ذكريات الفلسطينيين عن الكويت التي أبعدتهم عام 1991

ذكريات الفلسطينيين عن الكويت التي أبعدتهم عام 1991

"عبيلي الجرة. عبيلي الجرة. يما يا حنونة عبيلي الجرة. بعطش من مرة. والكويت بعيدة. بعطش من مرة. وأنا بلادي بعيدة. بعطش من مرة. والكويت بعيدة. عبيلي البريق. يما يا حنونه عبيلي البريق. بعطش ع طريق. وأنا بلادي بعيدة بعطش ع طريق". هذه كلمات أغنية فلسطينية تراثية كان يتم تكييفها مع مناسبات سفر الشباب الفلسطينيين، بعد نكبة 1948 ونكسة 1967، إلى الكويت بحثاً عن لقمة العيش ومساعدة أهلهم في الوطن.

معاناة هجرة الفلسطينيين بحثاً عن لقمة عيش لهم ولأسرهم بعد أن حرمتهم من تحصيلها حياة التشرد في المخيمات وصفها الراحل غسان كنفاني في روايته "رجال في الشمس". كانوا يتجهون شرقاً ويتخلون عن عشقهم لأرض فلسطين.

منذ ذاك الوقت، آمن الفلسطيني بأن الكويت مكان مثالي للحياة وتربية الأطفال. احتضنت الكويت العديد من القيادات الفلسطينية ودعمت منظمة التحرير الفلسطينية مالياً ومعنوياً، ووصل الأمر إلى حدّ مشاركة أحد أمراء الكويت، الراحل الشيخ فهد أحمد الصباح، في القتال بجانب الفدائيين الفلسطينيين. وروى إبراهيم أبراش في مقالته "تهجير الفلسطينيين من الكويت" أن "الكويت كانت بمثابة قاعدة خلفية مهمة لدعم الشعب الفلسطيني وثورته المسلحة".

ذكريات الفلسطينيين عن الكويت التي أبعدتهم عام 1991 - قيمة التذكرة

الخاسر الأول والأخير

في 2 أغسطس 1990، شنّ العراق هجومه على الكويت واحتلّها 7 شهور، قبل أن تُحرّر في 26 فبراير 1991. قبل الغزو، كان عدد الفلسطينيين في الكويت نحو 400 ألف، ولكنه تقلّص إلى النصف في فترة الاحتلال. وبعد حرب الخليج، أجبرت حكومة الكويت نحو 200 ألف فلسطيني، ومعظمهم يمتلك الجنسية الأردنية، على مغادرة البلاد بسبب الخلافات السياسية المتكررة بينها وبين رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات الذي وقف إلى جانب الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين.

ويضيف أبراش في مقالته: "كان الفلسطينييون في الكويت من أهم مصادر تمويل الثورة الفلسطينية ثم الانتفاضة ولا ننسى أن حركة فتح تبلورت أولاً في الكويت. ومن هنا كان أعداء الشعب الفلسطيني يتمنون أن ينضب معين دعم الثورة أي تجفيف منابع الدعم كما تقول إسرائيل. وقد تحقق لهم ذلك بحرمان أربعمئة ألف أسرة من مورد رزقها وحرمان الانتفاضة من أهم مصادر الدعم".

الحنين إلى الماضي

بعد خروج العائلات الفلسطينية من الكويت، هناك من عاد إلى أرض الوطن الأم وهناك من رحل إلى دول عربية أخرى مثل الأردن، ليبيا، وسوريا. ومنهم من هاجر إلى دول أجنبية.

بقي المشترك بين العائلات الفلسطينية المغادِرة هو الحنين إلى أيام الكويت، إضافة إلى ما تشرّبوه من الثقافة الكويتية على جميع الأصعدة: الرياضية، الترفيهية، الاقتصادية، الطعام والشراب، الأغاني، الرقص، المسكن، الاحتفالات الوطنية والإسلامية، المسلسلات والمسرحيات، حتى عادات الكويتيين.

