كيف يتعامل المجتمع مع أرامل الشهداء في قطاع غزة؟

كيف يتعامل المجتمع مع أرامل الشهداء في قطاع غزة؟

تصف أرامل الشهداء الفلسطينيين في قطاع غزة واقعهنّ بالمرير. لا تقتصر المشاكل التي يعانين منها على تحمل عبء تربية الأطفال من دون مساعدة بل تتعدّد أشكالها... وللأهل النصيب الأكبر منها.

صعوبات على جبهتين

تخشى بعض العائلات على الابنة المترمّلة من المجتمع وصعوبات العيش بعد استشهاد الزوج، خاصة صغيرات السن منهن. لذلك يجبرونها على الزواج من آخر، والعادة الدارجة هي تزويجها من أحد أشقاء الشهيد لاحتواء الأبناء. لكن هذا الظن الحسن قد لا يكون بمحله في حالات عدّة، فيقع أولاد الشهيد في مشاكل نفسية تحتاج أحياناً لعلاج نفسي.

وتواجه الأرامل مشكلة الكفالات المالية لأبنائهم. يظنّ أهل الزوج أنها لا تستطيع تسيير حياة الأولاد بعد رحيل أبيهم أو يتهمونها بأنها مبذرة. وقد يصل الأمر إلى التنازع على حضانة الأطفال ورفع شكاوى قضائية في المحاكم.

وفاء جودة (28 عاماً) تعيل ثلاثة أطفال بعد استشهاد زوجها عام 2007. قالت لرصيف22: "منذ اللحظات الأولى لاستشهاد زوجي، بدأت أواجه مضايقات أهله بشأن الكفالات المالية لأبنائي. وكانت هذه المضايقات تزداد يوماً بعد يوم حتى اضطررت للذهاب إلى بيت أهلي. ودخلت لجان إصلاح لحلّ المشكلة بطريقة ودية لكن ذلك لم يجدِ نفعاً، فقررت العيش مع أطفالي في بيت أهلي".

وأضافت: "في البداية، تنازلت لوالد زوجي عن توكيل المخصصات المالية كونه كبير العائلة وأوعى مني، وكانت الوصاية له. لكن مع ازدياد المشاكل واتهامي بالتصرف غير المسؤول بالأموال، قررت اللجوء إلى المحكمة وسحب التوكيل، فكانت ردة فعله الوشاية بي للمؤسسات الخيرية في محاولة لمنع وصول المال إلينا، لكنه فشل في ذلك".

أرامل الشهداء في قطاع غزة - وفاء وأطفالها

وفاء جودة وأطفالها

وأكملت: "أما ضغوط أهلي فتمثلت بمطالبتي بالزواج من آخر كوني صغيرة السن، لكني رفضت ذلك وواجهت الجميع من أجل الحفاظ على أبنائي. وبرغم مرور ثماني سنوات على استشهاد زوجي ورفضي المستمر، فهم لا يملّون الحديث في هذا الموضوع بحجة نظرة المجتمع. والحقيقة أن المجتمع ينسى سريعاً ولا يهتم بأرامل الشهداء إلا في الأشهر الأولى من استشهاد الزوج".

تنظر جودة إلى صورة زوجها المعلقة على حائط الغرفة وتعلّق: "تخيلي أنني واجهت كل هذه المشاكل وانا في عمر الـ22 عاماً".

في تربيتها لأولادها، تنتهج تربية والدهم الإسلامية وتعمل على غرس الفكر المقاوم فيهم تنفيذاً لوصية زوجها، قالت: "الصعاب موجودة بوجود الأبوين فكيف الحال حين تفقد الأسرة ركنها الأساسي؟".

غالباً ما تدلّل أرامل الشهداء أبناءهنّ بحجة تعويضهم عن حرمان الأب، لكن جودة تفضّل طريقة أخرى. قالت: "ابنتي كوثر عمرها 12 سنة وطلبت مني شراء هاتف ذكي لها. رفضت ذلك لصغر سنها، فأصرتّ عليّ، ونزولاً عند رغبتها طلبت منها حفظ خمسة أجزاء من القرآن الكريم لأجازيها بما ترغب، وبالفعل حفظتها واشتريت لها ما تريد".

