الزواج "المحرّم" في الأردن

الزواج "المحرّم" في الأردن

بينما يخلو الأردن من أي دعوات لإيجاد تشريع يؤسس للزواج المدني أو يعترف به، تتفاقم في البلد المحافظ إشكالية ما قد يُسمّى مجازاً "الزواج المختلط" بين أتباع الديانات المختلفة.

يعترف الأردن بالزواج الديني فقط، أي عقود الزواج المسجلة في المحاكم الشرعية للمسلمين، الذين يشكّلون 97% من السكان أو عقود الزواج الكنسية. ووفقاً لقانون الأحوال الشخصية، يُسمح بزواج المسيحية من المسلم بحسب الشريعة الإسلامية، لكن زواج المسيحي من المسلمة غير ممكن، إلا إذا اعتنق الإسلام. فتنصّ المادة 33 من قانون الأحوال الشخصية الأردني على أنّ الزواج يُعدّ باطلاً إذا تزوجت المسلمة بغير المسلم، أو تزوج المسلم بامرأة غير كتابية.

ويشعر المسيحيون أنّ هذا التشريع يُشكّل تمييزاً ضدهم. وفي هذا السياق، يقول رئيس المحكمة الكنسية لطائفة اللاتين الأب جهاد شويحات: "منع زواج المسلمة بمسيحي يولّد شعوراً بعدم العدالة، والمرأة المسيحية عند زواجها بمسلم تخسر كلّ حقوقها. منها حقها في حضانة الطفل عند سن الـ7 سنوات، بينما يحق للمرأة المسلمة حضانة طفلها حتى البلوغ. كما تخسر حقّها في الميراث من زوجها".

أما الجانب الأكثر صعوبة فهو الجانب الاجتماعي والعائلي. تقول المحامية تغريد الدغمي، التي أشرفت على مشروع يُعنى بحرية المعتقد تحت عنوان "مواطنة كاملة ومعتقد حر"، إنّ "الزواج المختلط من حيث المبدأ مرفوض لدى الغالبية العظمى من الأردنيين".

وتضيف: "غالباً ما يُسبّب هذا النوع من الزيجات شعوراً بالوصمة الاجتماعية والخجل، تحديداً لدى عائلة الفتاة المسيحية التي تتزوج بمسلم. فتتم غالبيتها من دون رضا الأهل، وجزء منها يتمّ عن طريق الخطيفة، بينما تتقبله فئة قليلة من المجتمع الأردني ويتم برضا العائلتين".

أقوال جاهزة

شارك غردالمرأة المسيحية تخسر كل حقوقها عند زواجها بمسلم

شارك غردفي الأردن، يبقى إنجاب طفل خارج الزواج أسهل من إنجاب طفل بعقد زواج بين مسلمة وغير مسلم

في يوليو الماضي، اختفت فتاة مسيحية تبلغ من العمر 19 عاماً.  وبعد بحث مضنٍ، علمت العائلة أنّ ابنتها تقيم في منزل أحد المشايخ في إحدى ضواحي العاصمة عمان، بعدما هربت بسبب رغبتها في الزواج بشاب مسلم. حاولت الأسرة إعادة ابنتها وثنيها عن الزواج، وتدخّل في المسألة رجال دين، فضلاً عن تقدّم العائلة بشكاوى للجهات الحكومية ولمنظمات حقوقية. وباءت كل جهود العائلة بالفشل، ووصل خبر زواج الفتاة إلى العائلة، وهذا ما شكّل صدمة لوالدها الذي أصيب بنوبة قلبية.

وفي أكتوبر 2012، شهدت بلدية الفحيص (إحدى ضواحي العاصمة ذات الغالبية المسيحية) أعمال شغب على مدار 3 أيام، إثر هروب إحدى الفتيات المسيحيات مع شاب مسلم بهدف الزواج.

دفعت تلك الأحداث دائرة قاضي القضاة، وهي أعلى مرجعية دينية في الأردن، إلى إعادة التأكيد على تعليمات لها بضرورة أن يتمّ الزواج المختلط بحضور أهل الفتاة، وأن لا يتم قبول اعتناق أي شخص الإسلام إلا بعد التأكد أنّه يقوم بذلك عن قناعة دينية. إلا أنّ فعاليات مسيحية تشكو من أن تلك التعليمات غير مطبّقة على أرض الواقع. وقد كتب مدير المعهد الكاثوليكي الأب رفعت بدر في مقالٍ له: "ما دام زواج المسلمة من المسيحي غير جائز، وزواج المسيحية من المسلم أمراً جائزاً ، فهذا يعتبر استضعافاً للمسيحي".

