ليلى العودات: الانتهاكات الجنسية من أقل الجرائم عقاباً لمرتكبيها

ليلى العودات: الانتهاكات الجنسية من أقل الجرائم عقاباً لمرتكبيها

بدءاً من الحرب العالمية الأولى وصولاً إلى الحرب في سوريا، كانت رابطة النساء الدولية للسلام والحرية من الأسماء البارزة بين المنظمات الحقوقية، التي عملت على إرساء السلام وتقليص ميزانيات التسليح، وتعزيز دور النساء في المجتمعات والأنظمة السياسية. حصلت مؤسسة الرابطة جين آدامز Jane Adams على جائزة نوبل للسلام عام 1931، وتبعتها خليفتها إيميلي غرين بالش Emily Greene Balch بالحصول على الجائزة نفسها عام 1946.

التقينا المحامية والناشطة الحقوقية السورية ليلى العودات، مديرة مشروع الاستجابة للنزاعات في الرابطة، لنعرف المزيد عنها وعن جهود الرابطة في العالم والشرق الأوسط.

تعمل رابطة النساء الدولية للسلام والحرية منذ سنة 1915، ما الذي تفعله منذ ذلك الحين؟ وهل هناك مكاسب كبرى ساهمت فيها بشكلٍ أساسي؟

تأسست رابطة النساء الدولية للسلام والحرية، عندما اجتمعت 1200 سيدة مدافعة عن حقوق الإنسان في لاهاي خلال الحرب العالمية الأولى، لبحث ومقاومة مسببات الحرب. وعلى الرغم من عدم إيقافهن الحرب العالمية آنذاك، إلا أن عملهن المشترك كان له أثر كبير في حشد الطاقات النسوية.

وقد حققت الرابطة الكثير من الانتصارات منذ ذلك الحين، من المشاركة الفعالة لمؤسسة الرابطة جين آدمز Jane Adams في وضع النقاط الأساسية لبرنامج السلام، الذي نتجت عنه الهدنة الأولى لعام 1918، إلى مبادرات السلام المرافقة للحرب العالمية الثانية، ودورها في محاربة الاستنزاف الناتج عن الحرب الباردة.

وأخيراً الدور الكبير الذي تلعبه الرابطة في وقف التسليح، وتحويل المصاريف العسكرية إلى مصاريف تنموية، والعمل على الاستجابة للنزاعات من منظور جندري مناهض للعسكرة.

ما معنى الاستجابة للنزاعات في حالة المشروع الذي تعملين عليه، هل هي التركيز على الأزمات الإنسانية بالمعنى الإغاثي، أو الفترات الحساسة التي يكون لا بد للمرأة من أخذ دور فيها؟

يقوم مشروع الاستجابة للنزاعات على تعزيز الإمكانيات للاستجابة الفورية عند ظهور مؤشرات النزاع في إحدى المناطق، من خلال القيام بتحليل جندري فوري للوضع قبل الأزمة وخلالها، وكيف سينعكس النزاع على النساء وعلى الحراك النسوي الوطني، وكيفية وضع آليات فورية للحد من أثره السلبي، والاستفادة من الأثر الإيجابي للتغير السياسي إن أمكن.

نعمل في العديد من دول النزاع حول العالم، منها أوكرانيا والبوسنة ونيجيريا والكاميرون، وعدد من دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. في سوريا مثلاً، قمنا بالدعم والتدريب على كتابة تقرير ظل، وتقديمه للجنة اتفاقية القضاء على جميع أشكال العنف ضد المرأة، لمسائلة وفد الحكومة السورية. كما قمنا بالتحضير لاجتماع آريا المغلق لمجلس الأمن، ودعوة ممثلة عن المجتمع المدني السوري لتكون أول امرأة سورية تقدم شهادة مباشرة فيه.

أيضاً نقوم بشكل دوري بتقديم الدعم التقني لشركائنا ومساعدتهم على الحصول على الدعم المادي، وتعزيز التواصل مع الحراك النسوي في دول أخرى مرت بنزاعات مشابهة، كالبوسنة وجنوب أفريقيا وأيرلندا الشمالية وأوكرانيا. كما نقوم بأبحاث حول تأثير الأسلحة على النساء، ومنها تقرير "النساء والأسلحة المتفجرة"، الذي درس الوضع في عدة دول منها سوريا.