الصراع مع المجتمع

"إيه على واقع زوجات الشهداء ما أصعبه وما أقسى تفاصيله". بهذه الكلمات بدأت حياة أبو كويك (30 عاماً وأم لولدين وبنت) حديثها لرصيف22. استشهد زوجها وهي في أوائل العشرين. لم تتذوق طعماً للسعادة كما قالت، فحياتها كانت ملأى بالقلق والخوف على زوجها في حياته، وبعد وفاته بدأت مرحلة صراع مع المجتمع.

أرامل الشهداء في قطاع غزة - حياة وأطفالها

حياة أبو كويك وأطفالها

حين استشهد زوجها، بدأت أبو كويك تشعر بالوحدة والانكسار والفراغ الكبير الذي تركه بعد رحيله، قالت: "غياب زوجي وضعني أمام واقع مرير ألا وهو تحمل المسؤولية ومشاق الحياة ونظرات المجتمع".

معاناتها الكبرى تمثلّت بالضغوط المتواصلة عليها للزواج من شقيق الشهيد. وروت: "بعد انتهاء فترة العزاء بدأوا بطرح الموضوع وكنت أقابلهم بالرفض حتى جاءتني زوجته وطلبت منّي الموافقة بحجة الحفاظ على الأبناء. وافقت بعد عام وكان كل همي أبنائي. لكن مع مرور الأيام، صارت زوجته الأولى تفتعل لنا المشاكل، واستمر هذا الحال لعامين ونصف العام وأثّر سلباً على نفسية أبنائي خاصة ابنتي الصغيرة بيان، وهذا ما دفعني إلى طلب الانفصال عنه. وبالفعل انفصلت وعدت وأبنائي إلى بيتي".

تحاول أبو كويك تعويض أولادها عن غياب أبيهم. وكلما رفضت طلباً لهم يواجهونها بمقولات مثل: "كل الأطفال لديهم آباء يلبون رغباتهم إلا نحن"، وكأنهم يذكرونها بأنهم فئة خاصة في المجتمع.

تعاني كثيراً مع ابنها البكر حمزة (13 عاماً) الذي يحاول فرض شخصيته والتمرد على قراراتها. ومع الوقت اكتشفت أنه يحتاج إلى رعاية نفسية عميقة لاحتوائه وفعلت ذلك. وشدّدت على ضرورة الدعم النفسي والاجتماعي لأرامل الشهداء من أجل تأهيلهم لتحمل الأعباء الجديدة.

لجنة قانونية للدفاع عن أرامل الشهداء

صعوبات الحياة التي تواجه أرامل الشهداء دفع الجمعيات الخاصة برعاية ذوي الشهداء إلى تخصيص لجنة قانونية في نقابة المحاميين للدفاع عنهنّ وعن أبنائهنّ.

في غزة، تنشط مؤسسة الصلاح الإسلامية الخيرية وتعتبر من طليعة الجمعيات التي تأسست لرعاية الأيتام والأسر الفقيرة ومن ضمنها أسر الشهداء، إذ بلغ عدد المكفولين لدي الجمعية 5000 يتيم منهم 400 من أبناء شهداء الحرب الأخيرة على القطاع.

مسؤولة الكفالات المالية في المؤسسة سماح حبشي قالت لرصيف22: "المجلس التشريعي في غزة تبنى قراراً قضى بأن تعود حضانة أبناء الشهيد إلى أمهم ولا ينازعها على ذلك منازع أياً كان"، ولفتت إلى أن هذا القرار قد يخفف الحمل عن كاهل أرامل الشهداء اللواتي تنازعهنّ عائلات أزواجهن على مخصصاتهم المالية وعلى حضانة الأطفال "لكنه لا يضع حداً للكثير من الإشكاليات الاجتماعية التي تواجه أرملة الشهيد".

وأكدت حبشي أن "النزاع على المخصصات المالية لأبناء الشهداء هي المشكلة الأبرز التي تواجه أرامل الشهداء. الأم هي الأولى برعاية أطفالها، لكن في بعض الحالات قد لا تكون مؤهلة لذلك فيضطر والد الشهيد إلى رفع شكوى قانونية لسحب الحضانة منها وتحرم من رؤية أبنائها إلا لساعات قليلة". ولكن أحياناً كثيرة، تعتمد الدعوى على إثباتات مزورة "ولولا وجود لجان قانونية تدافع عن حقوق أرامل الشهداء لضجّ المجتمع بالظلم والافتراء".

كلمات مفتاحية
المرأة غزة فلسطين

التعليقات

المقال التالي