استقلال الفتاة عن الأسرة: حرية محفوفة بالصعاب

استقلال الفتاة عن الأسرة: حرية محفوفة بالصعاب

"في الاستقلالية وجدت حريتي وذاتي"، جملة رددتها الفتيات اللواتي خضنا تجربة الاستقلال بعيداً عن الأهل، بعد الاستقلال المادي الذي دفعهن إلى خوض تلك التجربة، وتحمل صعوباتها.

فنادراً ما تترك الفتيات المصريات منزل العائلة قبل الزواج عادة، إلا أن هذه الظاهرة بدأت تنتشر بعد أن أصبحت المرأة أكثر جرأة في الدفاع عن حريتها والمطالبة بحقوقها، التي تحقق المساواة بينها وبين الرجل. علماً أن العيش في ظل مجتمع ذكوري في أي من المجتمعات العربية، يجعل هذه التجربة صعبة وشاقة على الفتيات. 

اعلان


البحث عن الحرية

"قدرت أحوّل ذكورية المجتمع لصفي واستغلها"، هكذا بدأت مي محمد حديثها، وهي واحدة من الفتيات اللواتي خضنا تجربة الاستقلال الاجتماعي. تقول مي، التي تبلغ الثلاثين من عمرها: "استقللت عن عائلتي في سن السابعة عشرة، لكن التجربة لم تكن مكتملة حينذاك، كانت بداية محاطة بمشاكل وخلافات مع الأهل". وتشير إلى أن "السبب وراء رغبتي في الاستقلال عنهم كان عدم  تقبلي فكرة أن أكون تابعة لأحد. كنت أريد أن أتخذ قرارتي بنفسي".

في البداية سكنت مي مع مجموعة فتيات في شقة، بحجة الجامعة، حينذاك كانت تعتمد مادياً على الأهل. وتوضح مي: "بعد مرور سنتين، أدرك أهلي رغبتي في الاستقلال عنهم، فازدادت الخلافات وقرروا قطع المصروف عني أملاً في عودتي، ثم حبسوني سنة كاملة في المنزل. لكن بعد أن مررت بحالة اكتئاب انتحاري، أدركت أن المواجهة هي الحل، واستطعت أن أقنعهم بالعمل في بلد مختلفة". 

على الرغم من أنها تمكنت من تحقيق مبتغاها، فإن مي تحكي عن مضايقات كثيرة تعرضت لها: "كثيراً ما نظر الناس إلي كأنني هاربة من أهلي، وتعرضت لمحاولات استغلال عاطفي ومادي، ونصب في العمل. وعلى الرغم من تحسن علاقتي مع عائلتي، فإن الاستقلال جعلني عاجزة عن الشكوى إليهم، لكن مع مرور الوقت استطعت إثبات  نفسي، ونجحت في عملي التجاري الخاص".

وتعتبر بثينة أنها تأخرت في الاستقلال عن أهلها، فهي اليوم في التاسعة والثلاثين من العمر، ولم تتخذ هذه الخطوة سوى منذ عام وبضعة أشهر. تملك بثينة وتدير أحد مراكز التجميل في القاهرة، وإصابة شقيقها بمرض الفصام كان الدافع الرئيسي وراء تركها بيت العائلة. تقول:"تعرضت كثيراً للإهانة منه، فمرضه جعله يشعر دائماً أنني أتآمر عليه، فكان يعنفني ويضربني، فلم أعد أحتمل الاستمرار".

تؤكد بثينة أن والدتها رحبت بقرارها ولم تعارضه، "لأنها كانت تعرف ما أعانيه"، تضيف. لكنها تشير إلى معاناتها "من نظرة المجتمع، كأنني فتاة منحلة ومن دون أهل. فحاول الكثيرون استغلالي". كما حاول عدد من الذين عملت معهم أن ينصبوا عليها لعدم وجود من يقف إلى جانبها. لكنها اليوم فتحت مركز تجميل خاصاً بها وتعيش حياة مستقرة، وتزور أهلها من وقت إلى آخر. 

قد تكون تجربة الاستقلال الأصعب هي تجربة المطلقات. فالمجتمع لا يتقبّل فكرة الطلاق من أساسها، فكيف إذا أردات المطلقة أن تعيش بمفردها بدل العودة إلى منزل عائلتها؟

عبير سعد قررت أن تطلب الطلاق من زوجها بعد اكتشاف خيانته لها. كما قررت أنها لن تعود وأطفالها إلى منزل والديها، بل تريد أن تعيش بشكل مستقل. تقول: "الأمر لم يكن سهلاً، لكنني تحدثت مع عائلتي والمقربين في شأن هذا القرار. في البداية حاولت عائلتي ضمي إليها باعتبار أنني مطلقة، لكنني رفضت وأصررت على قراري واستقللت مادياً واجتماعياً".

تقول منى عزت، مديرة برنامج المرأة، وعضوة في مؤسسة المرأة الجديدة إن "ظاهرة الاستقلال الاجتماعي للفتاة ليست وليدة وقتها، هي ظاهرة أثبتت وجودها منذ فترة، وما زالت مستمرة". لكنها تضيف: "يمكن القول إنها ارتفعت خلال الفترة الأخيرة، خصوصاً بعد ثورة 25 يناير، وما دخلت فيه الفتيات من تحديات ومناقشات حادة، للمشاركة في التظاهرات والنوم في الميدان".

وتشير عزت إلى أن "ذلك أعطى فتيات كثيرات دافعاً للقيام بخطوة الاستقلال عن الأهل". وهي ترى أنها "ليست خطوة ضارة، بل على العكس، هي خطوة مهمة جداً للفتيات، للاعتماد على أنفسهن، كما أن خوضهن تلك التجربة، يغير نظرة المجتمع للفتاة، على أنها كأئن ضعيف يعتمد دائماً على الغير في إدارة شؤون حياتها، فتصبح الفتاة قادرة على إدارة شؤونها الخاصة، وتحمّل مسؤولية الحرية التي أتاحتها لنفسها".

التعليقات

المقال التالي