قصة "حبيسات المنازل"، الفتيات الأردنيات اللواتي يحرمن من التعليم

قصة "حبيسات المنازل"، الفتيات الأردنيات اللواتي يحرمن من التعليم

عام 2008، نجح الأردن من ردم الفجوة بين الجنسين في التعليم الأساسي ووصلت نسبة التحاق الأطفال بالمدراس إلى 97%. رغم تلك الانجازات، هنالك آلاف من الطفلات يعانين من أزمة اجتماعية وتعليمية، وقد أطلق عليهنّ مجازاً لقب "حبيسات" أو "جليسات المنازل".

بحسب دراسة متخصصة صادرة عن مركز الدراسات والبحوث التابع لمؤسسة الملك حسين ومنظمة انقاذ الطفل، تُعرّف "جليسات المنازل" على أنهنّ "فتيات تحت سن الثامنة عشرة، لم يلتحقن يوماً بمدرسة أو انسحبن بأنفسهن أو تمّ سحبهن من المدرسة من قبل الوالدين لأسباب اقتصادية أو اجتماعية، ويعشن في عزلة في المنزل، ينتج عنها عرقلة نموهن العقلي والفكري والنفسي"، وتُحرم "جليسات المنازل" من حقهنّ الدستوري في التعليم والاندماج الاجتماعي والنمو النفسي بسبب عزلتهن في المنزل.

تُشكّل فايزة وأخواتها الثلاث نموذجاً لجلسيات المنازل. تقول لرصيف22 "في عائلتنا، ننظر للفتاة المتعلّمة على أنها تجلب العار. طوال حياتي، كنت أسمع العبارة نفسها: مكان البنت بيت أبوها وبعدين بيت زوجها لشو التعليم والمدارس". وتتابع "لم يفكّر أهلي يوماً ماذا لو لم يأتِ  هذا الزوج. أبلغ الآن 29 عاماً ولم أتزوج بعد. وتكرّر ذلك مع شقيقتي التي تبلغ من العمر 25 عاماً".

في البيئة الاجتماعية التي تعيش فيها فايزة، غالباً ما يتمّ تزويج الفتيات في أعمار تراوح بين 15 و20 عاماً. إلا أنّ إصابة فايزة بسرطان الدم جعل من فرصها بالزواج معدومة. وقبل نحو عام ونصف العام، تعرّض والد ووالدة فايزة وشقيقاها لحادث سير أودى بحياتهم جميعاً، لتجد تلك الفتاة الأميّة نفسها المسؤولة والمعيلة لعائلة مكوّنة من خمس فتيات. تقول "حالياً، أعيش بفضل المساعدات المقدّمة من الجمعيات الخيرية وبعض فاعلي الخير. طوال سنوات، لم أكن أخرج من المنزل واليوم أجد نفسي وشقيقتي مضطرتين للخروج والتعامل مع المجتمع بهدف جمع الصدقات كي نعيش".

لفايزة أختان غير شقيقتين، إحداهما في السابعة والثانية في الثامنة،وهي المسؤولة عن إعالتهما. تقول " قررت تعليمهما. لا أعرف إلى متى سأنجح في إبقائهما في المدرسة، لكن هذا أفضل لهما. لا أريد أن أكرّر المعاناة، أريد لهما أن تتعلّما القراءة والكتابة على الأقل".

تشير أرقام وزارة التربية والتعليم الأردنية إلى أن نسبة التحاق الأطفال بالمدارس للمرحلة الأساسية تبلغ 97%، لكن الأرقام الرسمية الصادرة عن دائرة الاحصاءات العامة في تقرير العمالة والبطالة لعام 2008، تفيد بأن نسبة "تسرّب" الطلبة من المدرسة في المرحلة الثانوية تبلغ 16.7%.

تقول نهاية دبدوب مستشارة منظمة العمل الدولية لشؤون الأطفال العاملين، والمديرة السابقة لمركز الدعم الاجتماعي: "يتسرب الأطفال الذكور من المدارس بهدف الالتحاق بسوق العمل وغالباً ما يعزى السبب إلى عوامل اقتصادية بحتة تتعلّق بالفقر وعدم قدرة رب الأسرة على إعالة أبنائه". وتتابع "لكن الأمر يختلف بشكل تام لدى الإناث. فلا تتعدّى نسبة الطفلات العاملات 4% من إجمالي عمالة الأطفال، وهذا يعني أنّ العدد الأكبر من الفتيات يتركن المدرسة، إما للزواج المبكر أو ليبقين حبيسات في منزل أسرتهنّ".

وقد تمكّنت دبدوب من التعامل عن قرب مع مجموعة من هؤلاء الفتيات وأسرهن. تقول "ظاهرة جليسات المنازل مسألة ثقافية واجتماعية. يتمّ حرمان الفتيات من التعليم بسبب بعض العادات الاجتماعية السائدة". وتوضح "هذه المشكلة منتشرة بين فئات اجتماعية معيّنة وعائلات محددة. تؤمن تلك الفئات بأنّ لا حاجة لتعليم الفتيات كون مستقبلهنّ هو الزواج وانجاب الأطفال. وعليه، فإنّ الأجدى الاستثمار في تعليم الذكور بدلاً من الإناث".

