الإدارة الذاتية في سوريا تستعجل "تكريد" الأكراد

الإدارة الذاتية في سوريا تستعجل "تكريد" الأكراد

طبعت هيئة التربية والتعليم التابعة للإدارة الذاتية الديمقراطية في محافظة الحسكة السورية أكثر من 40 ألف كتاب باللغة الكردية، ودربت نحو 2600 مدرسٍ ومُدرسة، على مدى ستة أشهر، على تعليم تلامذة الصفوف الدراسية الثلاثة الأولى باللغة الكردية. وكانت حركة اللغة والتدريب، بالتعاون مع الهيئة المذكورة، قد عقدت مؤتمراً في 15 يونيو الفائت، في مدينة القامشلي، وأعلنت فيه تدريس المناهج الدراسية باللغة الكردية لتلامذة تلك الصفوف.

وقد وزّعت الهيئة المدرسين المتدرّبين على معاهد في ثماني مدن هي سري كانيه (رأس العين) والدرباسية وعامودا وأبو راسين وكركي لكي وتربه سبيه والحسكة وديريك. وتمنح تلك المعاهد المتدربين شهادات تؤهلهم لتدريس الكردية على أن يعودوا ويدرسوا فيها مستقبلاً مدة عامين.

اعلان


ماذا سيدرس غير الأكراد؟

أطفال العرب والسريان سيسمح لهم بتلقي التعليم بلغتهم الأم، ولكنهم سيدرسون بالكردية بعض المواد مثل التربية الاجتماعية والتاريخ الكردي، كما سيتم تعليم مبادئ الديانتين الإيزيدية والمسيحية إلى جانب الديانة الإسلامية. محافظة الحسكة أو روج آفا (غرب كردستان) يسيطر عليها حزب الاتحاد الديمقراطي، وكان قد أعلن الإدارة الذاتية عام 2014. حتى العام الماضي، كان المنهاج التعليمي بإشراف وزارة التربية السورية ويدرّس التلامذة باللغة العربية، باستثناء مادتين باللغة الكردية للصف الأول، وثلاث مواد للصفين الثاني والثالث، هي اللغة الكردية والرياضيات والمجتمع والحياة.

وخلال العام الدراسي الحالي، دخل حيّز التطبيق القانون الذي يُلزم الطلاب بالدراسة، بعد أن تمت المصادقة عليه في السادس من يناير عام 2014. ويعترف هذا القانون بثلاث لغات رسمية في المناطق الكردية، هي الكردية والعربية والسريانية.

أقوال جاهزة

شارك غردطبع أكثر من 40 ألف كتاب باللغة الكردية لتعليم الأطفال بالكردية في مناطق أكراد سوريا

شارك غردأكراد سوريا قرّروا "تكريد" المنهاج التعليمي في ظل مخاوف من فشل كارثي للمشروع ومن التقسيم

خطة تدريجية؟

وأعادت يسرى درويش، العضو في لجنة إدارة مدارس عامودا وهي لجنة تابعة لهيئة التربية التابعة بدورها للإدارة الذاتية الديمقراطية، جوهر القرار إلى حق أي شعب في التعلم بلغته، بحكم أن اللغة تعبّر عن هوية الشعب. 

وقالت لرصيف22 إن "القرار يطبَّق على الصفوف الثلاثة الأولى. ومن الصف الرابع حتى الثاني الثانوي ستكون الدراسة باللغة العربية بحسب المناهج التابعة لوزارة التربية السورية، إلى جانب بعض المواد الكردية والسريانية ومادة اللغة الأجنبية". واعتبرت درويش أن الهدف من هذه المناهج ليس الانفصال كما يدّعي البعض، "فهي خطوة تأتي من إرادة الشعب"، وتابعت أن الكتب اعتمدت على تعددية الشعوب والثقافات والديانات في المنطقة، "ولا يوجد أي كتاب يحمل صور زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان كما روّج البعض".

ماذا لو فشل المشروع؟

أما في حال فشل الخطوة، فقد أكّدت درويش أن هنالك خططاً بديلة. ولفتت إلى أن النظام السوري يرفض الفكرة تماماً، "فقد أرسلت مستودعات الكتب المدرسية التابعة لوزارة التربية السورية مناهج الدولة السورية على أن يتم توزيعها في المدارس، لكنها رُفضت"، بحسب قولها. وقال الشاعر والكاتب السوري فايز العباس، وهو مجاز باللغة العربية ومدرس سابق ويقيم حالياً في ألمانيا، أن القرار خاطئ في التوقيت وسينعكس سلباً على الحياة العامة، ومن الصعب تطبيقه في ظل عدم وجود بنية ومدارس خاصة بالأكراد.

ورأى أن "تطبيق القرار سيؤدي إلى إنتاج جيل بعيد عن اللغة العربية. وفي حال عدم استطاعة القائمين على المشروع تأمين متطلبات المراحل الدراسية المستقبلية، فإن ذلك سيؤدي إلى كارثة في حق جيل كامل ستتوقف حياته العلمية والدراسية".

