المصريون يراسلون الإمام الشافعي عبر البريد الحكومي

المصريون يراسلون الإمام الشافعي عبر البريد الحكومي

لحل مشاكلهم ورفع الظلم عنهم، يتوسم المصريون البسطاء خيراً في الأولياء الصالحين أكثر مما يتوسمونه في القوانين الوضعية. مقامات الأولياء هي ملجأهم الوحيد لما تمثله من قوة روحية تُدخل السكينة إلى قلوبهم، في ظل حياتهم القاسية. تختلف طقوس التقرب من الأولياء، فلكل ولي طقوسه الخاصة. ولكن ظاهرة إرسال الرسائل إلى الإمام الشافعي تُعدّ من أكثر الظواهر تميزاً في الثقافة المصرية الشعبية.

فضريح الشافعي هو الوحيد الذي اختص بهذا الطقس منذ وفاته حتى اليوم، لاعتقاد راسخ في نفوس مريديه بأن الإمام يطّلع على شكاويهم، ويتدخل لإنصاف الفقراء والضعفاء أمام المحكمة السماوية.

النساء يبحن بأسرارهن للإمام الشافعي

كل جمعة، تأتي رضا من حي البساتين إلى حي الخليفة في مصر القديمة حيث يقع ضريح الشافعي، لتبعث بشكواها إلى الإمام، وترجوه أن يخلّصها من ظلم أهل زوجها. اعتادت السيدة الأربعينية أن تقصد الضريح كلما استشعرت ظلماً. وقالت لرصيف22 إن الإمام لا يرد طلبها ويقف بجانبها ويدعمها في حياتها القاسية. وروت: "منذ 15 عاماً تعرضت ابنة خالتي لظلم فادح من أهل زوجها، فجاءت إلى هنا وشكت همها للإمام.

أقوال جاهزة

شارك غردمصريون يرسلون رسائل مكتوبة إلى الإمام الشافعي ويطلبون منه مساعدتهم في شؤون حياتهم

شارك غردأحد أسباب انتشار ظاهرة زيارة الأولياء وطلب مساعدتهم هو عجر القوانين عن إنصاف المظلومين

بعدها مباشرة، تعرّض مَن ظلموها لظروف سيئة، وارتفع عنها الظلم. وأنا تعرضتُ لظلم كبير في عملي، فجئت في حالة انهيار وكتبت رسالة للإمام، وبكيت بحرقة ودعيت من قلبي أن ينصفني وينتقم لي، وهذا ما حدث بالفعل. والآن أبوح للإمام بالظلم الواقع علي من أهل زوجي، وأنا على يقين من قدرته على إنصافي".

واستنكرت رضا وصف هذا الطقس بالخرافة، واعتبرت هذه "الافتراءات" شركاً بالله، وقالت: "أؤمن بأن كل شيء بيد الله، لكنني أتبرّك بالأولياء الصالحين، لذلك أطلب شفاعتهم، فهم الملجأ الوحيد للبسطاء. أتبرك بالإمام الشافعي الذي حكم بين أمه وأبيه بالعدل وهو طفل صغير، وأشعر بالسكينة في هذا المكان المقدس، ولا أدري أين الشرك هنا!".

"إرسال الخطابات" ليس الطقس الوحيد الذي يقوم به المصريون في ضريح الإمام الشافعي. بجانب الضريح، يقع صندوق خشبي بداخله صندوق آخر زجاجي ممتلئ بقطع من الملابس، أغلبها طُرح وأوشحة. هو طقس ابتكره المصريون مع الزمن ليُضاف إلى الطقس الأساسي.

الفتاة الثلاثينية سُمية إبراهيم قصدت المكان لتضع طرحتها "في رحاب الإمام"، بحسب تعبيرها، متمنيةً أن يدعو لها لكي يرزقها الله ابن الحلال. وقالت لرصيف22: "هذا يقرب المسافة بين الناس والإمام. وهكذا سيتعرف عليهم بسهولة ومن ثم يمكنه حل مشاكلهم الحياتية".

عادة فرعونية مستمرة

الباحث والروائي محمود عبد الغني قال لرصيف22 إن ظاهرة إرسال الرسائل إلى الأولياء قديمة، تمتد جذورها إلى العصور الفرعونية، ورأى أن "السبب في استمرار هذا الطقس هو اعتقاد راسخ في نفوس المصريين بأن للأموات سلطة على الأحياء، أو مقدرة كبيرة على التدخل لحل مشاكلهم وتحقيق العدل المفتقد".

