القضاة المغاربة يتساهلون مع الزواج المبكر خلافاً للقانون

القضاة المغاربة يتساهلون مع الزواج المبكر خلافاً للقانون

شهد المغرب سنة 2004 نقلة نوعية في مجال التشريع الخاص بالأحوال الشخصية والأسرة، بإصدار مدونة الأسزة التي استجابت لمطالب الحقوقيين بضمان المساواة بين الرجل والمرأة. وتميّزت بتوحيد أهلية الزواج بالنسبة إلى الذكر والأنثى عن عمر 18 عاماً. إلا أن واقع الحال يؤكد عدم الالتزام بها.

وفقاً للحصيلة التي أنجزتها وزارة العدل المغربية عام 2014، وشملت تشخيصاً لمدى تطبيق مدونة الأسرة بعد مرور عقد على إصدارها، أكدّت أنّ "هذا النوع من الزواج وعلى غرار زواج الراشدين عرف نوعاً من الارتفاع من سنة إلى أخرى، فانتقل من 18341 زواجاً خلال سنة 2004، إلى 35152 زواجاً عام 2013".

وقد يظنّ البعض أن القرى تشكل ساحة أساسية لزواج القاصرات، إلا أن الأرقام لم تؤكد ذلك. فعام 2012، بلغ عدد الطلبات الخاصة بسكان القرى نسبة 51.20%، وعدد طلبات الزواج في المدينة نسبة 48.80%.

تحركات المجتمع المدني

تعتبر جمعية "أمان" زواج القاصرات "نوعاً من أنواع العنف الجنسي". وكشفت في دراسة أجرتها عام 2014 ارتفاعاً ملموساً للظاهرة، بنسبة 91.6% منذ عام 2004. وأفادت الدراسة أن "عدداً كبيراً من هذا النوع من الزواج، يتم عن طريق قراءة الفاتحة فقط، بعيداً عن أي توثيق قانوني".

زواج القاصرات في المغرب - القضاة المغاربة يتساهلون مع الزواج المبكر - بانر زواج القاصرات في العالم العربي

وأكدت جمعية "إنصاف" في دراسة لها، أن "غالبية الزواج المبكر للفتيات يتم بشكل إجباري". وقدمت شهادات لبعض المتزوجات، يؤكدن أن الوالدين هما من يرغمانهن على الزواج في سن مبكرة.

فقد أفادت زينب، البالغة 31 سنة، وهي أم لثلاثة أولاد، أن "والدها أرغمها على الزواج وهي في سن 17 عاماً"، وأوضحت أنها "دخلت العش الزوجي وهي لا تعي معنى الزواج". وقالت إنها "لم تعرف كيفية التعامل مع حملها الأول"، مشيرةً إلى أن "تزويج الفتاة قبل سن الرشد جريمة في ذاته".

وانتقدت مباركة، البالغة من العمر 37 عاماً وهي أم لطفلين، فكرة الزواج المبكر. وقالت إنها "عانت كثيراً في زواجها من رجل يكبرها بـ25 سنة". وأضافت أنها "تزوجت وهي فتاة لم تكمل بعد ربيعها السادس عشر، ووالدها خيّرها بين الزواج من الشخص الذي تقدم إليها، أو طردها من المنزل".

وأظهرت الشهادات أن الزواج المبكر ينتهي غالباً بالطلاق، على غرار ما حدث مع حسنية (26 عاماً)، التي أكدت أنّ "والدها أرغمها على الزواج في سن 16 عاماً، لكن مع توالي السنوات ظهرت مجموعة من المشاكل في العلاقة، فتم الطلاق"، وهي تعمل الآن مدربة رياضة لإعالة أطفالها.

تساهل قانوني

وأثبتت الأرقام أيضاً عدم التزام القضاء بمدونة الأسرة، فقد تم عام 2013 قبول ملفات طلبات الزواج من دون السن القانونية بنسبة 85.5%، في المقابل بلغت نسبة الطلبات المرفوضة نحو 14.5%.

يعزى هذا التساهل، بحسب رجال القانون، إلى غياب التوحد بين محاكم المملكة المغربية حول السن القانونية للزواج. ويقول منير الشواف، وهو محامٍ في هيئة الدارالبيضاء، لـرصيف22 إن "قضاة المحاكم يستعينون بفقه الاجتهاد لإيجاد الحلول لإشكالية الزواج المبكر". ويضيف: "صحيح أنّ القانون يُحدّد سن الـ18 عاماً، إلا أن هناك استثناءات تدفع بالقضاء إلى قبول طلبات لا تحترم الشروط القانونية. وذلك باعتماد حل الاجتهاد، من خلال معايير النضج والعقلية والبنية الجسمانية وكذلك المحدد الثقافي والاجتماعي". وأوضح: "تأكد من صعوبة الاعتماد على محدد السن كمعيار رئيسي للسماح للفتاة بالزواج".

وبناء على معطيات بعض المحاكم المغربية، هنالك اختلاف بين مناطق المغرب حول السن المحددة للزواج. فيحدد القاضي في مناطق جنوبية وريفية وبدوية سن الزواج بـ16 سنة، في حين يقبل القاضي في  الدار البيضاء الزواج في سن الـ17. ويلجأ كثيرون إلى الحيل لاتمام الزواج. مثلاً إذا كانت الفتاة تبلغ 16 عاماً وتقطن في الدار البيضاء، يقصد أهلها أقرب قرية للحصول على شهادة الإقامة، ليتسنى لها الحصول على موافقة القضاء والاعتراف بالزواج.

رأي الدين

أثارت الفتوى التي أعلنها الشيخ محمد عبد الرحمن المغراوي في السنوات الأخيرة، ومفادها الترخيص لفتاة في سن التاسعة بالزواج، ردود أفعال كثيرة داخل المغرب وخارجه. واستند الفقيه المغربي، الذي يترأس جمعية للدعوة والقرأن الكريم في مدينة مراكش، بحسب ما صرّح لوسائل الإعلام، إلى "زواج الرسول محمد (ص) بأمنا عائشة وهي في سن التاسعة". مبرزاً أن "بنتاً في التاسعة، قد تملك القدرة على معاشرة الزوج أكثر من قدرة بنت العشرين". غير أن هذه الفتوى لاقت اعتراضاً من حقوقيين وسياسيين حتى من رجال الدين، إذ ندد المجلس العلمي الأعلى المغربي بالفتوى، وقال إنها "من فهمه الخاص. على اعتبار أن المجلس هو مؤسسة رسمية والوحيدة في المغرب المرخص لها بالإفتاء".

سعيد ياسين

صحافي يشغل مهمة رئيس تحرير في قناة الرياضية المغربية. كاتب عام للرابطة المغربية للصحافيين الرياضيين، وعضو في المركز المغربي للدراسات والابحاث الرياضية، والمنتدى الثقافي والرياضي العربي (تماس).

التعليقات

المقال التالي