العلاقات في غزة مازالت تبنى على قاعدة "لاجىء" و"مواطن"

العلاقات في غزة مازالت تبنى على قاعدة "لاجىء" و"مواطن"

شعر رمزي بأنه عثر على فتاة أحلامه، حين التقى فاتن زميلته في العمل. تعرّف إليها عن قرب، وسارع إلى والديه طالباً التقدم بشكل رسمي لخطبتها.

فرح والدا الشاب البالغ من العمر 29 عاماً، حين أبدى ابنهما البكر رغبته في الزواج، لكن سؤال أبيه الأول كان: "ما اسم عائلتها؟". وحالما أخبره رمزي بالجواب تغيرت ملامح والده الخمسيني، وانفجر غاضباً في وجهه: "لن تتزوج إلا من مواطنة مثلك. لا تفكّر بالزواج من لاجئة".

67 عاماً مرّت على النكبة التي حلّت بالشعب الفلسطيني، وأدت إلى تشريد نحو مليون من سكان فلسطين. وعلى الرغم من مرور كل تلك السنوات، لا تزال الكثير من العلاقات في قطاع غزة تحديداً، تُبنى على قاعدة "لاجئ" أو "مواطن".

رمزي ليس وحيداً، كثير من الشبان والفتيات حرموا من الزواج بمن يحبون، نتيجة تلك العقلية. إلا أن البعض تمكن من كسر القاعدة، وتمرّد على ما يعتبر أنه "جهل وعنصرية". وعلى الرغم من تراجع تمسك أهالي غزة بقاعدة "من أي بلد أنت؟"، إلا أنها ما تزال موجودة، وتسري أحياناً على جوانب اجتماعية أخرى غير الزواج، كالعمل والصداقة.

يعتقد الباحث الاجتماعي أسامة عطية أن ثمة أسباباً بعينها أدت إلى هذه التفرقة بين مواطني ولاجئي قطاع غزة. مؤكداً أن "الاحتلال الإسرائيلي لعب كثيراً على هذا الوتر في سنوات حكمه لغزة". 

يقول عطية لـرصيف22 إن "القصة بدأت حين توافد إلى قطاع غزة عشرات الآلاف من اللاجئين الذين فروا من العصابات الإسرائيلية، التي لاحقتهم داخل مدنهم وقراهم عام 1948. وجد اللاجئون بعض الدعم المادي والإغاثي من مؤسسات دولية، وهو ما لم ينله المواطن، لتنشأ من البداية علاقة غير طبيعية بين الطرفين".

العلاقات في غزة مازالت تبنى على قاعدة لاجىء ومواطن - صورة 1

ويضيف: "نسبة لا بأس بها من المواطنين، الذين كانوا يقطنون في غزة، رأت أن وجود اللاجئين بينهم من شأنه أن يؤثر على أرزاقهم، لا سيما أنهم يتفرّدون بالحصول على الدعم، وقد يشاركونهم في أراضيهم وتجارتهم وأملاكهم بفعل ما يحظون به من مساعدات".

"بعض الغزيين كانوا أكثر تطرفاً"، بحسب عطية، و"اعتبروا أن هؤلاء اللاجئين تخلوا عن أرضهم وتركوها للإسرائيليين، وفرّوا تاركين كل شيء وراءهم، وبذلك هم لا يستحقون أن يكونوا على القدر نفسه من المكانة مع سكان غزة الأصليين، ولا يمكن أن يكونوا سوى سكان درجة ثانية". ولا يمكن مصاهرتهم وتوسيع العلاقات معهم"، وفقاً لما يقول الباحث الفلسطيني.

في المقابل، يشير عطية إلى أن "أفكاراً سلبية طغت على نظرة الكثير من اللاجئين لنظرائهم المواطنين، كاعتقادهم بأن الغرور يتملكهم. ويتعاملون معهم كأُجراء وعمّال فقط، وأنهم لم يضحوا مثلهم، ولم يقاوموا المحتل كما فعلوا هم قبل تهجيرهم، وبالتالي لم يستسيغوا فكرة مصاهرتهم، إلا في أضيق الحدود".

