المرأة السعودية تصارع هيمنة الرجل في الانتخابات البلدية

المرأة السعودية تصارع هيمنة الرجل في الانتخابات البلدية

"برغم السماح للمرأة السعودية بالترشح في انتخابات المجالس البلدية، فإن ترشحها رمزي لكون الحلبة الانتخابية غارقة في أتون السجالات القبلية الرجالية، والصراعات الفكرية بين أنصار التيارين الليبرالي والمحافظ. والمرشحات السعوديات ليس لهنّ طاقة على مواجهة هذا الواقع، فهن يرشحن أنفسهن إثباتاً لوجودهن ليس أكثر". هكذا يلخّص الباحث في علم الاجتماع أسعد سندي الانتخابات البلدية في السعودية. 

فمع تزايد حمى الانتخابات البلدية وارتفاع الأصوات الذكورية وهيمنتها على منابر الحملات الانتخابية، ارتفعت أصوات نسائية منادية بضرورة تحالف نسائي أوسع لمواجهة المرشحين الذكوريين، المدعومين بالولاءات القبلية، وانحياز صوت الناخب لهم.

ويعزى ذلك إلى أن الكثير من المناطق السعودية، ذات الطابع القبلي، لم تصل إلى المستوى الاجتماعي الذي يمنح الصوت الانتخابي للمرأة. خصوصاً أن المرشحات لم يخضن من قبل معارك انتخابية من الوزن الثقيل. وعلى الرغم من بلوغ المرأة السعودية مناصب مهمة في القطاع الخاص، ودخولها عالم الابتعاث الحكومي في أرقى الجامعات العالمية، فإن الانتخابات لا تزال حكراً على الرجال.

لكن الأمر تغيّر هذه المرة، إذ بدأت سبع سيدات من جدة تشكيل تحالف نسائي يهدف إلى دخول المرأة المجلس البلدي في الانتخابات المقبلة. ويعتزم هذا التحالف تنسيق الجهود وعقد لقاءات وندوات وتقديم كل أنواع الدعم للسيدات المرشحات لدخول المجلس بغية مواجهة المشاركة الكبيرة المتوقعة من الرجال.

ويضم التحالف، الذي ظهرت ملامحه خلال الأيام الماضية، سيدات أعمال وناشطات في المجتمع المدني وأكاديميات وإعلاميات، وذلك بحسب إحدى الصحف المحلية.

ويؤكد الباحث الاجتماعي أسعد سندي لـرصيف22، أن "جلّ المرشحات لانتخابات المجالس البلدية المقررة في ديسمبر المقبل، هنّ سيدات أعمال يحرصن على تقوية أدوارهن  الاجتماعية، والبروز في المحافل المحلية كافة بشتى الطرق. فما زالت تجربة السعوديات حديثة، وتتطلّب الحنكة في إدرة وتسويق الحملات الانتخابية".

وأضاف: "الدوائر الانتخابية للمرشحات محصورة في بعض المدن الكبرى، التي توصف بالحضرية كمدينتي جدة في غرب البلاد، والدمام في شرق السعودية، مقارنة بهيمنة الرجال في كلّ المناطق الوسطى، بما فيها العاصمة الرياض والمناطق الجنوبية والشمالية، التي تُعدّ معاقل للقبائل السعودية".

المرأة السعودية في الانتخابات البلدية

وتعود وقائع قصة المرأة السعودية مع انتخابات المجالس البلدية إلى عام 2011، حين منح العاهل السعودي الراحل الملك عبد الله بن عبد العزيز المرأة السعودية حقّ التصويت والترشح في الانتخابات، في خطوة وصفت بالتاريخية. بالإضافة إلى تعيين عدد من النساء في مجلس الشورى، للمرة الأولى في تاريخ السعودية. واعتبر ذلك أكبر تغيير يشهده المجتمع السعودي المحافظ.

وقد لقيَ القرار ترحيباً واسع النطاق لدى الليبراليين والناشطين، الذين قالوا إنه أحيا الآمال في إمكانية الاستجابة يوماً ما لمطالب أخرى بمزيد من الديمقراطية والحقوق الاجتماعية.

