أبناء طائفة البهرة يقتلعون آلاف أشجار القات في اليمن

أبناء طائفة البهرة يقتلعون آلاف أشجار القات في اليمن

منذ ستة عقود وطائفة البهرة تسعى إلى اقتلاع آخر شجرة قات في مناطق انتشارها ومن ثم في اليمن كله. أبناء الطائفة يقدَّرون ببضعة آلاف منهم مَن يفعل ذلك عن اقتناع ووعي، ومنهم مَن ينفّذ أوامر سلطان البهرة فحسب خشية من نبذه.

عام 2008، تم اقتلاع ثلاثمئة ألف شجرة قات وعام 2010 أضيفت إليها مئتا ألف وذلك ضمن مشروع تبناه سلطان البهرة الراحل الدكتور محمد برهان الدين لمساعدة المزارعين في منطقة شرق حراز، شمال اليمن.

مشروع اقتلاع أشجار القات

وقال لرصيف22 الشيخ حاتم الظهرة، أحد الرموز الدينية لطائفة البهرة، إن "فكرة اقتلاع شجرة القات بدأت عام 1961 عندما زار الدكتور محمد برهان الدين اليمن للمرة الأولى. وكان يطرحها كلما زار اليمن آتياً من الهند، وقد زارها 12 مرّة خلال 25 سنة".

وأضاف: "استبدلنا شجرة القات بأشجار البن والفاكهة وتحوّل قسم من مزارعي القات إلى تربية النحل والمواشي". وتابع: "لا تزال عملية اقتلاع أشجار القات سارية ولم يتبقَّ في منطقة شرق حراز حيث يقيم البهرة سوى نحو واحد وستين ألف شجرة. كما يتم شراء البن من المزارعين وتسويقه في السوق العالمية حتى يتشجعوا. واللافت أن إنتاج البن تضاعف هذا العام 8 مرّات ونسبة الطلب عليه ارتفعت والفضل يعود إلى عظمة السلطان الراحل وتشجيع نجله مفضل سيف الدين، سلطان البهرة حالياً".

أبناء طائفة البهرة يقتلعون آلاف أشجار القات في اليمن

وقال عبد الله نزار، أحد أبناء طائفة البهرة، لرصيف22: "لا الحكومة ولا غيرها أمرتنا باقتلاع شجرة القات بل الوازع الديني هو ما حثّنا على ذلك". وأضاف: "هذه الشجرة لم تسبب لنا ولليمن سوى الدمار والخراب كما استنفدت المياه الجوفية وسببت مشاكل اجتماعية وزوجية".

وتابع: "اقتلعنا كل أشجار القات في منطقتنا وعددها أكثر من نصف مليون واستبدلناها بأشجار البن والتفاح واللوز وبالفراولة. ونحن نستجيب لكل الأوامر التي يصدرها سلطاننا من الهند".

في رأي نزار، "لم يأمرنا السلطان باقتلاع أشجار القات فقط لأن تأثيرها شبيه بتأثير الخمرة، بل لحثنا على التكافل الاجتماعي المنبثق من تعاليم ديننا الإسلامي إذ لا يوجد في طائفتنا فقير على الإطلاق. جميعنا أسرة واحدة ونقوم بتوزيع وجبات الغداء على حساب السلطان يومياً ليس على أبناء طائفتنا فحسب هنا في منطقة حراز، ولكن حتى في العاصمة صنعاء، وهي عادة توارثناها أباً عن جد، وهناك طباخون مخصصون في منطقة حراز لهذا الغرض".

وقال طاهر البريقة، أحد المشاركين في اقتلاع أشجار القات: "على مدار ستة أشهر وأنا وجيراني نقوم باقتلاع شجرة القات. واجهنا في البداية صعوبة إلى حد ما خصوصاً أن الكثيرين ورثوا أشجار القات عن آبائهم، إلى درجة أن البعض كان يدعو علينا بالهلاك. لكن القناعة الدينية كانت موجودة لديهم ولو أن الأمر باقتلاع القات جاءهم من الحكومة لما استجابوا له ولوقع اقتتال".