وأوضح: "المصريون القدماء كانوا يرسلون الرسائل التي تتضمّن شكاويهم إلى الآلهة عبر الكهنة، ليقوم هؤلاء بتلاوتها أمام الآلهة، ظناً منهم أن الإله يستمع إلى شكواهم ويقوم بإنصاف المظلوم. وأيضاً، كان المصريون يكتبون الرسائل إلى الموتى ويطلبون منهم مساعدتهم في حل مشاكلهم". وأكّد عبد الغني أن هذا الطقس لا يقوم به المسلمون وحدهم، بل هو طقس يشترك فيه المصريون مسلمين ومسيحيين، مستشهداً بما كان يجري داخل مقام البابا كرلس السادس، إذ بجانب ضريحه كان يوجد قلم ويقوم مريدوه بكتابة الرسائل إليه. ولفت إلى أن هذا الطقس يمارس بالشغف تفسه في كنيسة مار جرجس في مصر القديمة، حيث تمتلئ المنارة بالرسائل التي غالباً ما تحمل شكاوى أناس ضعفاء أو مظلومين أو مهمومين.

وأشار صاحب "متحف النسيان" إلى أن ظاهرة كتابة الرسائل للأموات لا تزال في صعيد وقرى مصر، حيث يتم وضع رسائل مع المتوفي، لأن الناس يظنون أنه سيكون شاهداً معهم ضد مَن ظلموهم، أثناء انعقاد المحكمة السماوية التي كانت تُعرف أيام الفراعنة باسم "محكمة أوزوريس".

وأكمل: "قضى الإمام الشافعي الأعوام الستة الأخيرة من حياته في مصر، وكان مرتبطاً بالمصريين ارتباطاً شديداً، وعُرف عنه الحكمة والتواضع والعدل، وهناك قصة شهيرة يُرددها البسطاء دائماً تتلخص في أنه حين كان طفلاً صغيراً حكم بين أبيه وأمه بالعدل بعد نزاع طويل بينهما على قطعة أرض، ولذلك تبدأ الرسائل المرسلة إليه بعبارة: ياللي حكمت بين أمك وأبوك بالعدل".

ورأى أن الإمام الشافعي اختص بهذا الطقس من بين الأولياء المسلمين، "لأن المصريين كانوا يشاهدونه وهو يكتب لفترات طويلة، وكانوا يرسلون إليه الشكاوى ويتناقش معهم في مشاكلهم ويتدخل لحلها".

سلطة الأولياء أقوى من القانون

أثارت هذه الظاهرة انتباه عالم الاجتماع الراحل الدكتور سيد عويس، فقرر دراسة الرسائل المرسلة إلى الشافعي. وتقدم بطلب خطي إلى الأزهر الشريف طالباً الاطلاع عليها. وبالفعل تمت الموافقة على دراسة 70 رسالة.

Colin-Hepburn_Flickr

كشف البحث الذي صدر في كتاب بعنوان: "ملامح المجتمع المصري/ ظاهرة إرسال الرسائل للإمام الشافعي" أن هذه الظاهرة تعد ممارسة شعبية يقوم بها المصريون من مختلف الطبقات والشرائح لاعتقاد راسخ في وجدانهم بسلطة الأولياء وقدرتهم على رفع المظالم عنهم.

وأكد عويس أن المصريين دائماً يبحثون عن ولي مبروك يلجأون إليه عندما يشتد عليهم المرض، أو يتعرضون لظلم ما، أو يضيق بهم الحال. وأشار إلى أن أغلب شكاوى "عينة البحث" كانت من "نساء" أفشين أسرارهن للإمام الشافعي وطلبن إليه أن يتدخل لإنصافهن.

ولفت إلى أن النساء يبدعن في هذه الرسائل، إذ تعمل مخيلتهن بشكل مثير. مثلاً تطلب إحداهن من الإمام الشافعي أن يسعى لانعقاد المحكمة السماوية ويطلب من السيدة نفيسة أو السيدة زينب أن تحضر لتقف بجانبها وتساعدها على رفع الظلم عنها.

كذلك كشف أن أغلب الشكاوى تحكي عن ظلم يصعب إثباته ورفعه عبر القوانين الوضعية، ولذلك يكون الأولياء الصالحون المخرج النفسي للمظلومين. وأضاف أن فداحة الشعور بالظلم الاجتماعي واليأس من تحقيق العدل كان يدفع بعض المصريين الذين يقيمون في الدلتا أو في الجنوب المصري، إلى إرسال الرسائل لمسجد الإمام الشافعي عبر البريد الحكومي وكأنهم يرسلونها إلى صديق أو قريب.

التعليقات

المقال التالي