تتعرض الكثير من المنظمات التي تعمل على خدمة قضايا السوريين لضغوط من قبل الفرق السياسية التي تسهل عملها أو تمولها، ألا تواجه رابطتكم ضغوطاً مماثلة؟ وكيف السبيل لتتفادى المنظمات ذات الطابع الحقوقي ضغوطاً من هذا النوع؟

نرى في الرابطة أن حريتنا في اختيار السبل الأمثل للوصول إلى أهدافنا، من دون أي تأثير سياسي، هي من أسس وجودنا وعلى رأس مبادئنا غير القابلة للمساومة. نعتمد في عملنا على تمويل محايد، ونضع كافة سياساتنا واستراتيجياتنا بوضوح قبل قبول أي تمويل، لتفادي أي شكل من أشكال الضغط.

إضافة إلى ذلك، لا نقبل أي تمويل من الدول الأطراف في النزاع أو التي تؤثر عليه بشكل مباشر. ويذكر أن مشاريعنا واستراتيجياتنا تخضع لرقابة مجلس إدارة المنظمة، الذي يتضمن ممثلات من كافة فروعنا حول العالم (33 فرع)، وهن متطوعات مؤمنات بمبادئ المؤسسة، ويشكلن معاً الجهة الموجهة والرقابية الأعلى في المؤسسة.

يقال إن أنشطة الجمعيات والمنظمات الإنسانية تكون أحياناً غير ذات أولوية، مثلاً في حالتكم، قد يرى البعض أن تأمين المستلزمات الأساسية للحياة ذات أولوية على المصاريف التي تنفق على سفر نساء سوريات إلى البوسنة والهرسك أو تركيا للمشاركة في نقاشات، هل في هذا الرأي شيء من الصواب؟

مصاريف اجتماع في دولة معينة أو القيام ببحث أو دعم مجموعة نسوية، لا تأتي من ميزانيات كانت ستصرف على الدعم الإنساني أو الصحي للسوريين النازحين أو اللاجئين أو المدنيين الذين يتعرضون للانتهاكات، إنما من جهات تعمل على دعم مشاركة فعالة للمرأة في العمل واتخاذ القرار للوصول إلى حقوقهن كاملة.

أما من ناحية الأولوية، ومع تأكيدي على الأهمية الكبرى، والأولوية المطلقة للدعم الصحي والإنساني والإغاثي، فإن ذلك لا يلغي أهمية العمل الضخم الذي تقوم به الجمعيات النسوية الوطنية وضرورة دعمهن. على عكس العمل الإغاثي، أثر العمل الحقوقي والتنموي لا يرى مباشرة وهو بعيد الأمد.

مثلاً الجهود الكبيرة التي تمت منذ عشرينات القرن الماضي لتعديل القوانين الجائرة في حق المرأة لم تظهر إلا بعد عقود، وبسببها رفع الظلم الذي وقع على النساء والرجال معاً، وارتقى الوضع القانوني والاجتماعي للمرأة وللمجتمع ككل. لا يحتاج السوريون فقط إلى الغذاء والسكن، بل يحتاجون إلى أن توجه كل هذه الطاقات والموارد التي تأتي باسمهم، لوقف الانتهاكات التي أودت بهم إلى هذا المصير، والنهوض بوضعهم أفراداً ومجتمعات.

بغض النظر عما يحصل في الدول العربية منذ سنة 2010 حتى الآن، ما هي أهم الانتهاكات أو الوضعيات الحرجة للنساء في هذه الدول؟

معظم الدول العربية تتبنى قوانين مجحفة في حق النساء، سواء في مجال وجودهن القانوني، أو الحريات الفردية، مثل الحق بالحرية في العمل والتنقل، أو المكانة الاجتماعية والسياسية، والحق في الحماية من الامتهان الجسدي والنفسي، أي الحماية من العنف الجسدي والجنسي واللفظي ودعم الناجيات وتأهيلهن، وأخيراً الحق في التنمية والاستقلال المادي.

