اليافطات العربية تغزو شوارع مدينة السليمانية

اليافطات العربية تغزو شوارع مدينة السليمانية

في مدينة السُليمانية الجبلية، الواقعة ضمن حدود إقليم كردستان العراق، شمالي البلاد، والتي عُرفت بهدوئها وشوارعها الخالية من الصخب، على عكس جارتها أربيل، لا شيء يدعوك لعدم الاسترخاء. السليمانية، هي المدينة التي أخرجت رئيس جمهورية العراق السابق جلال طالباني، المعروف بهدوئه ولياقته في التعامل السياسي، كانت في أوقات سابقة ترفض وجود أي كتابة باللغة العربية في شوارعها، وكانت جهات سياسية تتحكم في ذلك، وليس الشعب الكردي.

الآن، لم تعد اليافطات التي تعلو المحال التجارية والعيادات الطبية والمطاعم هناك مقتصرة على لغة السكان، فقد أصبحت اللغة العربية، خلال السنوات الأخيرة، جزءاً من تلك اليافطات التي تنتشر تدريجياً مع ازدياد أعداد العرب الوافدين إليها.

اعلان


في بداية وجود العرب في مناطق إقليم كردستان، خلال السنوات الماضية، وتحديداً في السُليمانية، كانوا يُعانون من صعوبة التواصل مع بقية الأكراد الذين لا يتقنون العربية، ومن يتقنها منهم لا يستطيع التواصل مع الآخر لأكثر من جُملتين غير مُكتملتين.

كان العرب يدخلون معاهد لتعلم اللغة الكردية، التي تُعد بالنسبة إليهم هناك "وسيلة تُمكنهم من التواصل مع أبناء البلدة الأصليين". لكن عُمر الحمداني، الذي نزح من قضاء بيجي في محافظة صلاح الدين قبل عام تقريباً، لم يعد في حاجة إلى تعلم اللغة الكردية في المعاهد، فقليل من اللغتين العربية والكردية يُمكنه من التواصل مع الآخرين.

ويقول الحمداني لـرصيف22 إن "المعاناة في السُليمانية كانت في الأسابيع الأولى، لكن بعد ذلك وجدنا محالَّ كردية عليها يافطات بالعربية، وعناوين المطاعم والمولات تُكتب باللغتين". ويضيف أن "الشركات والمولات والمطاعم تروج لنفسها باللغة العربية إضافة إلى الكردية، وهذا سهّل علينا الكثير من الأمور، حتى أن عدداً ليس قليلاً من العمال الآن هُم من العرب، لذا لا أعتقد أن هناك ما يُعوق التواصل، أو ينفي وجود اللغة العربية هناك".

حتى بعد التغيير بعامين، كانت اللغة العربية غير رائجة في مناطق الإقليم الكردي، لكن أبواباً اقتصادية وسياسية وديموغرافية ساهمت في انتشارها هناك، حيث رجال الأعمال العرب وعدد من وسائل الإعلام العربية، والعوائل العربية المقيمة في تلك المناطق منذ وقت طويل. هذه كلها عوامل ساهمت في نشر اللغة العربية غير الرائجة في السُليمانية وبقية مدن الإقليم.

أقوال جاهزة

شارك غردفي السليمانية، اللغة العربية على لافتات المحال التجارية جنباً إلى جنب مع الكردية

شارك غرداللغة العربية تعود إلى واجهات المحال التجارية في السليمانية

الكاتب والصحافي الكردي سامان نوح يقول لـرصيف22 إن "الأسايش (أي جهاز الأمن في الإقليم)، كان يمنع في تسعينيات القرن الماضي في بلدتي زاخو ودهوك الكرديتين، كتابة أي لافتة باللغة العربية، ويمنع العناوين العربية على اللافتات، وكانت هناك إجراءات رسمية بذلك، ربما رداً على ثقافة التعريب، التي نفذها نظام البعث طوال ثلاثين عاماً، أو في محاولة لاستعادة الثقافة الكردية لمكانتها في المجتمع". ويضيف "حينها، كانت المطاعم والمحال التي تحمل اسماء عربية ملزمة بتغييرها إلى الكردية، لكن اليوم اختلف المشهد تماماً".

واجهات المحال التجارية في مدينة السليمانية باللغة العربية

يمكن الآن بسهولة ملاحظة لافتات المطاعم والشركات وعيادات الأطباء والمحامين تُكتب باللغة العربية، فسياسة الحكومة بدأت تنفتح بفعل العامل الاقتصادي، ولم تعد تشعر بأي ضيق من استخدام اللغة العربية واسمائها، خصوصاً بعد أن وصل عدد العرب في الإقليم إلى أكثر من مليون ونصف المليون. على عكس مدينة أربيل، كان أهل السُليمانية حتى عام 2003 شبه منقطعين عن المحافظات العربية لأسباب سياسية أجبرت الطرفين على ذلك، واللغة العربية كانت معروفة فقط من الذين قضوا خدمتهم العسكرية في بغداد والمدن الأخرى، والذين كانوا مرتبطين بعلاقات اجتماعية مع العرب.

وتعتقد النائب في البرلمان العراقي عن إقليم كردستان العراق، سوزان بكر، أن "عدم وجود اللغة العربية في مدن الإقليم ليس في مصلحة أحد، كما أن عدم وجود اللغة الكردية في المناطق العربية كذلك، لذا هناك ضرورة لأن تكون اللغتان عند مواطني القوميتين، لأن وجودهما يخلق حالة إيجابية من التواصل". وتقول إن "وجود اللغة العربية في شوارع ومحال مدن الإقليم لم يعد مستغرباً، فهناك أعداد كبيرة من العرب داخل الإقليم، وهناك جنسيات عربية تعمل هناك، وهذا أمر يساعد على أن يكتب أصحاب المحال التجارية والمطاعم يافطاتهم وإعلاناتهم باللغتين العربية والكردية".

لكن أصحاب سيارات التاكسي في مدن الإقليم، وجميعهم من القومية الكردية، يعانون أحياناً من عدم تحدث بعض العرب لغتهم، والعكس صحيح أيضاً، لذا اعتمد بعضهم لغة الإشارة أو كتابة عنوان المكان المقصود على بطاقة صغيرة. 

مصطفى سعدون

صحافي عراقي معني بصحافة حقوق الانسان، ومؤسس ومدير المرصد العراقي لحقوق الانسان.

التعليقات

المقال التالي