جدل حول بناء معبد هندوسي في أبو ظبي

جدل حول بناء معبد هندوسي في أبو ظبي

ثار غضب الإماراتيين اليوم، بعد أن أصدرت الحكومة الإماراتية قراراً بمنح الجالية الهندوسية في أبو ظبي، أرضاً لبناء معبد هندوسي عليها، وعبروا عن غضبهم بشدّة على مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصاً Twitter، وذلك عبر Hashtag #بناء_معبد_هندوسي_في_أبوظبي . وتحول الشكر الذي وجهه رئيس وزراء الهند، الذي يزور الإمارات، إلى الحكومة الإماراتية، موضوع سخرية، ووصل الأمر ببعض الناقمين على القرار، أن هاجموا عائلة "آل زايد"، معتبرين  أنّهم "عائلة معادية للإسلام".

الغريب في الأمر، أن المعبد الهندوسي المفترض بناؤه في أبو ظبي، هو ليس المعبد الهندوسي الأول في الإمارات العربية المتحدّة. ففي عام 1958، منح الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم إذناً لقيام المعبد الهنودسي الأول في دبي، فأقيم في الطابق الأول في أحد مباني السوق القديمة في بور دبي، وكان معبداً للهندوس والسيخ معاً، ثمّ انفصل السيخ عن الهندوس عام 2012، وأقاموا معبدهم الخاص في جبل علي.

معبد هندوسي في أبو ظبي - رئيس الوزراء الهندي في زيارة إلى الإمارات رئيس الوزراء الهندي في زيارة إلى الإمارات

ينصّ الدستور الإماراتي على حريّة الأديان، إنّما وفق العادات المتبعة، وتحترم الحكومة الإماراتية نص الدستور، وتحاول تقديم التسهيلات نوعاً ما للأديان الأخرى عند محاولتهم بناء دور للعبادة خاصة بهم. ويتمّ الأمر على شكل طلبات تقدمها قيادات للطوائف الدينية، التي تريد أن تقيم معابدها على شكل منحة عقارية، فيتم دراسة تلك الطلبات من حاكم الإمارة والموافقة عليها، ولكل حاكم إمارة الحق في قبول أو رفض بناء معبد لأي طائفة كانت في إمارته. ويعتبر القرار النهائي في الأمر منوطاً بالحكم الذاتي للإمارة، وهو السبب الرئيسي وراء الاختلاف في الانفتاح على الأديان غير المسلمة من إمارة إلى أخرى. وتعتبر بعض الإمارات أكثر تساهلاً قانونياً من غيرها مع دور العبادة غير المسلمة. فمع أنّ جميعها لا تفرض رسوم إيجار على الطائفة التي تمنحها الأرض، إلا أنّ إمارة الشارقة مثلاً، لا تفرض حتّى ضرائب الماء والكهرباء على تلك العقارات.

يحقّ للمعبد الهندوسي في دبي إقامة كل شعائر الصلاة والتقاليد الدينية الهندوسية، حتى طقوس الدفن والزواج. إلّا أن الزواج الذي يقام في المعبد لا يعتبر رسمياً من قبل الحكومة، ولا يسجّل في دوائر الدولة الرسمية.

أمّا في بقية الأمور المتعلقة بطقوس العبادة، فيمارسونها بحرية، الأمر الذي يشبه إلى حدّ كبير وضع الكنائس المسيحية في جميع الإمارات، حيث تقام الكنائس بشكل علنيّ وبالطريقة نفسها، بعد طلب قيادات طائفة مسيحية معينة من حاكم الولاية منحها أرضاً لبناء كنيستها.

معبد هندوسي في أبو ظبي - صورة 2

ولم تكن ترفع الرموز المسيحية بشكل علني كالصليب أو الناقوس، لكن في السنوات الأخيرة، بدأت بعض الكنائس تدقّ أجراسها في دبي، وهذا الأمر غير مذكور في القانون الإماراتي. ويشير بعض زعماء الطوائف المسيحية إلى أنّهم بقرار شبه جماعي، اتفقوا على عدم المبالغة في إظهار الشعائر الدينية المسيحية، احتراماً لطبيعة البلد المسلمة، ولأن غالبية سكانها ومواطنيها تحديداً هم من المسلمين.

بالعودة إلى إمارة أبو ظبي، تنتهج الحكومة سياسةً متسامحةً مع الأديان الأخرى. فهناك العديد من الكنائس للطوائف المسيحية المختلفة، كالكنيسة الإنجيلية العربية، وكنيسة سان جورج للروم الأورثوذوكس، وكنيسة القديس جوزيف للكاثوليك، وغيرها. وحين لم يكن للهندوس أرضاً لإقامة معبدهم عليها، كان من المسموح لهم إقامة تجمّعات الصلاة في بعض منازلهم، إن لم يتسطيعوا الذهاب إلى المعبد في دبي. كما يحقّ للبوذيين ولغاية اليوم، إقامة الصلوات في منازلهم، مع أنّهم يشكلّون أقلّ من 5% من مجمل سكّان الإمارات.

لكن يبدو أنّ سياسة الحكومة تعترضها بعض العوائق الاجتماعية، فيضطر أهل الطوائف غير المسلملة إلى الإعلان عن أنّهم شاكرين التقبل الاجتماعي من المواطنين، أو إلى توصية رعاياهم بعدم شرب الكحول في الأماكن العامة، والانتباه إلى اللباس، والحشمة وما إلى ذلك من إجراءات، فيها حدّ من تصرفات المقيم غير المسلم احتراماً للمواطن المسلم.

وهذا ما أثبتته موجة الغضب العارم الأخيرة حين منح ولي عهد إمارة أبو ظبي، الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، أرضاً مجانية للجالية الهندوسية لبناء معبدها عليها. وقد عاد المواطنون الإماراتيون إثر هذه القصة إلى قصص أبعد من ذلك، متطرقين إلى موضوع الوجود المسيحي في أبو ظبي، والإمارات بشكل عام، و إلى شعور المواطن الإماراتي بأنّ حكومته تحارب الإسلام، وبالطبع الأمر ليس تعميماً.

فمن المؤكد أنّ بعض المواطنين الإماراتيين يحاولون مع الحكومة خلق جو من التسامح والتعايش بين الطوائف، كإقامة مؤتمرات ولقاءات بين الطوائف في أبو ظبي، يشارك فيها الإماراتيين، كالندوة التي نظمها مركز شؤون الإعلام في أبو ظبي عام 2008، إلّا أنّها تبقى مبادرات نادرة.

رصيف22

رصيف22 منبر إعلامي يخاطب 360 مليون عربي من خلال مقاربة مبتكرة للحياة اليومية. تشكّل المبادئ الديمقراطية عصب خطّه التحريري الذي يشرف عليه فريق مستقل، ناقد ولكن بشكل بنّاء، له مواقفه من شؤون المنطقة، ولكن بعيد عن التجاذبات السياسية القائمة.

التعليقات

المقال التالي