وتقول الناشطة في حقوق الانسان والمحامية كرستين فضول: "لا أستطيع سوى أن أكون مع حق الإنسان في اختيار شريكه والزواج بمن يريد. لكن الأصل أن يحفظ هذا الزواج الحقوق ولا يحوي على تمييز". وتشير إلى أن "الواقع الموجود حالياً لا يحمي الحقوق ولا يكفل للجميع حرية الاختيار. لذلك، يبقى الحل الأنسب إقرار الزواج المدني، ولكن، من غير المتوقع في المستقبل القريب الاعتراف به، كما أنه مرفوض شعبياً ودينياً".

وتضيف: "لا نستطيع التعميم أن كل الزيجات المختلطة فاشلة، هناك قصص نجاح لزيجات مختلطة، خصوصاً في الحالات التي لا يكون فيها الطرفان متدينين، لكن تبقى الإشكاليات قائمة، خصوصاً إشكالية الهوية الدينية للأبناء".

فادي اسم مستعار لشاب مسيحي اعتنق الإسلام بهدف الزواج من حبيبته المسلمة. ينتمي فادي إلى أسرة مسيحية متدنية، بينما عائلة زوجته غير ملتزمة دينياً، وهذا ما جعلهم أكثر تقبلاً لفكرة زواج ابنتهم من شاب مسلم على الورق فقط.

عقب إشهار إسلامه، واجه صعوبات في العلاقة مع عائلته، وصلت حد القطيعة. ولم يحضر حفل الزفاف أياً من أفراد أسرته. لكن بعد مرور عام، عادت العلاقة إلى سابق عهدها.

لدى فادي اليوم طفلة تبلغ من العمر 3 سنوات، ويقول: "أنا سعيد اليوم بعلاقتي مع زوجتي. لكنني لا أستطيع القول إنني راضٍ عن حياتي بشكل عام. على الرغم من تحسّن علاقتي مع أسرتي، فما زلت أشعر بتلك الغصة لدى والدتي. واليوم، تراودني أسئلة كثيرة حول التربية الدينية التي ستتلقاها ابنتي في المدرسة، حتماً ستكون تربية إسلامية".

يسعى فادي وزوجته اليوم إلى الهجرة إلى إحدى الدول الغربية، حيث لا تكون الهوية الدينية أمراً مفروضاً بل خياراً شخصياً. ويقول: "أريد لابنتي أن تقرأ عن كل الأديان وتختار ما يناسبها".

وفي هذا السياق توضح الدغمي أن "حالات زواج المسلمة بغير المسلم من دون إشهار إسلامه نادرة جداً في الأردن. هناك بعض الحالات لرجال رفضوا تغيير ديانتهم وتزوجوا خارج الأردن. أما داخل الأردن، فقد تكون الحالات معدودة".

وتلفت إلى قصة امراة مسلمة متزوجة من رجل بهائي، وبات لهما طفلان، لكنهما يعيشان من دون أي أوراق ثبوتية، إذ لم تتمكن العائلة من استصدار دفتر عائلة أو شهادة ميلاد للأطفال. وبالتالي، فقد الطفلان جميع حقوقهما من نسب ورعاية صحية وتعليم"، مشيرة إلى أن "الطفلين تم تسجيلهما بشكل غير نظامي في إحدى المدارس الخاصة".

بحسب الدغمي، يبقى إنجاب طفل خارج الزواج أسهل من إنجاب طفل بعقد زواج بين مسلمة وغير مسلم. 

لكن هل يوفر الزواج المدني الحل لهذه المشكلات القانونية؟ تقول الدغمي: "من الناحية القانونية نعم، يوفر حلولاً قانونية، لكن هل هناك دعوات لتطبيقه وهل هو مقبول؟ في الوقت الحالي لا، وإن تم إيجاد تشريع يبيح الزواج المدني، هل تصبح الزيجات المختلطة مقبولة اجتماعياً؟".

نادين نمري

صحفية أردنية متخصصة في صحافة حقوق الإنسان، لديها اهتمام خاص بقضايا الحريات الدينية والأقليات في الشرق الاوسط، والجندر وحقوق الطفل والأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة، مناهضة لعقوبة الاعدام. حائزة على جائزة صحافة حقوق الانسان للعام 2015 المقدمة من منظمة صحفيون لحقوق الإنسان ومعهد الإعلام الاردني. تعمل في مجال الصحافة المكتوبة منذ 12 عاما.

كلمات مفتاحية
الزواج

التعليقات

المقال التالي