اليأس يدفع العراقيين إلى الارتماء في أحضان المشعوذين

اليأس يدفع العراقيين إلى الارتماء في أحضان المشعوذين

قيل إن أهل الحضارة البابلية أنبغ الأُمم في السحر، فالآثار والألواح المكتوبة التي وجدها العلماء، تُشير إلى أن السحر كان جزءاً من حياتهم. البابليون، وهم أهل العراق، تناقلوا فنون السحر والشعوذة واستخدموها في الطب والتقرب من الآلهة.

وبعد آلاف السنوات، لم يتخلّ العراقيون عما كان يُمارس سابقاً، ولا يزال بعضهم يؤمن بالسحر ويعدّه ركناً اساسياً في حياته ويلجأ إليه عند اتخاذ قراراته. فلدى التجول في شوارع العاصمة العراقية بغداد، تجد لافتات كُتب عليها "المعالج الروحاني... يُعالج بالسُنة والقرآن". وتحتوي تلك اللافتات على صور لشخصيات ملتحية، تبرق خواتم في أصابعها، وعلى سور قرآنية وصور لمراقد مقدسة، بالإضافة إلى أرقام هواتف وعناوين.

مراكز مزيّنة بالطلاسم

نحو الساعة الأولى ظهراً، دخل أكثر من ثلاثين زبوناً إلى أحد المراكز. على جدران المركز، عُلقت صور لأحجار كريمة، ولوحات دينية، وصور كُتبت عليها سور من القرآن. وعلى جدار يغلب عليه اللون الأحمر، عُلقت طلاسم وخطوط يتعذر أن يتعرف أحد عليها.

لا يمكن الدخول إلى المركز بأي صفة غير الصفة العلاجية. "التصوير ممنوع"، تحذير كُتب على لافتة صغيرة. المكان هادئ، لكنه لا يُطمئن. على كل زبون أن يدفع 50 ألف دينار عراقي (40 دولاراً أمريكياً) مقابل المرور. رغم ذلك، لا يمكنه الدخول إلى "الطبيب" المُفترض، إلا بعد أربع أو خمس ساعات من الانتظار. على بعد سنتيمترات من غرفة المقابلة يقف رجال مسلحون مهمتهم حماية صاحب المركز.

فجأة علا صراخ طفل اصطحبته أمّه إلى المركز. بنبرة توسل طلبت الأم من موظف الاستعلامات الإسراع في إدخاله إلى "الشيخ". قالت: "لا أعرف ماذا أصابه. منذ يومين لم يتمكن من النوم. يقضي الليل باكياً. ويتحدث عن شيء يُخيفه".

أقوال جاهزة

شارك غردلا يزال بعض العراقيين يؤمن بالسحر، لذلك تنتشر في شوارع بغداد لافتات كُتب عليها: "المعالج الروحاني..."

شارك غردما الذي يدفع العراقيين للجوء إلى السحرة والمشعوذين؟ رواسب الثقافة البابلية أم الإحباط من ظروف حياتهم؟

أبلغها موظف الاستعلامات بأن طفلها سيدخل إلى "الحاج الشيخ" وسيخرج هادئاً، وطلب منها دفع رسوم استمارة التسجيل. بعد ربع ساعة تقريباً، خرجت الأُم مع طفلها الذي لم ينته صراخه.

يعاني لؤي حامد (اسم مستعار) من عدم انتصاب قضيبه. يخجل من الحديث لأحد عن مشكلته، ويرفض العلاج في المستشفيات خوفاً من الفضيحة. قال: "بعدما أصبحت لدي الجُرأة قررت الذهاب إلى معالج بطب الأعشاب".

ولكن لؤي شكا من فشل المعالج الروحاني الذي أخضعه لسبع جلسات معالجة. حكى لرصيف22: "إنفاق ما يقارب الألفي دولار تقريباً على مواد علاجية لم تنفعني، وكانت عبارة عن علب من العسل، قُرئت عليها سور من القرآن الكريم حسب ما أخبرني المعالج".

نصب واحتيال؟

ويصف رجال دين عراقيون تلك المراكز بـ"النصب والاحتيال"، ويلفتون إلى وجود مخالفات شرعية في تعاملها مع الزبائن. وقال رجل الدين محمد البيضاني لرصيف22: "هذه المراكز تعتمد على استغلال الناس من أجل الحصول على مكاسب مادية، في وقت تدعي أنها مراكز إسلامية، لكنها في حقيقة الأمر مراكز سحر وشعوذة، ولا تمت إلى الشريعة الإسلامية بأي صلة".