خوف من الفشل والتقسيم

لا يخفي العباس تخوفه من أن يتبع القرار نوع من تقسيم المنطقة. وقال إن "هذا أمرٌ واضح سينتج عنه استمرار الغليان الشعبي في المنطقة، لأنه قرار يؤسس لمشروع تقسيم. ورغم أنه من حق كل مكون تعلم لغته، لكن ليس التعلم بلغته كبديل عن اللغة الأم، خصوصاً أن المكون موجود على أراضي دولة ناطقة بالعربية". وأضاف: "بالرغم من أنني أشجع على حق الكرد بتعلم لغتهم وثقافتهم، لكن يجب عدم الانجرار خلف مَن يتذرّع بالحقوق، ويجب أن يكون هنالك مشروع وطني يشمل الجميع ولا يستثني أحداً".

أما معاون وزير التربية والتعليم في الحكومة السورية المؤقتة (المعارضة) فواز محمود، فيعتقد أن عملية التربية والتعليم ذات تأثيرات ونتائج كبيرة على حياة المجتمعات، حتى أن تطور المجتمعات يُقاس بمدى ثقافة ووعي شعوبها وتعلمهم. وأكّد لرصيف22 أن "فرض مناهج كردية خاصة بطرف سياسي، يعطي إشارة واضحة إلى سذاجة العملية".

وتابع أنه بسبب السياسيات الشوفينية التي انتهجها النظام السوري، لم يكن القائمون على العملية التعليمية من أبناء الشعب الكردي ينالون الحصة المطلوبة من الخبرة الإدارية أو الدورات التأهيلية. وعليه فإن التفرد في مشروع هائل من دون امتلاك المقومات، وبالاعتماد على كفاءات محدودة هو استهتار بالعملية التعليمية.

ولفت محمود إلى أن "أدلجة التعليم وتسييسه باتا من الأعمال المكروهة التي كان يستخدمها (حزب) البعث سابقاً، ونتائجها تسببت باهتزاز كيان الدولتين السورية والعراقية على حد سواء. فتعلّم اللغة الأم هو مطلب وحق مشروع ولكن التعامل مع القضية بردات فعل قد يؤدي إلى إغلاق مئات المدارس".

معارضة كردية للمشروع

الأحزاب السياسية الكردية غير المنضوية في الإدارة الذاتية عبّرت عن رفضها للقرار واعتبرته توجهاً فردياً وغير محسوب العواقب، ورأت أنه لا بدّ من التراجع عن مثل هذه الأمور المصيرية التي تحتاج إلى المشاركة.  وأفاد المجلس الوطني الكردي في بيان أن القرار جائر في حق الواقع التعليمي، وطالب باعتماد الكتاب المدرسي العائد إلى وزارة التربية والتعليم السورية، ريثما تتم إعادة النظر في المناهج الدراسية لتكون بعيدة عن التحزب والأدلجة.

وانقسم أبناء المنطقة حول القرار بين مرحّب ومتحمس للفكرة يعتبر أنه حلم تحقق، وبين من اعتبر أنه خطوة ستزيد الأمية وستضر بالمستقبل. وروى شاب كردي على صفحته على Facebook أن امرأة كردية أرادت تسجيل طفليها في مدرسة في القامشلي على أساس أنهما عربيان كي يدرسا المنهاج الحكومي باللغة العربية.

وفي المدينة نفسها، أُخبرت امرأة نازحة من مدينة حمص أن ابنها سيدرس المنهاج باللغة العربية، فطالبت بتدريسه المنهاج الكردي، وقالت: "هربنا من حمص، سلمنا إليكم أرواحنا وحميتمونا، سأسلم إليكم طفلي ليتعلم شيئاً مفيداً".

سجال مستمر

وكتب سمير سفوك، معدّ برامج في إذاعة أرتا إف أم، على صفحته على Facebook: "إذا كان المراد تعليم الأطفال اللغة الكردية، فكان الأولى أن يتم الاستمرار بالطريقة التي اتبعتموها السنة الماضية، فالطالب تعلم ممنوناً اللغة الكردية إلى جانب اللغة العربية". ولفت سفوك إلى استحالة فرض تعليم الكردية على تلميذ كردي يقطن في الأحياء العربية أو المسيحية في مدينتي القامشلي والحسكة، وتحدث عن اكتظاظ المدارس الخاصة في المدينتين بالطلاب الأكراد، "ليس هرباً من اللغة الكردية، بقدر ما هو استهجان للقرار الذي هو بمثابة كلام حق يراد به باطل"، برأيه.

في المقابل، كتب الصحافي والقاص حوشمان قادو أن "الكل هاجم المنهاج بسبب وجود صور لعبد الله أوجلان، ونشر لفكره، لكن الحقيقة أن كل من اتخذ موقفاً مسبقاً لم يرَ الكتب على الواقع، فالصور التي نُشرت هي للكتب المقررة في مخيم مخمور، وليست الكتب التي حددتها هيئة التربية والتعليم التابعة للإدارة الذاتية".

أما الناشط الحقوقي الأشوري أسامة إدوار فقد اعتبر أن "تدريس اللغة الأم للطلاب الكرد حق مقدس ولا جدال عليه، كما هو حق مقدس للأشوري أيضاً، لكن فرض تعليم اللغة الكردية على الطلاب الأشوريين هو جريمة عنصرية نازية بشعة جداً، ومن يدافع عنها ويبررها ويغطيها هو مشارك فيها حتماً".

سردار ملا درويش

صحافي سوري يحمل إجازة في الإعلام من جامعة دمشق، يعمل في الصحافة المكتوبة والمسموعة والإلكترونية وعضو هيئة إدارية في رابطة الصحفيين السوريين.

كلمات مفتاحية
سوريا كردستان

التعليقات

المقال التالي