تضيف دبدوب "يرتبط سحب الفتيات من التعليم في كثير من الأحيان أيضاً بعوامل اقتصادية أو بمخاوف تتولّد لدى الأسر من اختلاط بناتهنّ بالمجتمع الخارجي وإمكان تعرضهنّ لاعتداءات من غرباء في الطريق إلى المدرسة. وغالباً ما تمتاز الأسر التي تحرم بناتها من التعليم بتعدّد الزوجات وكثرة عدد الأبناء".

مبادرات للحد من المشكلة

مع تأسيس مركز الدعم الاجتماعي عام 2008، باشر المركز تنفيذ مشروع في منطقة ماركا شمال العاصمة عمان، لإعادة دمج الطفلات في التعليم والمجتمع. تقول دبدوب "لم يكن العمل مع الأسر سهلاً وأبدت غالبيتها رفضاً شديداً لإعادة إدماج بناتهنّ في التعليم، كما أنّ غالبية الفتيات مضى على انقطاعهنّ عن الدراسة أكثر من ثلاثة أعوام، ما يعني انعدام فرصهنّ في التعليم النظامي". وتضيف "تمكّنا من اقناع عدد من الأسر بدمج بناتهن في برامج التعليم غير النظامي. ثم وفّرنا منحاً للفتيات في مؤسسة التدريب المهني. إلا أنّ المشروع تمّ على نطاق ضيق في حين أنّ مكافحة هذه المشكلة تتطلّب سياسة حكومية واضحة تتبناها وزارة التربية والتعليم".

بعد مرور خمسة أعوام على مشروع مركز الدعم الاجتماعي، أطلق مركز المعلومات والبحوث، عام 2013 دراسته حول "الفتيات جليسات المنازل في الاردن" المذكورة أعلاه، والتي استندت إلى مقابلات مع 46 فتاة جليسة منزل و40 والدة في أربع مناطق: ماركا، المفرق، معان، الزرقاء.

قصة حبيسات المنازل الأردنيات اللواتي يحرمن من التعليم

تقول مديرة الاتصال في مركز المعلومات والبحوث سوسن سمارة "جاءت نتائج الدراسة خلافاً لما كنّا نتوقعه سابقاً. عند بداية المشروع، كان الانطباع أن الفتيات يتركن المدرسة ليقُمن بالأعمال المنزلية. إلا أنّ الدراسة كشفت أن غالبيتهنّ لا يتولين مهمات منزلية، وهن يعانين من ساعات فراغ طويلة".

وتوضح سمارة "بالإضافة إلى حرمانهن من التعليم، تعاني الفتيات أيضاً من محدودية في الحركة، إذ لا يستطعن مغادرة المنزل إلا برفقة شخص آخر من العائلة. بعضهنّ لا يغادرن المنزل إلا في المناسبات أو الأعياد، في حين أن الغالبية تخرج من المنزل مرة واحدة كل أسبوع أو أسبوعين. تمضي الفتيات وقتهنّ في مشاهدة المسلسلات التلفزيونية".

وقد أظهرت نتائج الدراسة أنّ انقطاع نصف الفتيات عن الدراسة فرضته أسرهنّ فيما النصف الآخر اتخذن هن القرار لكن بتشجيع من الأسرة التي لم تحبذ أن تستمر بناتهنّ في المسار الأكاديمي. تقول سمارة "رغم أن التعليم الأساسي في الأردن إلزامي، فليس هنالك أي آلية لضمان تنفيذه وإجبار الأسر على إلحاق أبنائهم بالمدارس".

الجهود الرسمية

توفّر الحكومة الأردنية فرص إعادة إدماج الأطفال المتسرّبين من المدارس بالتعليم عن طريق برنامج "تعزيز الثقافة لدى المتسربين". يقر رئيس قسم التعليم غير النظامي في الوزارة عبدالله الناصر، بأن في الأردن 51 مركزاً لثقافة المتسربين يبلغ عدد الملتحقين بها 9680 طفلاً.

يبقى الانخراط في هذه المراكز خيار الأطفال وأسرهم، وتالياً لا يضمن وجودها فرصة لدمج كل الأطفال. ترى دبدوب أنّ "المطلوب ليس توفير مراكز فحسب، بل انشاء فريق وطني يتعامل مباشرة مع تلك الأسر لاقناعها بضرورة إعادة بناتها إلى مقاعد الدراسة. ولا بد لهذا الفريق أن يعمل على الأصعدة الثقافية والاجتماعية والتوعية".

يذكر أن دراسة "جليسات المنازل" سبق أن اقترحت ربط الدعم المقدم للأسر من ذوي الدخل المتدني بالالتزام بذهاب أبنائهم وبناتهم إلى المدرسة، وتفعيل التشريع الذي يخص انسحاب الأطفال من المدراس وهم دون سن السادسة عشرة، وإجراء تدخلات على مستوى المدرسة للوقوف على أسباب انقطاع الفتيات عن الدراسة وتشجيع الأسر على التراجع عن قرارها، وتطوير نظام متابعة هؤلاء الأطفال.

نشر هذا الموضوع على الموقع 05.05.2015

نادين نمري

صحفية أردنية متخصصة في صحافة حقوق الإنسان، لديها اهتمام خاص بقضايا الحريات الدينية والأقليات في الشرق الاوسط، والجندر وحقوق الطفل والأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة، مناهضة لعقوبة الاعدام. حائزة على جائزة صحافة حقوق الانسان للعام 2015 المقدمة من منظمة صحفيون لحقوق الإنسان ومعهد الإعلام الاردني. تعمل في مجال الصحافة المكتوبة منذ 12 عاما.

التعليقات

المقال التالي