وأضاف البيضاني: "السحر موجود في العراق منذ القدم، حتى قبل الإسلام. وبعد أن نبذه المجتمع حاول بعضهم إعطاءه صفة شرعية بافتتاح تلك المراكز". وأوضح أن "الإناث يرتدن تلك المراكز بشكل كبير، خصوصاً العوانس أو اللواتي يعانين من مشاكل زوجية. لذلك من الضروري أن تكون هناك توعية من قبل رجال الدين لعدم استغلال المواطنين".

ويتفق المؤرخ العراقي علي النشمي، مع رأي البيضاني، ويقول: "بعض السحرة في العراق القديم كانوا قد وصلوا إلى منزلة كبيرة في المجتمع والدولة وخلّد التاريخ لنا عدداً من أسمائهم". النشمي قال في مقال كتبه: "ما يؤكد قدم السحر في العراق القديم هو أن العراقيين القدماء كانوا أول من استخدم الكتابة في السحر ومعالجته في زمن لم يكن العالم كله يعرف الكتابة. وبذلك فإن الساحر العراقي القديم كان يجيد القراءة والكتابة، أي أنه لم يكن من طبقة المجتمع المتدنية، بل كان من الشخصيات الرفيعة بالمجتمع لأن معرفة القراءة والكتابة قبل خمسة آلاف سنة تعني شيئاً كبيراً جداً، بل وخاصاً".

علم السحر

رأى حيدر الخزاعي، وهو صاحب مركز الشيخ للعطاريات والعلاج الروحي في العاصمة بغداد، أن "98% من أصحاب مراكز العلاج الروحي في بغداد يمارسون الدجل، ومبتغاهم المال وليس تقديم الخدمة للمحتاجين".

الخزاعي الذي يعمل في هذا المجال منذ العام 1996، أكد لرصيف22 أن "العلاج الروحاني علم، وليس تهريجاً، ويحتاج إلى كرامات تُفتح من الله وتسخير أشخاص يقومون بخدمة الناس، وآيات تنفع في علاج المرضى".

يضع صاحب مركز الشيخ تسعيرة للعلاج تراوح بين 200 و400 دولار أمريكي. وقال إن "هناك خدم أرواح تحضر إلي حسب الحاجة، وأعطي المريض دلائل على ذلك، لكنه لن يتمكن من سماع الحديث الذي يدور بيني وبينها".

يعود انتشار ظواهر إشاعة الخرافة في المجتمع العراقي إلى تسعينيات القرن الماضي، حين ضرب الفقر أوتاده في العراق. وتفاقمت هذه الخرافات واللجوء إليها، بعد إسقاط نظام صدام حسين في أبريل 2003.

ومع اتساع خارطة الفقر، وغياب الأمان، راح غالبية  رجال الدين يشجّعون على وجود هذه الظواهر، وأخذ الكثير منهم يمارس "الطبابة" بالقرآن وما شابه.

وقال الدكتور علي كاظم حمزة، الذي أجرى بحثاً عنوانه: "الطب الروحاني في المجتمع العراقي، دراسة أنثربولوجية في محافظة بابل"، إن "المريض إذا اعتقد وآمن بالمعالج فإنه سيحقق نسبة نجاح كبيرة بالعلاج، باعتبار القضية نفسية بالدرجة الأولى". وأضاف لرصيف22: "هنالك مراكز حققت نسب نجاح كبيرة وأصبح لديها زبائن بالآلاف".

وقال المتحدث باسم وزارة الداخلية، سعد معن، لرصيف22، إن "الوزارة لا دخل لها في متابعة عمل تلك المراكز، إنما دورها تنفيذي، والدور الرقابي تتحمله وزارة الصحة العراقية، عبر مكتب المفتش العام فيها". ورفض المفتش العام في وزارة الصحة العراقية، ضامر عبد المحسن، الحديث عن الموضوع، إلا بعد تقديم طلب رسمي عبر البريد الإلكتروني الخاص بالوزارة.

ويعاقب قانون العقوبات العراقي (الرقم 111 لسنة 1969) منتحلي الشخصية، لكنه لا يعاقب بشكل رادع، وإنما بفرض غرامات مالية. ومع وجود سلطة تتكوّن من أحزاب دينية، وتشجّع على انتظار مخلصي آخر الزمان، والتمسّك بالعادات الدينية القديمة، فمن الطبيعي أن تتكون هذه الظواهر، وتكتسب مشروعية.

وعند دراسة حالات الساعين إلى العلاج في هذه المراكز، تسهل ملاحظة مدى الإحباط المتأتي من المستشفيات العاملة في العراق، واليأس من عدم وجود أي شيء آخر كفيل بإنقاذ المواطنين من العذابات اليومية.

مصطفى سعدون

صحافي عراقي معني بصحافة حقوق الانسان، ومؤسس ومدير المرصد العراقي لحقوق الانسان.

كلمات مفتاحية
العراق

التعليقات

المقال التالي