الراديو وسيلة بعض الفتيات الأردنيات الوحيدة للحب والتحرر

الراديو وسيلة بعض الفتيات الأردنيات الوحيدة للحب والتحرر

عبير شابة أردنية تعيش في قرية ساكب بمحافظة جرش، شمال الأردن. حالتها تجسّد حالة مجتمعية منتشرة تكشف عن أن منابر الإذاعات الأردنية تشكّل متنفساً للذين يعيشون في بيئات "منغلقة" أو في مجتمعات محافظة. ولكن الإذاعات ليس متنفساً للفتيات فحسب، بل كذلك لشرائح عدة من المجتمع.

عبير هو اسم مستعار تفضل صاحبته استخدامه لأن الكشف عن اسمها الحقيقي لا يحمل أيّة قيمة مضافة للمتلقي، في وقت يعود بالضرر عليها ويحرمها من هواية تمارسها منذ أكثر من أربعة أعوام.

اعلان


الحب عبر الأثير

عبير، كما كثيرات غيرها، تساعد والدتها في تنظيف المنزل وإعداد وجبة الغداء لوالدها وإخوتها، ثم تبدأ بممارسة الهواية المحببة على قلبها، وهي "تقليب" ترددات إذاعات أردنية لتشارك عبر أثيرها مشاركة فاعلة وتعبر عن آرائها في القضايا التي يطرحها مقدمو البرامج.

الحب والعشق والغرام هي القضايا الأقرب إلى قلب عبير. قالت لرصيف22: "عبر الإذاعة، أستطيع التعبير عن مشاعري دون قيد وبعيداً عن سطوة أهلي الذين لو علموا أني أحب، لا سمح الله، لحرموني حقوقي ومنعوني من استخدام جهاز الراديو الصغير الموضوع بجانب سريري".

وأضافت: "وجود برامج كهذه يساعدني على البوح عن مشاعري لحبيبي، ليس بالعبارات فحسب بل أيضاً من خلال إهدائه الأغاني، وكل ذلك دون أن أضطر إلى البوح باسمي الحقيقي. وأنا على يقين من أنّه يستمع للإذاعة ويشاركني في مشاعري له من خلالها".

وتابعت: "أنا أعيش في بيئة محافظة جداً، ومن الصعب أن أقوم بما تقوم به بنات عمان"، في إشارة إلى أن الأردنيات اللواتي يعشن في العاصمة عمّان يتمتعن بقدر أكبر من الحرية، وهذا ما يمكنهنّ من ممارسة اهتماماتهنّ من دون خوف أو قيد، ويمكنهنّ أيضاً من ذكر أسمائهنّ الحقيقية إذا رغبن في الإفصاح عن آرائهن عبر الإذاعات. تحرص عبير على التفاعل مع البرامج الإذاعية ليس من أجل رغبتها في التعبير عن آرائها، بل أحياناً لتعلقها بالمذيع أو المذيعة. فغياب الهوية الحقيقية للمذيعين لا سيما صورهم يجعل المستمع يتخيل ملامحهم وحياتهم الخاصة، ناهيك بأنهم يصبحون للكثير من المستمعين القدوة أو "المنقذ" الذي يمد لهم جسراً يعبّرون من خلاله عن مكنوناتهم.

أصدقاء البرنامج

عبير وغيرها من المخلصين لبرامج الإذاعات المحلية يطلق عليهم مقدمو البرامج لقب "أصدقاء البرنامج". منذ إشارة بدء البرنامج، تجد المستمعين يسارعون إلى الاتصال بهدف المشاركة.

مسؤولة البرامج في إذاعة "فرح الناس"، الإعلامية هبة جوهر، تحدثت عن تجربتها الخاصة في برنامجها "عصرونية"، وهو من برامج الـ"توك شو" التي تُقدّم عصراً، أي في أكثر الأوقات ملاءمة لمشاركة المستمعين.

قالت جوهر لرصيف22 إن المستمعين يتصلون أيضاً بإذاعات أخرى، "هم أصدقاء الإذاعات بغض النظر عن البرنامج أو المقدم، لا سيما في البرامج التي لا تقدم جوائز. هم أشخاص يجدون في الفضاء الإذاعي مكاناً لإيصال صوتهم وآرائهم وربما مواهبهم وإن كانت ليست بالمستوى المطلوب. ببساطة هم يجدون في الإذاعة مساحة للتواصل".