وأضاف: "الآن أغلب مناطقنا مزروعة بالبن. شجرة البن الواحدة لا تحتاج أكثر من 20 لتراً من الماء لريّها، فيما شجرة القات تحتاج إلى أربعمئة لتر. زد أن الكثير من الجرائم حصلت بسبب القات، فهي أولاً بحاجة إلى اهتمام بالغ وحراسة مشددة، وكثير من الناس قتلوا برصاص حراس القات أثناء محاولتهم السرقة. كما أن البعض مات مسموماً بعد مضغه أوراق أشجار مرشوشة بمبيدات للحشرات".

وأوضح المواطن محمد أحمد لرصيف22 أنه اقتلع شجرة القات عن قناعة تامة بعدما أمر السلطان بذلك وقال: "امتنعت عن مضغ القات رغم أنّي كنت أمضغه بشراهة من قبل، وكان لدي العديد من الحقول التي تمتلئ بأشجاره لكن الآن والحمد لله غرست شجرة البن وهي شجرة مجدية مالياً وقد كانت اليمن مشهورة قديماً بشجرة البن، وإن شاء الله سنعيد لهذه الشجرة سابق مجدها".

زراعة شجرة البن قناعة دينية

الصحافي المختص بالطوائف الدينية في اليمن جلال الصلول قال لرصيف22: "عندما تمر في حي يقطنه إسماعيليون بهرة يلفت نظرك لباسهم الأبيض وهو الزي الموحد للمنتمين إلى هذه الطائفة، بالإضافه إلى رقي تعاملهم. وتجدهم يعيشون في مجتمع زاخر بالانسجام والسكينة ويسعون دائماً إلى تحقيق نهوض مجتمعي وحضاري يواكب العصر ويحافظ على الموروث الفكري. كذلك، لا اهتمام للإسماعيليين بعالم السياسة إطلاقاً، فهم يفضلون العيش بعيداً عن أي تحزّب أو انتماء سياسي".

وتابع: "يتعرض الإسماعيليون البهرة في اليمن لحملات تشهير ومضايقات قادت بدورها إلى ممارسات عدائية من قبل البعض وتلفّق بحقهم تهم أبعد ما تكون عن المنطق. وعندما تزور أماكن سكنهم تلحظ التنمية على مختلف الأصعدة الاقتصادية والفكرية والعلمية والدينية".

يسود اعتقاد بين أفراد طائفة البهرة أن لشجرة القات تأثيراً سلبياً على الروح ما يعكر صفاءها ويجلب للانسان المتاعب المختلفة. مختار المزنعي، الباحث في الدراسات الإسلامية، قال: "لفظ البهرة مشترك بين فرقتين من فرق الاسماعيلية التي تسكن في اليمن والهند وهما الفرقة الداودية والفرقة السليمانية. ويُقصد بالبهرة البراهمة وهو لفظ هندي معناه الحكماء، ومع مرور الزمن حدث تصحيف للكلمة وتم تداول لفظ البهرة".

وعن أبرز معتقداتهم قال: "اللافت أن التوحيد لدى البهرة ملخصه أن الله عز وجل بنى هذا الكون نظاماً متقناً وأجرى أموره بمقتضى الحكمة المطلقة. فمَن خالف الفطرة السليمة أشرك به".

وفي ما يتعلق باستبدال شجرة القات بشجرة البن، قال: "تحريم تناول شجرة القات وبعض المأكولات يحمل بعداً روحياً. يعتقدون بأنه يعوق رقي الروح وخلاصها من الدنيوية".

وعن التزام البهرة اليمنيين أوامر السلطان، قال: "يمثل الداعي إمام الطائفة الأمر الإلهي وإذا ما أصدر حكماً بتحريم أو تحليل شيء ما لا عواقب دنيوية على مَن لا يعمل بحكمه. يقتصر دور الداعي على توضيح وبيان الأبعاد العرفانية وما يترتب على هذا التحريم في عالم الملكوت. لكن أفراد الطائفة يلتزمون عادةً أوامره كونه يمثل الله".

أستاذ الاقتصاد الزراعي في جامعة صنعاء الدكتور علي العسلي قال: "استبدال البهرة أشجار القات بمزروعات أخرى فكرة ناجحة وخطوة إيجابية ونتمنى من أفراد المجتمع اليمني أن يحذوا حذوهم. ولقد ربح البهرة من وراء شجرة البن التي زرعوها أكثر مما كانوا يربحون من شجرة القات، لذا نتمنى من الحكومة اليمنية أن تتبع هذا النهج الذي سيعود بفائدة كبيرة على اليمن كله".

التعليقات

المقال التالي