وبرغم عدم إعلان الأرقام النهائية للمرشّحات في الانتخابات حتى الآن، فإن عدداً من السعوديات بدأن التمهيد لخوض التجربة في قصور الأفراح، عبر انتخابات افتراضية، أو الترويج لأفكارهنّ بهدف بناء سُمعة تساعد على جمع الأصوات في يوم الاقتراع، خصوصاً بعد عجزهنّ عن الوصول إلى مجالس إدارات الغرف التجارية انتخابياً حتى الآن.

ويتوجّس مراقبون من أن تخذل المرشحات في الانتخابات البلدية تماماً مثلما في تجارب خليجية مُنحت فيها النساء حق الترشيح والانتخاب، إلا أنهن أخفقن في الفوز في مستهل التجربة.

ويبقى الأمر مرهوناً بالواقع، الذي سوف تطل بواكيره نهاية العام الجاري، لتقول الحقائق كلمتها في كون المرأة شريكاً للرجل في بناء المجتمع وتنميته وتطويره، وعلاقة ذلك بالظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والدينية والثقافية والتعليمية السائدة.

وفي السياق نفسه، قالت الناشطة الحقوقية نسيمة السادة، التي تفكّر في تقديم أوراق ترشحها إلى الانتخابات البلدية: "الأمر معقد من جانبين، الجانب الأول هو حداثة المجتمع السعودي مع الانتخابات بشكل عام، ودور المجالس البلدية في الخدمة، لا سيما أنّ الكثير من السعوديين لا يعرفون المجالس البلدية ودورها وصلاحياتها. إضافة إلى عزوف الكثير من السعوديين عن الإدلاء بصوتهم في الانتخابات نتيجة للتصور السائد حول سلبية المجلس البلدي في إحداث تغيير منشود في المجتمع".

وتضيف السادة: "الجانب الآخر، الذي يسهم في تعقيد مشاركة المرأة في الانتخابات يتمثّل في عوامل أخرى، كالانتماءات المناطقية والقبلية في المجتمع. إلا أن ذلك لا يمنع المرأة في أن تشقّ طريقها نحو الفوز، لا سيما أن هذه المشاركة الأولى للمرأة، ولا بد من تسجيل حضور متميز".      

الأمر نفسه تؤكده الأكاديمية وفاء حفني، التي تستعد لتقديم أوراق ترشحها مطلع الأسبوع المقبل، وقالت لـرصيف22: "مشاركة المرأة السعودية في هذه الدورة من الانتخابات، ليس المأمول منها اكتساح عدد المقاعد في المجالس البلدية، ولكن لا بد من تسجيل حضور قوي لأنها المرة الأولى التي تشارك فيها المرأة في هذا المعترك الكبير، ولا بد من إيصال رسالة لافتة تشير إلى أن المرأة السعودية ليست على هامش المجتمع".

ووفقاً لموقع وزارة الشؤون البلدية والقروية، المشرف على انتخابات المجال البلدية، يُمنح ثلثا المقاعد  للمرشحين الفائزين في عملية الاقتراع، ويخضع الثلث المتبقي للتعيين.

وبعيداً عن جدل الصلاحيات الممنوحة للمجلس البلدي، يرى مراقبون محليون أن انتخابات الدورة الحالية "بالون اختبار حقيقي"، تُقاس من خلاله درجة تقبّل المجتمع السعودي منح المرأة الحق بالتصويت والترشح، إذ يعارض قسم كبير من الإسلاميين المحافظين هذا التوجه الحكومي، لأنه يغيّر خريطة الحراك الاجتماعي والسياسي محلياً.

إبراهيم نافع

صحافي إيريتري مقيم في السعودية. عمل محرراً للأخبار السياسية في صحيفة الشرق الأوسط اللندنية، ويعمل حالياً في صحيفة عرب نيوز الناطقة باللغة الإنجليزية.

التعليقات

المقال التالي