تزداد هذه الانتهاكات سوءاً وأثراً عند النزاع المسلح بسبب انتشار السلاح، الذي يقع في غالبيته في أيدي الذكور، وبسبب انهيار دور القانون والازدياد المطرد في نسب اللجوء والنزوح، الذي يخلق أدواراً وقيوداً إضافية على النساء. لذلك نرى أن النساء هن في طليعة الداعين إلى وقف التسليح وإلى الحلول السياسية.

لماذا يتم التركيز كثيراً على حالات الانتهاكات الجنسية من بين حالات انتهاك حقوق الإنسان أو حقوق المرأة؟ هل الأمر متعلق باستغلال هذه الحالات سياسياً أم هناك ما يجعل جريمة كالانتهاك الجنسي تستحق التركيز أكثر مثلاً؟

يحصل ذلك لعدة أسباب، أولها أن هذه الانتهاكات ذات أثر جسدي ونفسي واجتماعي كبير على الضحايا، لارتباطها بمفاهيم اجتماعية تؤدي إلى الوصمة، وتمنع الناجين والناجيات من البحث عن المساعدة. وثانيها أنها تستعمل كإحدى أدوات الحرب، لأثرها الكبير في تهجير مجموعات سكانية كبيرة أو في إخضاعها.

وأخيراً لأن الانتهاكات الجنسية من أقل الجرائم التي خضع فاعلوها للمحاسبة، فحتى التسعينات لم يكن الاغتصاب معرفاً ومعاقباً عليه بشكل وافي كجريمة حرب، وحتى اليوم تبقى المواد القانونية المتعلقة بالانتهاكات الجنسية في عدد من القوانين الوطنية، ومنها القانون السوري، قاصرة وغير شاملة ومجحفة في حق الضحايا.

لماذا اخترتِ العمل في منظمة ذات طابع دولي بدلاً من منظمة تختص بالشأن السوري مثلاً؟

أنا محامية مختصة بحقوق الإنسان وهذا عملي الأول خارج مجال التقاضي. اخترته أولاً لإيماني بأهمية مشاريعنا، خصوصاً التي نقوم بها في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، والتي تستغل أقدمية المؤسسة وسمعتها وأثرها لإيصال صوت المجموعات النسوية المحلية إلى الجهات الصانعة للقرار والمنابر الحقوقية والسياسة الدولية.

السبب الثاني هو أن مؤسستنا، على الرغم من تاريخها الطويل، هي مؤسسة صغيرة لا يتجاوز عدد العاملين فيها 20 موظف وموظفة، وعملي كمديرة قسم الاستجابة للنزاعات، أعطاني المساحة لدعم المؤسسات والمجموعات الوطنية السورية، واستخدام دور الرابطة ومكانتها في كل من جنيف ونيويورك لإيصال صوتهن ومطالبهن إلى أعلى المستويات، وهو عمل لم نكن سنتمكن من القيام به في مؤسسات سورية في الوقت الحالي.

أنتِ مقيمة في لندن، ولا بد تتعرضين للانتقاد بسبب عملك من الخارج، هل تعتقدين أن العمل الحقوقي في وجه المجموعات المسؤولة عن الانتهاكات من خارج أراضيها أكثر فائدة؟

العمل الحقوقي كله ذو جدوى، سواء حصل في الداخل أو الخارج أو دول الجوار. أنا مدينة دوماً للأفراد والمؤسسات التي تستمر بالعمل من سوريا ومن دول الجوار لحماية حقوقنا كسوريين تحت أخطر الظروف، ونحن الموجودون في الخارج نعمل كل ما في وسعنا لإيصال صوت هذه المجموعات إلى المنابر الدولية وجهات صنع القرار، ولحشد الدعم الدولي لهم. لا نستطيع أن نعمل من دونهم، ولا يمكنهم تحقيق أكبر أثر من دوننا، لذا علينا أن نعمل معاً في سبيل قضايانا المشتركة وللوصول إلى أكبر أثر ممكن.

التعليقات

المقال التالي