الدين، المرأة والسياسة في عالم الإعلانات العربية

الدين، المرأة والسياسة في عالم الإعلانات العربية

الإعلانات ليست كلها متشابهة. فالفتاة التي نراها على لوحة إعلانية طولها أربعة عشر متراً في أحد شوارع بيروت، يمكن أن تجلس بثياب البحر تحت الشمس مسدلة شعرها على كتفيها. هذه الفتاة تختلف كلياً عن تلك التي تظهر على الإعلانات المنتشرة في شوارع دبي حيث لا يظهر من الفتاة أكثر من كتفها ووجهها وشعرها. وهما تختلفان عن الفتاة التي نراها في الإعلانات المخصصة للمملكة العربية السعودية حيث يندر أن يظهر العنصر البشري في الإعلان وتقتصر دعايات شركات الشامبو على تصوير شعر الفتاة وهو يغطي وجهها كله ما عدا العينين.

عوامل عدة تساهم في تشكيل الضوابط على عمل شركات الإعلانات، وهي تختلف من بلد عربي إلى آخر. ونستطيع القول إنها جميعاً تنطلق من الدين وبعض العادات الإجتماعية والسياسة.

اعلان


في الأساس، إن شركات الإعلانات مصممة لكي تحث المستهلك على التفاعل مع الإعلان الذي يراه، لذلك عليها محاكاة ثقافته وتقاليده وأن لا تخرج عما هو مقبول لديه. وهكذا، إن كانت القوانين هي الضابط الأول أمام شركات الإعلانات فإن المستهلك هو الضابط الثاني، وعليها الالتزام بما يراه مناسباً كي تحوز رضاه وتدفعه لشراء المنتج.

المنافسة ممنوعة

أولى القواعد التي تشترك في تبنيها جميع الدول العربية هي منع المنافسة، وهي تشترك في ذلك مع العديد من الدول الأوروبية والآسيوية التي تقتضي قوانينها ألا يتضمن الإعلان أي نوع من التقليل من شأن منتج منافس أو التشهير به أو حتى وجود أي إشارة له.

من هنا، فإن فيديو كهذا يظهر فيه طفل يدوس عبوة بيبسي ليتمكن من الوصول إلى الرف المرتفع ليلتقط عبوة كوكاكولا، لن تراه معروضاً على شاشات المحطات العربية:

وكذلك الأمر بالنسبة لفيديو تسخر فيه سيارة الجاغوار من المرسيدس.

ممنوعات لأسباب دينية

يشكل الدين الرقيب الأول على سوق الإعلانات في الدول العربية التي تجمع قوانينها على عدم التعرض للدين الإسلامي ومعتقدات المسلمين وكذلك على احترام الأديان السماوية وعدم ازدرائها. ولكن بعض النصوص الفضفاضة تعطي هامشاً للتحرك أمام الشركات في بلدان كلبنان حيث يتم التغاضي عن العديد من الإشارات الضعيفة إلى الدين.

المحرمات في الإعلانات العربية - الدين في عالم الإعلانات العربية صورة 1

ففي لبنان، لا تستطيع شركات الإعلان إهانة أي دين لكنها تملك مطلق الحرية في الترويج للكحول أو لحوم الخنزير. وفي إحدى الحالات، أدى ظهور إعلان في صحيفة "المستقبل" اللبنانية، عام 2009، إلى حملة انتقادات واسعة لكونه يصوّر المسيح وهو يلتقط صورة للراهبات عبر كاميرا Samsung، وهذا ما دفع بـSamsung إلى التقدم بدعوى ضد شركة الإعلانات FP7 بحجة عدم موافقتها على الإعلان قبل نشره. وكان صانع هذا الإعلان قد نشره في الصحيفة المذكورة ليحق له التقدم إلى إحدى الجوائز.

في المملكة العربية السعودية، وهي أكبر سوق للإعلانات في المنطقة، تطبّق القوانين الإسلامية بشكل صارم. فعلى سبيل المثال، يعتبر استعمال إشارة الصليب بأي شكل من الأشكال نوعاً من الإهانة للدين الإسلامي ويصل الأمر أحياناً إلى عدم استخدام نوع معين من الخط يظهر فيه حرف الـ(t) كالصليب وذلك تجنباً للمشاكل. كذلك يُمنع تصوير الكلاب داخل المنازل فالكلب حيوان نجس، أو الخنازير لأن أكلها محرّم. أما العلم السعودي فتحل مكانه إشارة النخلة مع السيفين مخافة أن يسقط الإعلان على الأرض وما ينتج عن ذلك من إهانة لكلمة لا إله إلا الله التي يتضمنها العلم. حتى استخدام بعض الكلمات قد يسبب مشكلة، فمثلاً لا يجوز استخدام عبارة "هذا المنتج مثالي" لأن الكمال لله وحده.

أقوال جاهزة

شارك غردالمحرمات في عالم الإعلانات العربية

شارك غردحتى استخدام بعض الكلمات قد يسبب مشكلة في الإعلانات العربية، فمثلاً لا يجوز استخدام عبارة "هذا المنتج مثالي" لأن الكمال لله وحده

وتعتبر قطر سوقاً إعلانية مهمة في المنطقة وهي قريبة في سياساتها من المملكة العربية السعودية. أما إمارة دبي فهي متحررة إلى حد بعيد على صعيد الإعلانات ومع ذلك يلعب الدين دوره، إذ غير مسموح للشركات إظهار آلات القمار أو الترويج للحوم الخنزير أو الكحول.