وأضافت: "هناك عدد من المتصلين يرتبطون بشكل مباشر مع المقدم، يحبّونه ويتتبعون صوته أينما حلّ، إلا أن هذا ليس حال عموم أصدقاء البرامج"، لافتةً إلى أن هنالك مستمعين في بعض المناطق التي لا يصل إليها بث "فرح الناس" يسمعون موضوع الحلقة أو أغنيتهم المفضلة عبر الهاتف، ويتحدثون عن أفكارهم في المواضيع المتنوّعة.

وأشارت جوهر إلى وجود أصدقاء للإذاعة لا يتصلون دائماً، بل حينما يثيرهم الموضوع المطروح، أو يكتفون بإرسال أسئلة عبر أحد مواقع التوصل الاجتماعي، وقالت: "هؤلاء أكثرية وهم فعلاً أصدقاء للبرامج لكنهم صامتون".

غرام بالمذيع

كذلك أكد محمد العرسان، رئيس تحرير "راديو البلد" الذي يبث من العاصمة عمان، أن العلاقة التي تنشأ بين المستمع والمذيع تختلف عن أي علاقة بين الجمهور ووسائل الإعلام الأخرى، كالتلفزيون والصحف. والسبب أن هوية المذيع مجهولة بالنسبة للمستمع، وانطلاقاً من صوته يرسم المستمع في مخيلته صورة عنه تكون أحياناً مثالية، "وهنا تبدأ علاقة حب من طرف واحد هو المستمع".

وأشار العرسان إلى أن "بعض المستمعين قد يلاحقون المذيع على الهاتف وعبر شبكات التواصل الاجتماعي وأحياناً تفاجأ بوجودهم داخل الإذاعة محاولين كشف هوية المذيع الذي يخاطبهم. ولا يقتصر ذلك على الشابات كما هو شائع، بل يشمل الجنسين من جميع الأعمار".

وأكمل: "تتعرض كمذيع برامج لمواقف غريبة. فعلى سبيل المثال يحدث أن تركب سيارة أجرة ويكتشف السائق أنك أنت المذيع الذي يستمع إليه. أحد السائقين طلب مرّة رؤية هويتي ليتأكد هل صادق أنا أم لا، حين أخبرته من أكون. وكثيرون يرفضون تقاضي الأجرة. وأحياناً، يجلب لك بعض المستمعين الطعام إلى الإذاعة تعبيراً عن حبهم".

في قراءته لحالة تعلّق المستمع بالإذاعات وبمقدمي البرامج، قال الاختصاصي في علم النفس والاجتماع الدكتور محمد الحباشنة: "إن الإذاعة عبارة عن صوت بلا صورة وهو أمر يجب التوقف عنده لدى قراءة هذه الحالة، لأن الغالب على المجتمعات المحافظة أو المنغلقة تفضيل غياب الصورة. كذلك، فإن هوية المستمع قد لا تكون دقيقة 100%، وهذا ما يمكّنه، في ظل غياب الصورة، من التعبير عن مكنوناته بصدق".

وأضاف: "المستمع في حالة كهذه بحاجة إلى منبر يشكّل متنفساً له للتعبير عن ذاته خصوصاً عندما يكون تواصله مع مذيع، فالمذيعون بالنسبة إليه هم من المشاهير".

وعن ظاهرة "أصدقاء البرنامج"، خصوصاً أولئك الذين يشاركون في أكثر من برنامج إذاعي، يقول الحباشنة: "أحياناً، هناك مغالاة بحيث تجد مستمعين يشاركون في أكثر من برنامج، وتصل حدود المغالاة إلى أنهم يقدمون الآراء نفسها في كل تلك البرامج. هذا لا يعتبر انتقاصاً منهم إذ تهدف مشاركاتهم إلى تعزيز الثقة بأنفسهم لكن بأدوات خاطئة".

نشر هذا الموضع على الموقع في 16.03.2015

غادة كامل الشيخ

صحافية في جريدة الغد الأردنية، متخصصة في قضايا حقوق الإنسان، الحريات العامة، وقضايا الأسرى والمعتقلين.

التعليقات

المقال التالي