تحولات العلاقة بين المواطن واللاجىء

يقول عطية إن "نقطة التحوّل في العلاقة بين مواطني ولاجئي قطاع غزة كانت عام 1967، حين احتلت إسرائيل بقية الأراضي الفلسطينية وسيطرت على قطاع غزة، لتتراجع نسبياً القطيعة بين المكوّنين، ويحدث بعض التقارب، الذي زاد بحكم مرور السنوات، لكن بقاياه لا تزال إلى الآن".

وفي استطلاع آراء عدد من الفلسطينيين، بدا جلياً أن غالبية الشباب في غزة يرفضون التعاطي وفق مبدأ أصل الطرف الآخر، لاجئاً كان أم مواطناً. لكن نسبة لا بأس بها ما زالت متأثرة بها، مثل محمد الذي يرفض الارتباط بلاجئة بحكم أنه مواطن.

العلاقات في غزة مازالت تبنى على قاعدة لاجىء ومواطن - صورة 2

يقول محمد، الذي يقطن في مدينة خانيونس جنوب قطاع غزة، إن "رفضه الزواج بلاجئة ليس عنصرية بل هو اقتناع بأن الأنسب لكل شخص أن يرتبط بشريك من مستواه الاجتماعي، منعاً لحدوث خلافات في المستقبل، وإرضاءً للأهل". لكنه أشار إلى أن لديه "أصدقاء وزملاء من اللاجئين، إلا أن الزواج له خصوصية أخرى".

على الطرف الآخر، يرفض سامي، وهو من عائلة مهاجرة إلى غزة، الاقتران بمواطنة، مرجعاً ذلك إلى أن "طبيعة التكوين الأسري تختلف بين الفئتين". ويقول: "حين أرفض الزواج بمواطنة لا يعني ذلك أنني عنصري، لكن ببساطة أريد أن أتجنب مشاكل مستقبلية ستهدد حياتي الأسرية".

وتبدي تغريد، وهي من أسرة لاجئة، رفضها التام للتصنيف على أساس الأصل العائلي، وتقول إن "معظم المتعلمين من الجانبين ليسوا مقتنعين بتلك الأفكار، وقد يكون السبب الوحيد الذي يدفع بعض الشبان للقبول بهذا الواقع هو الخشية من إغضاب الوالدين والإخوة الكبار".

وعلى النقيض تماماً من قصة رمزي، فإن حالات كثيرة لزواج ناجح يمكن رصدها بسهولة، مثل تامر، المواطن الذي تزوج بلاجئة قبل أكثر من 10 سنوات. إذ يؤكد أنه "يعيش حياة طبيعية، ولم يشعر يوماً بأن ثمة اختلافاً بينه وبين زوجته". مشدداً على أن "من يريد أن يعيش حياة طبيعية، عليه أن لا ينصاع لرغبات الآخرين، حتى لو كانوا والديه".

أما عدنان، اللاجئ الذي تزوّج مواطنة، ولا يعاني من أي مشاكل أسرية، فيعترف بوجود بعض الاختلافات البسيطة مع عائلة زوجته. ويؤكد أن "قطاعاً لا بأس به في غزة، من المواطنين واللاجئين، لا يزال مقتنعاً بوجوب عدم الاندماج التام مع الطرف الآخر"، لكنه يرى أن "اشتراك الجميع في المعاناة من الحصار والظروف القاسية، يقلل من الفجوة بشكل تدريجي".

إبراهيم عمر

صحافي فلسطيني يكتب في مجال السياسة والرياضة والقضايا الاجتماعية، مساهم في عدد من الصحف والمواقع العربية.

التعليقات

المقال التالي