من الصحافة العبرية: يا ليت كان العلم الإسرائيلي يؤثر فيّ مثلما يفعل العلم الإيراني

من الصحافة العبرية: يا ليت كان العلم الإسرائيلي يؤثر فيّ مثلما يفعل العلم الإيراني

في موقع "سيحاه مكوميت"، نشرت الكاتبة من أصل إيراني أورلي نوي مقالاً تقارن فيه بين الهويتين الإيرانية والإسرائيلية، وتختار بلا تردد الهوية الأولى. المقال الذي حمل عنوان "يا ليت كان العلم الإسرائيلي يؤثر فيّ مثلما يفعل العلم الإيراني"، يبدأ من احتفالات الإيرانيين بالتوقيع على الاتفاقية، وينطلق نحو فكرة دور كل من الدولتين في تشكيل الهوية الوطنية لبلديهما. 

منذ يومين أتابع بانفعال التقارير عن الاحتفالات العملاقة تعبيراً عن السعادة بين المواطنين الإيرانيين بعد توقيع الاتفاق النووي مع الغرب. هذه أيام من السعادة والتفاؤل بالنسبة للشعب الإيراني، داخل الدولة وخارجها.

داخل إيران، تدفقت الجماهير للشوارع بشكل عفوي تقريباً في جميع المدن لدى الإعلان عن توقيع الاتفاق. حتى المعارضون احتفلوا في الشوارع، ولم ينسوا تذكير الرئيس روحاني بمطالبهم بتحرير مير - حسين موسوي ومهدي كروبي، وهما قائدان للمعارضة محددة إقامتهما منذ انتخابات أغسطس 2009. كما احتفل الشتات الإيراني في المنفى، وإن كان بشكل أكثر تحفظاً، وبينهم أناس اضطهدوا وهربوا من السلطة الإيرانية إلى خارج دولتهم.

لأنه ليس بنجاح السلطة احتفل الإيرانيون، وإنما بباب الأمل - الضيق أو الواسع - الذي انفتح لأبناء شعبهم. ومعهم احتفلت أنا أيضاً.

الجنسية الإيرانية جنسية لا يمكن التنازل عنها ولو من وجهة نظر السلطات الإيرانية، لهذا فما زلت أعدّ مواطنة إيرانية. هكذا، فأنا مواطنة لدولتين إشكاليتين، لديهما معدل نشط ومتواصل من الانتهاك القاسي لحقوق الإنسان، والاعتقالات السياسية، والتعذيب، والإعدامات (نعم، إجراءات إطلاق النار في الأراضي المحتلة هي بصراحة إعدام في نظري).

أنا مواطنة لدولتين أحتقر سياستهما ولكني أشعر بأني مرتبطة جداً بالمجتمعات المدنية داخلهما، وأشعر بتعاطف وتضامن معهما، ولكنني أسأل نفسي لماذا، بالرغم من ذلك، تجعلني الرموز القومية الإيرانية، مثل ألوان العلم مثلاً، فخورة وتثير انفعالاً حقيقياً بداخلي، في حين تجعلني رموز إسرائيل غير مرتاحة؟ لماذا أرتاح لوصف نفسي كإيرانية فخورة، ولكني لست إسرائيلية فخورة، رغم الالتزام العميق الذي أحسه تجاه المجتمع الإسرائيلي؟

أعتقد أن الإجابة مرتبطة كثيراً بأنه في إيران ثمة هوية وطنية صلبة مختلفة ومستقلة عن السلطة الحالية. ثمة "هوية إيرانية"، هوية ما إيرانية عميقة وفعلية غير مرتبطة بسلطة محددة، هذه أو تلك. في الواقع، بدءاً من الاحتلال الإسلامي لإيران حتى الثورة الإسلامية، جزء غير قليل من الهوية الإيرانة تبلور بالضبط ضد السلطة وليس من خلال التماهي معها. أحد النماذج الأوضح على هذا هو الاتجاه الواسع بين إيرانيين كثر في العقود الأخيرة لإعطاء أسماء فارسية كلاسيكية لأطفالهم وتسميتهم بأسماء ملوك تاريخيين تم سحبهم من أعماق الذاكرة الجمعية، فيما يشبه رد فعل قومي على النظام الإسلامي.

في إسرائيل، في المقابل، ثمة تطابق كامل بين الدولة والسلطة. رغم أنه منذ قيامها كان هناك في المجتمع الإسرائيلي أيضاً أصوات غير صهيونية، إلا أن إسرائيل كدولة قامت وتشكلت على هيئة الصهيونية وبقوتها، ولذا يصعب جداً تطوير هوية قومية إسرائيلية منفصلة عنها. لذا عندما تتردد نداءات لإنهاء الاحتلال الصهوني، تفسرها غالبية الجمهور الإسرائيلي كتصفية مادية للدولة. في إيران لن يفسر أحد الشوق لتصفية الجمهورية الإسلامية كتصفية لإيران. سيكون هذا تفسيراً مضحكاً حتى بين كبار داعمي النظام. صحيح أن ثمة مظاهر لـ"هوية إسرائيلية" غير صهيونية في جوهرها، ولكن حتى بنية هذه المظاهر مصبوبة داخل الإطار الصهيوني، ولهذا يصعب فهم هذا في سياق مستقل.

في طفولتي في طهران، كان جميع تلاميذ المدرسة يقفون يومياً في الطابور ويغنون النشيد الوطني الذي كان كله نشيداً في مديح الملك محمد رضا شاه بهلوي. مع تنحية الملك وصعود النظام الإسلامي تم استبدال النشيد الوطني الرسمي للدولة بآخر يمدح النظام الجديد. ولكن وقتذاك، تماماً مثل اليوم، لدى الشعب الإيراني نشيد غير رسمي آخر لا يتحدث عن عظمة السلطة وإنما عن عظمة إيران نفسها، وفي ويكيبيديا الفارسية مادة مخصصة لهذا النشيد بوصفه "النشيد غير الرسمي لإيران". في إسرائيل، في المقابل، تقابل أية محاولة لطرح الحاجة لنشيد وطني لا يستبعد المواطنين غير اليهود للدولة، برفض مطلق، والفكرة نفسها تعد نوعاً من الخيانة.

أؤمن أن التحدي الأكبر الذي يقف أمامنا الآن هو القدرة على صوغ هوية إسرائيلية ليست مقيدة بقيود الصهيونية. أريد الإيمان أنه في أحد الأيام أستطيع التلويح بهذا العلم بدون خجل. وحتى يحصل هذا، سأواصل الاحتفال مع الشعب الإيراني من بعيد.

التعليقات

المقال التالي