سيدات الشاي في الخرطوم، بين قسوة الشارع وظلم رجال الشرطة

سيدات الشاي في الخرطوم، بين قسوة الشارع وظلم رجال الشرطة

وسط حرارة المواقد ولهيب الشمس الحارقة تفترش بائعات الشاي الأرصفة في الخرطوم. هن "ستات الشاي"، اللواتي اضطرتهن الظروف للعمل في هذه المهنة القاسية. يجلسن في الشارع ومعهن معدات بسيطة لإعداد الشاي والمشروبات الساخنة الأخرى للمارة، الذين يتحلقون حولهن أمام طاولة وضعت عليها الأكواب وإبريق الشاي.

الظروف المعيشية الصعبة، والفقر المدقع، والطلاق، وتهجير النساء من العمل الرسمي، هي بعض الأسباب التي ترغمهن على امتهان هذا العمل، الذي تحاول السلطات الحد منه، من خلال "الكشات" أي المداهمات التي تقوم بها من وقت إلى آخر.

اعلان


ستات الشاي، ظاهرة في شوارع الخرطوم، خصوصاً بعد أن ازداد عددهن، التي تؤكد دراسة رسمية أنه وصل إلى أكثر من 13 ألفاً، 441 منهن يحملن مؤهلاً جامعياً، والأخطر أن بينهن فتيات قاصرات.

سيدات الشاي في الخرطوم

قاصرات تحت الشمس

سارة آدم ذات الـ14 عاماً اضطرت إلى توديع عالمها الطفولي والتضحية بتعليمها لتعمل وتعلّم إخوتها الصغار. تقول: "توفي والدي منذ 4 سنوات، وخلال هذه الفترة كنا نعتمد على بعض الأقارب والجيران، الذين يقدمون لنا الأكل والملابس. لكن إخوتي الثلاثة الصغار بلغوا سن الدراسة، وتكاليف المدرسة كثيرة، فخرجت من المدرسة وأدخلتهم إليها".

أقوال جاهزة

شارك غردهويدا علي شابة تؤمّن نفقات جامعتها من بيع الشاي... عن سيدات الشاي في الخرطوم

شارك غردسيدات الشاي في الخرطوم: أكثر من 13 ألفاً، 441 منهن يحملن مؤهلاً جامعياً، وبينهن فتيات قاصرات

تكفلت والدة سارة، التي تعمل في المنازل بمصروف الطعام، بينما اضطرت الفتاة إلى النزول إلى الشارع والعمل لتأمين مصاريف المدرسة. "على الرغم من المضايقات التي أتعرض لها من بعض الشباب، فإني أتغاضى عن ذلك لمواصلة ما جئت من أجله".

حواء علي ذات الـ50 عاماً تعمل أيضاً في هذه المهنة منذ أكثر من 12 عاماً لتربية أطفالها ورعاية إخوتها ووالديها. بعد أن فروا من أقاصي إقليم دارفور، بسبب الحرب بعد اندلاع النزاع المسلح بين الحركات المسلحة وحزب المؤتمر الوطني عام 2003.

تقول حواء لـرصيف22: "فجأة وجدت نفسي الوحيدة التي تستطيع العمل وتأمين لقمة العيش لعائلتي التي تتكون من 10 أفراد، هم أبنائي وإخوتي ووالدي. عملت في مهن كثيرة هامشية، لكنها لا توفّر حاجات أسرتي الكبيرة، فاضطررت إلى اللجوء إلى الشارع والعمل في بيع الشاي والقهوة والكركديه والحلبة". وعلى الرغم من أن هذه المهنة وفّرت لحواء المال لتأمين حاجات أسرتها، فإنها تشير إلى أنها "مهنة شاقة، وسط حر الشمس الحارقة، والصبر على المضايقات من المنحرفين أخلاقياً، ومضايقات الدولة في ملاحقتنا بالرسوم والمداهمات ومصادرة أدوات العمل، أو ما يعرف بالكشة، إلا أنني مضطرة لمواصلة العمل".

سيدات الشاي في الخرطوم - خروج من أجل التعليم

خروج من أجل التعليم

هويدا علي شابة أخرى في مقتبل العمر، لم تبلغ بعد الـ19 عاماً. طرقت باب هذه المنهة لإكمال تعليمها والحصول على مؤهل جامعي. فهي تصرف نفقات رسوم الجامعة من بيع الشاي، الذي تقوم به بعد حضور محاضراتها في الكلية. تأتي للعمل تحت شجرة كبيرة ثلاثة أيام في الأسبوع، بعد أن عجز والدها عن توفير قسطها الجامعي، فهو لا يستطيع تأمين أكثر من متطلبات المنزل.

هويدا تعمل جاهدة لتقديم خدمة جيدة لزبائنها، الذين يلتفون حولها وينتظرونها في أيامها الثلاثة. لهذه الفتاة الصغيرة أحلام كثيرة تريد تحقيقها: "أطمح إلى تغيير واقع حياتنا، وتحسين وضع أسرتنا الاقتصادي، وشراء منزل لنا". وتضيف: "أريد أن أنال درجة مشرفة بعد التخرج من الجامعة، ثم سأفكر في الهجرة لي ولأخي".

سيدات الشاي في الخرطوم - عرض مغرٍ

عرض مغرٍ ولحاق يومي

هذه المهنة التي أصبحت الملجأ الوحيد لكثيرات، تحولت الآن إلى مصدر تنافس كبير بين العاملات فيها، بعد أن ازداد عددهن كثيراً. فأصبحت لكل واحدة منهن طريقتها في تقديم الخدمة واختيار المقاعد والزينة والنظافة لاستقطاب زبائن أكثر. وقد أصبحت هذه الظاهرة من سمات شوارع الخرطوم وطرقاتها العامة، ومحط تجمع بين الأصدقاء والزملاء والعمال.

في المقابل، غالباً ما تسعى الجهات المختصة إلى مكافحة هذه الظاهرة، وتلاحق ستات الشاي يومياً خوفاً من التجمعات السياسية. إذ تجد الفتيات والسيدات أنفسهن محاصرات فجأة بسيارات ضخمة، تحمل أدوات العمل الخاصة بهن وتصادرها، واسترجاع هذه الأدوات يكلّف الستات مبالغ طائلة.

جهل بالحقوق

في حديث لرصيف22، تقول الصحافية مشاعر عبد الكريم إن "أسوأ الانتهاكات التي تتعرض لها ستات الشاي، هي الكشة، التي تمثل انتهاكاً لإنسانية البائعات وحقوقهن، إذ لا يحق لأي شرطي ملاحقة السيدات بعد دفع الرسوم". وتشير إلى أن "ستات الشاي جاهلات حقوقهن القانونية، لذلك لا يطالبن بوقف هذا الانتهاك، وحالما ترى إحداهن شرطياً تفر هاربة وتترك أدواتها ليصادرها رجال الشرطة، الذين لا يقومون بإرجاعها إلا بعد دفع مبالغ مالية".

كلمات مفتاحية
السودان المرأة

التعليقات

المقال التالي