المتظاهرون في بيروت ينتخبون...

المتظاهرون في بيروت ينتخبون...

عندما ضاق اللبنانيّون ذرعاً بالنفايات المتراكمة في شوارع العاصمة، لم ينتظروا حتّى يوافق زعماء أحزابهم أو طوائفهم على لجوئهم إلى الاحتجاج، فكانت الجموع المتظاهرة في ساحة رياض الصلح في وسط بيروت، السبت 23 أغسطس، مزيجاً كبيراً من جميع اللبنانيين، تجمعهم رائحة العفن المنتشرة في كلّ مكان، وعدم قدرتهم على الاحتمال بعد الآن. ظهرت حينذاك العديد من المبادرات الشبابية التي تحاول أن تعطي الحراك شكلاً، من بينها خطوة الشاب اللبناني خليل هبري، الذي قام بتجربة انتخابات مصغّرة في صفوف المتظاهرين، محاولاً معرفة ما يريده فعلاً هؤلاء المحتجّون.

شاب يحمل صندوق اقتراع ويجول بين المتظاهرين في بيروت

جال هبري بين المتظاهرين حاملاً صندوقاً يشبه صناديق الاقتراع، كتب عليه "صوّت لمين ما بدك"، محاولاً جذب أكبر قدر من الأشخاص من خلفيات متنوعة. فمن بين المتظاهرين كان الشباب الذين يتسكعون معظم الأوقات في مار مخايل، ومتوسطي العمر، واليساريين القدامى، واليساريين الجدد، والأغنياء الذين يحملون سيجاراً ويرتدون ساعات فاخرة، ومنهم الفقراء، وأبناء الطبقات المتوسطة مع أولادهم، و"التانت كلوديت" التي تسكن الأشرفية، وإلى جانبها الشاب الذي يلبس في عنقه سيف ذي الفقار. وعندما كان يسأله هؤلاء عن قصده في موضوع الانتخابات هذا، إذا ما لم يستطيعوا أن يفكروا في أحد، كان يجاوبهم: "انتخبوا قضيّةً محببّةً إلى قلوبكم".

لم يتوقع خليل هبري أن يستجيب الناس لمسألة التصويت تلك، أو أن يؤخذ على محمل الجد، لكنّه وللمفاجأة تلقّى ما يقارب الـ700 صوت خلال ست ساعات. أوراق صغيرة مكتوب عليها الكثير: عباراتٌ عاطفيةٌ تعكس غضب الناس ويأسهم، لكنّها تنبىء بأملٍ ما بالتغيير، فالناس قد اندفعوا إلى الشارع بعد أن وصلوا إلى الحافّة، وبعد أن استنزفوا تماماً، عقلياً وجسديّاً، من الحياة في لبنان.

تتنوع أصوات المشاركين في اقتراع هبري، فهناك من اختار شخصيّاتٍ معروفة من الوسط السياسي، أو من الحراك، كقادة مجموعة "طلعت ريحتكم" وغيرهم، أو مشاهير من خارج الوسط السياسي، كالفنانة هيفا وهبي وجورج وسوف وميا خليفة، في حين انتخب آخرون أفكاراً وقضايا لا أشخاصاً، أو رموا بأوراقٍ بيض في الصندوق، عاجزين عن إيجاد أي شخص يمثلهم في لبنان. يشير هبري إلى ذلك في مقال كتبه على مدونة MEDIUM الأمريكية تحت عنوان "الشعب يريد زياد بارود، وبعض التغييرات الجذرية"، حيث يروي القصة بشكلٍ مفصّل.

ومن بين الشخصيات التي انتخبت في تجربة هبري المصغرة، رابحان: احتل المركز الأول وزير الداخلية السابق زياد بارود، الذي حصل على صوت من بين كلّ ثلاثة أصوات، في حين حلّ في المرتبة الثانية شربل نحّاس، وزير الاتصالات اللبناني السابق. يتقاسم الجزء الأكبر من الأصوات المتبقية ديميانوس قطّار، وهو وزير مالية سابق، مع شباب مجموعة "طلعت ريحتكم". ولكنّ على الرغم من اختلاف وتنوّع الخلفيات التي يأتي منها المتظاهرون، كان زياد بارود هو المنتخب الأول بين النّاس. في حديث مع رصيف22، اعتبر هبري أن زياد بارود وشربل نحاس حصلا على أعلى نسبة أصوات لكونهما يجمعان شيئين أساسيين: هما من الوسط السياسي، وبالتالي لديهما خبرة في التحرك بشكل سياسي، كما أنهما صاحبا مواقف مع الناس ضد المحسوبيات والسلطة، ويذكر لهما الناس ذلك. يضيف هبري أنّه لا يعرف زياد بارود جيّداً لكونه مغترباً، ولكنّه يعتقد أنّ الناس اختارته من مبدأ: "جربناهم وكانوا مناح".

إليكم النتيجة

ردود الفعل كانت بحسب هبري إيجابية بدرجة كبيرة، حتّى أنّ أوراقه نفدت في النهاية. نسبة كبيرة من الناس كتبت "لبنان" على الأوراق، لأنهم لم يستطيعوا أن يجدوا أي اسم يستحق أن ينتخب. أما في ما يتعلق بالذين صوتوا للجيش وكتبوا على الأوراق "نريد حكماً عسكريّا"، فيعتبر هبري أنّه "ليس كرهاً بالديموقراطية، بل هو كره بما يحدث في لبنان. هم يصوتون للقوة، وبالتالي الثبات".

بعض الناس ممن أرادوا المشاركة لا يجيدون الكتابة، فطلبوا من أحد المتظاهرين بقربهم أن يكتب لهم ما يريدون. أما بلال، الذي يعاني من اضطراب عقلي، فلم يقدر إلا أن يكتب اسمه، لكنّه طلب من صاحب المبادرة أن يكتب له: "أنا بلال وبدي اشتغل". هناك من بين المتظاهرين أيضاً من انتخب كلبه لأنّه أوفى من أي سياسي، وهناك من رسم على الأوراق صورة "أرجيلة" لا أكثر. في النهاية، يشير هبري إلى أنّ هذه الانتخابات لا يمكن أن تعبّر عن الشعب اللبناني كاملاً، ولكنّها فسحة صغيرة تعكس بعض مطالبهم. 

شاب يسأل المتظاهرين في بيروت عن مرشهم المفضل. إليكم النتيجة

رصيف22

رصيف22 منبر إعلامي يخاطب 360 مليون عربي من خلال مقاربة مبتكرة للحياة اليومية. تشكّل المبادئ الديمقراطية عصب خطّه التحريري الذي يشرف عليه فريق مستقل، ناقد ولكن بشكل بنّاء، له مواقفه من شؤون المنطقة، ولكن بعيداً عن التجاذبات السياسية القائمة.

التعليقات

المقال التالي