بائعات الخمور في الخرطوم: بين سوق منتعش وشرطة طامعة

بائعات الخمور في الخرطوم: بين سوق منتعش وشرطة طامعة

يعدّ بيع الخمور البلدية في الخرطوم من أكثر الأعمال مشقة، إذ تحفّ به الكثير من الأخطار والمتاعب، خصوصاً بالنسبة إلى المرأة العاملة في هذا المجال، لأن القانون يجرّم بيع واستهلاك الخمور بشتى أنواعها.

إلا أن هذه التجارة منتعشة، ودخلها مرتفع لا يوازي الدخل اليومي في القطاع الرسمي، أو المعاناة في بيع الشاي والأطعمة في الشوارع. ولكن معظم بائعات الخمور مغبونات، نتيجة الغرامات التي تفرض عليهن، في حالة القبض عليهن.

في استطلاع لمنظمة الصحة العالمية أواخر عام 2014، تقدم السودان في ترتيب الدول المستهلكة للكحول، إذ أتى بعد تونس والإمارات العربية المتحدة، بمعدل استهلاك يصل إلى 24.10  لتراً. وهذا معدل يفوق معدل الاستهلاك لدى بعض الدول العربية التي لا تجرّم بيع واستهلاك الكحول مثل مصر ولبنان.

أقوال جاهزة

شارك غردبيع الكحول في الخرطوم: دخل مرتفع لكن الشرطة هي التي تستفيد منه

شارك غردعن عاملات مهنة المتاعب في السودان: بيع الخمور

لدى صدور نتائج الاستطلاع، كانت مدينة الخرطوم تحتفل بعيدي الميلاد ورأس السنة الميلادية، وهذه الفترة "لبش" بحسب وصف الشباب السوداني، إذ تكون شرطة النظام العام في حالة ترقب. علماً أن هذه الشرطة، التي تسمى شرطة أمن المجتمع من الظواهر التي ابتكرها نظام الحكم الإسلامي في السودان، الذي جاء إلى السلطة بانقلاب عسكري عام 1989. حتى عام 1983، كانت الخرطوم تغصّ بالبارات، ولم تكن تجارة الكحول محظورة إلا بعد ما سمّي قوانين سبتمبر 1983. 

تعيش عائشة في محلة أبو ريال بأطراف مدينة أمدرمان في ولاية الخرطوم، وهي إحدى بائعات الخمور البلدية، التي تعرف بالعرقي بالعامية السودانية، وتُصنع من البلح والذرة.

عن عملها في هذه المهنة، تقول: "إذا لم تكن الظروف قاسية، كان في إمكاننا العمل في أي شيء غير هذا العمل المذل، الذي يعرضنا لكثير من المشاكل. لكننا مجبرات عليه، قبل فترة وجيزة، تمت مداهمة منزلنا، واستولت الشرطة على كل ما نملك".

عائشة تصنع الكحول مع زوجة أخيها مريم، التي تقول إن "أفراد الشرطة يأخذون معدات ليس لها علاقة بصناعة الكحول، مثل التلفاز والهواتف النقالة". وتضيف: "قبل فترة، حضر عنصر من الشرطة وطلب 500 جنيه نحو 87 دولاراً، كي لا يقوم بالقبض علينا ومصادرة الأواني، أعطيناه المبلغ، لكنه عاد بعد يومين طالباً مبلغاً أكبر".

يجرّم القانون الجنائي السوداني، وقانون النظام العام لولاية الخرطوم، استهلاك وصناعة الكحول وفق المواد 78 و79، ويُجلد أي شخص يتم القبض عليه وهو في حالة سكر 40 جلدة. وفي غالبية الأحيان، يتم دفع غرامة أو حتى الحكم بالسجن، لكن في حال القبض على بائعة كحول، تتضمن العقوبة السجن وغرامة تراوح بين 1000 جنيه سوداني (174 دولاراً) و3000 (520 دولاراً) جنيه سوداني. ولا يتم إطلاق سراحها إلا بعد الدفع، ويمثل هذا عائقاً كبيراً أمام الكثير من الأسر، إذ تكون السجينة هي التي تعيل أفراد الأسرة.

في معظم الأحيان، تتكون هذه الفئة من الشرائح الضعيفة في المجتمع: النازحات من الحروب التي تلتهم معظم أنحاء السودان، الفقيرات التي لم تتح لهن فرص تعليمية، أو النساء اللواتي اخترن القطاع غير الرسمي للعمل بسبب عدم وجود فرص في القطاع الرسمي نتيجة التدهور التام للاقتصاد السوداني. 

بعض بائعات الخمور مثل حليمة، يعملن في وظائف ثابتة في مؤسسات حكومية أو خاصة، لكن دخلهن ضعيف. تقول حليمة: "أشتغل عاملة نظافة في إحدى المؤسسات، لكن راتبي لا يتعدى 300 جنيه أينحو 52 دولاراً أميركياً، أدفعه بدلاً للإيجار والطعام وتلبية بعض حاجات أطفالي الكثيرة".

نساء أخريات عملن في بيع الشاي في الشوارع أو الأسواق، لكن شرطة النظام العام ومحلية ولاية الخرطوم لا تتركهن في حالهن.

المحامي والخبير القانوني عثمان مبارك قال إن "وجود النساء في الشارع لبيع الشاي أو الأطعمة لا يريح السلطات، التي لا تكف عن مطاردتهن من خلال أوامر محلية، والعقوبات، أو "الكشات" التي يتم من خلالها مصادرة الأموال ومعدات العمل، وهذا ما يحث هذه الفئة على امتهان بيع الخمور بسبب الدخل العالي الذي يؤمنه لهن".

ويقول الخبير في علم الاجتماع عبد الوهاب يوسف، الباحث في شؤون العاملات في القطاع غير الرسمي، إن "قضية بائعات الخمور يجب رؤيتها في إطار سياسي قائم على إيدولوجية النظام الذي يرى المواطنين ناقصي إيمان ويحاول أن يصيغهم على أساس فكر السلطة كي يكونوا مسلمين مؤهلين للاندراج ضمن مفهوم السلطة للدين".

ويضيف:،"يجب علينا أيضاً رؤيته من خلال الفساد المالي والإداري لمؤسسة الشرطة، هذا الفساد يمكن معرفته من قصص النساء اللواتي يتحدثن عن سرقة أفراد الشرطة لأموالهن من خلال الرشى، التي لا تعتقهن من الاعتقال، أو من خلال الغرامات التي أصبحت تمثل دخلاً للدولة". 

وقد حُكم على بائعة كحول في منطقة الحاج يوسف في الخرطوم، بالسجن 3 شهور وغرامة 20 ألف جنيه سوداني، منذ فترة وجيزة.

وبرغم كل شيء تستمر عائشة ومريم في محاولة العمل في مجالات أخرى كبيع الملابس، لكن دخلهما ضعيف. وخطر "الكشات" من الشارع يطاردهما دائماً، وهذا كله في سبيل الحفاظ على النفس وإرضاءً للمجتمع الذي نفر منهما بسبب بيعهما الخمور.

"في بعض الأحيان، يبلغ الجيران عني، ومرات الجارات الصديقات. أقرباؤنا لا يزوروننا خوفاً من مداهمات الشرطة للمنزل. نشعر بالعزلة، وقد تلاشت علاقاتنا الاجتماعية"، تختم مريم بحسرة.

التعليقات

المقال التالي