكثر إنسانية في العالم لكنه تحول في العراق إلى المهنة الأكثر إجراماً لأن أصحابها لا يهتمون بالمواطنين وهدفهم تعظيم أرباحهم".

أقوال جاهزة

شارك غردذهبت إلى الطبيب لعلاج آلام ظهرها فكانت النتيجة أن فقدت نظرها

شارك غردلجنة الصحة في البرلمان العراقي تتحدث عن 3000 خطأ طبي ولكن نقيب الأطباء يقول: "نحن الأفضل"

"الجشع" أساس المشكلة

وقال محمد (اسم مستعار)، أحد العاملين في أحد مستشفيات بغداد الحكومية لرصيف22، إن "الجشع يسيطر على جميع العاملين في القطاع الصحي، فهم لا يحترمون تخصصهم ولا ينطقون بكلمة "لا نعلم واستشر غيرنا"، فيجرّبون في المريض إلى حد التسبب بإعاقته أو وفاته"، وأضاف أن "آلاف المرضى توفوا نتيجة التشخيص الخاطئ وهذا سببه ضعف رقابة وزارة الصحة". وتابع محمد: "المشرفون على وزارة الصحة جميعهم أطباء، ولكن لا يستطيعون محاسبة أي طبيب،  فاللجان التحقيقية التي شُكلت برأت الأطباء وكتبت أن سبب موت الضحايا هو السكتة القلبية".

ورأى أن "خريجي كليات الطب في العراق يفتحون عيادات خاصة بعد تخرجهم مباشرة، وهذا خطأ كبير لأنهم لا يمارسون مهنتهم في المستشفيات ولا يتدرّبون تحت إشراف آخرين، وهذا ما يؤدي إلى حصول كوارث كبيرة". وأكّد أن "التشخيص الخاطئ قد لا يتحمل الطبيب المسؤولية عنه، إذ إن المختبرات المنتشرة تعطي في بعض الأحيان نتائج خاطئة يعتمد عليها الطبيب مما يتسبب بخطأ في التشخيص".

ولفت إلى أن "المستشفيات الحكومية تعاني من نقص في الأطباء لأن الطبيب يفضّل العمل في عيادته الخاصة كون أرباحه اليومية فيها تبلغ أكثر من ثلاثة ملايين دينار (2500 دولار)".

ما رأي المسؤولين؟

وبيّنت لجنة الصحة في البرلمان العراقي وقوع أكثر من ثلاثة آلاف خطأ طبي خلال السنوات العشر الماضية بسبب ضعف هيبة الدولة وغياب المؤسسات الصحية المثالية وعدم احترام الإنسانية، وفقاً لعضو اللجنة سهام الموسوي. وأكّدت الموسوي لرصيف22 أن "أكثر الأطباء في المستشفيات لا يؤدون عملهم بالشكل الصحيح، وهذا نتيجة للشهادات المزورة التي أتوا بها من خارج العراق، ما أفقد التخصص قيمته"، مضيفةً أن "هنالك إهمالاً في الحفاظ على حياة المواطن، وتجري عمليات جراحية بدون ضوابط خاصة في المستشفيات الأهلية".

وأشارت إلى أن "الفساد الإداري في وزارة الصحة أدى إلى ظهور الأخطاء الطبية، لذلك لا بد من تفعيل الإجراءات للحد من الفساد". ولكن وكيل وزارة الصحة للشؤون الصحية ستار جبار الساعدي قال لرصيف22 إن "نسبة الأخطاء الطبية قياساً بالإمكانات الموجودة ومقارنة بالدول المجاورة، هي الأدنى ويتميز أطباؤنا بالكفاءة"، مبيّناً أن "المشكلة الأساسية التي تواجه الأطباء هي أن الاعتداءات على الكوادر الطبية تسببت بهجرة نحو ستة آلاف طبيب إلى لندن وأربعة آلاف إلى دول الخليج".

ونبّه إلى أن "وزارة الصحة تتعامل مع الخطأ الطبي بعد ورود شكوى، وتشكل لجنة تحقيق من المستشفى والوزارة ومكتب المفتش العام ويحال الطبيب المخطئ على القضاء".

برغم كل ذلك، ينفي نقيب الأطباء العراقيين ناظم عبد الحميد وجود أخطاء طبية في العراق، وقال: "لم تردني أي شكوى حول وجود خطأ طبي وهذا الكلام متداول فقط في وسائل الإعلام. كذلك، فإن الطبيب لديه مسؤولية عناية وليس مسؤولية شفاء". ولفت إلى أن "الطبيب هو الحلقة الأضعف ويحتاج إلى توفير حماية له من قبل الدولة لأن هنالك اعتداءات عشائرية بين فترة وأخرى تستهدف الأطباء".

وقالت الصحافية فرح علي لرصيف22: "التعدي على الأطباء مرفوض قطعاً، كذلك تصرفات بعض الأطباء التي لا تمت إلى شرف القسم والمهنة بصلة، وهذا الرفض يكون عبر التوعية والتنبيه لا باستخدام القوة أو غيرها من الممارسات الهمجية التي لا تساهم إلا في إشاعة الفوضى وترسيخ جذور العنف المجتمعي أكثر".

التعليقات

المقال التالي