قيود على ظهور المرأة

تعتمد شركات الإعلانات العاملة في دول كلبنان ومصر وتونس والمغرب والجزائر، بشكل أساسي على العنصر البشري، وخاصةً المرأة. فهذه الدول تملك حرية مطلقة إلى حد ما في إظهار العنصر البشري ما دامت لا تخدش الحياء العام. وقد تظهر المرأة في بعض الإعلانات في أوضاع جريئة ومغرية، حتى أننا نستطيع القول إن جسدها يتعرض للاستغلال من أجل الترويج للسلع.

المحرمات في الإعلانات العربية - المرأة في عالم الإعلانات العربية صورة 1

وفي أحيان كثيرة تتداخل النساء مع السياسة ويتم استغلال جمالهن لأهداف سياسية، كما في حالة إعلان يروج للتصويت لمصلحة التيار الوطني الحر في انتخابات ٢٠٠٩ النيابية في لبنان.

المحرمات في الإعلانات العربية - المرأة في عالم الإعلانات العربية صورة 2

الوضع مختلف في دول الخليج العربي حيث يخضع ظهور العنصر البشري للعديد من المعايير الحساسة. فالقانون السعودي يشير صراحة إلى منع استغلال المرأة وجسدها في الإعلانات. وقد تطور ظهور العنصر البشري في إعلانات المملكة في السنوات الأخيرة من المنع الكلي إلى السماح به مع تمويه الوجه ثم الاكتفاء بتمويه العينين إذا كانتا تنظران مباشرة إلى المشاهد أو المنتج.

المحرمات في الإعلانات العربية - المرأة في عالم الإعلانات العربية صورة 3

تجبر قوانين المملكة شركات الإعلان على إظهار المرأة بالعباءة السوداء. وتختلف المعايير بين الإعلانات الخارجية المخصصة للنشر على الطرق والأماكن العامة، وبين تلك المخصصة للنشر في المجلات. فمثلاً يسمح بظهور المرأة في مجلات الموضة والأزياء وغيرها بشرط أن يتم ستر المناطق العارية من جسدها.

المحرمات في الإعلانات العربية - المرأة في عالم الإعلانات العربية صورة 4

المحرمات في الإعلانات العربية - المرأة في عالم الإعلانات العربية صورة 5

المحرمات في الإعلانات العربية - المرأة في عالم الإعلانات العربية صورة 6

المحرمات في الإعلانات العربية - المرأة في عالم الإعلانات العربية صورة 7

ممنوعات لأسباب سياسية

في الإمارات العربية المتحدة، ينص قانون الإعلانات صراحة على عدم التعرض للنظام. وفي المملكة العربية السعودية، يشير القانون إلى ضرورة احترام النظام والملك. وفي قطر يمنع استعمال النقود حيث توجد صورة الملك أو الأمير على اللوحات الإعلانية مخافة سقوط الإعلان على الأرض، وفي ذلك إهانة للملك. في المقابل، لا وجود لهذا النوع في القوانين في دول مثل لبنان. وبرغم ذلك، فإن الشركات الإعلانية ومن خلفها المعلنون يتحاشون الدخول في إعلانات قد تتسبب ببعض الإشكالات.

ضوابط اللغة

اللغة العربية هي اللغة الرسمية في جميع الدول العربية. لكنك ترى في شوارع بيروت أو في مصر إعلانات لا تتضمن أيّة كلمة عربية. أما في دول أخرى كالإمارات وقطر، فينص القانون على وجوب أن يكون الإعلان باللغة العربية بنسبة خمسين في المئة، وعلى وجوب أن تحتل اللغة العربية الأولوية فتكتب قبل الإنكليزية.

المحرمات في الإعلانات العربية - اللغة في عالم الإعلانات العربية صورة 1

الرقابة الذاتية

عام ١٩٩٤، وفي ظل أجواء كأس العالم لكرة القدم، قامت شركتي McDonald's وCoca-Cola بطباعة أعلام الدول المشاركة على أغلفة منتجاتها، ومن بين هذه الأعلام كان علم المملكة العربية السعودية. وبما أن هذه الصور ستُرمى في سلال المهملات بطبيعة الحال، تعرضت الشركتان لحملة واسعة من الانتقادات من المسلمين طالبت بسحب ملايين الأغلفة من السوق كون العلم السعودي يتضمن عبارة "لا إله الا الله محمد رسول الله".

صورة المحرمات في الإعلانات العربية - الرقابة الذاتية في عالم الإعلانات العربية صورة 2

حوادث كهذه تدفع بالمعلنين إلى ممارسة رقابة ذاتية على إعلاناتهم وقد تصل في بعض الأحيان لتكون أقسى من رقابة الدولة والقانون. هذا النوع من الرقابة ليس محصوراً بالدول العربية بل يُمارس في كل دول العالم. فإذا كانت شركات الإعلان تجنح لتخالف أعراف المجتمع في بعض الأحيان بهدف إنتاج أعمال فنية، فإن المعلنين لا يأبهون لذلك، وكل ما يهمهم هو بيع منتجاتهم.

نشر الموضوع على الموقع في 19.05.2015

التعليقات

المقال التالي