ذكريات الفلسطينيين عن الكويت التي أبعدتهم عام 1991 - الحنين إلى الماضي

وقال الفلسطيني نائل خطاب، وهو من مواليد الكويت، ويعيش الآن في الأردن، لرصيف22: "الحنين إلى الكويت ليس مربوطاً بالكويت نفسها بل بطفولتي التي قضيتها هناك وكل أفراحي وأحزاني وتطوري من مرحلة الطفولة إلى المراهقة إلى الشباب، وبكل أقاربي الذين كانوا هناك وتربيت بينهم، وبكل أصدقائي في الحي والمدرسة".

"كنت في الكويت ولي فيها ذكريات"

"إنه الحنين إلى تلك الأرض التي شهدت عثرات طفولتنا وتلك السماء التي تفتحت أزهارنا البريئة تحت ظلالها، الحنين إلى الغربة، الحنين إلى الزمن الجميل". هكذا تصف مجموعة "كنت في الكويت ولي فيها ذكريات" على فيسبوك ذاتها. تهدف المجموعة إلى إحياء الماضي الجميل الذي عايشه الفلسطيني في الكويت، وتضمّ ما يقارب 67000 عضو.

وقال أيمن أبو شرار، مؤسس المجموعة المغلقة Closed Group، لرصيف22: "عندما أسست هذه المجموعة في أواخر مايو الماضي، كانت غايتي أن التقي جيراني وأصدقائي الذين منعتنا الظروف من الحفاظ على التواصل بيننا. توقعت حينذاك ألا نتجاوز الـ500 شخص إلا أن الإقبال كان كبيراً وما زلنا نتزايد".

وأضاف: "من المؤكد أننا في الكويت حملنا أكثر من وجهة نظر وأكثر من رأي. منّا مَن أنصفه البلد ومنّا من ظلمه ومنّا مَن قسا عليه. لكن في النهاية ذكرياتنا ليست مرتبطة بأيّ نظام سياسي أو ضابط أمن، ذكرياتنا مرتبطة بشخوص وزمان ومكان. الشخوص هو نحن والمكان الكويت والزمان طفولتنا، لذا هذه الصفحة للجميع، لكل من حمل في داخله ذكريات ارتبطت بطفولته".

يتشارك أعضاء المجموعة ذكرياتهم وصورهم، وقصصهم الشخصية ويتم نشر فيديوهات للعديد من الذكريات التي يتشارك فيها مَن عاشوا في الكويت. بعض الأعضاء يبحثون عن جيرانهم السابقين أو عن زملائهم في الدراسة أو عن زملائهم في العمل وذلك من خلال نشر معلومات أو صور قديمة للسكن أو العمل أو المدرسة.

عن ذاك الماضي القريب، قال نائل خطاب: "كانت العلاقة بين الشعبين الشقيقين الفلسطيني والكويتي غريبة جداً لأنها مبنية على احترام الشعب الكويتي للفلسطيني لقدرته على التكيّف مع كل الظروف، ونجاحه في فتح شركات ومحالّ ومطاعم. المعلّم الفلسطيني خلق جيلاً من الكويتيين المتعلمين. والطبيب الفلسطيني كان متميزاً. الفلسطيني أبدع في كل شيء حتى أن أمير الكويت الراحل جابر الأحمد الجابر الصباح طلب يوم الغزو من الفلسطينيين الدفاع عن الكويت".

وقالت المهندسة الكويتية عهد العتيبي: "الفلسطيني لا يزال يسجل حضوره في الكويت. صحيح أن نسبة الجالية الفلسطينية أقل مما كانت في السابق، لكن رغم ذلك لا يمكن لأيّ مواطن كويتي أن ينكر أن الفلسطينيين ساهموا في نهضة الكويت في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي في التعليم والصحة وغيرهما من المجالات. حقيقةً أشعر بالفخر حين أجد أن الشعبين الشقيقين يتشاركان في جزء كبير من التاريخ والذكريات".

الذكريات والمستقبل

يوم 12 ديسمبر 2004، اعتذر رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية محمود عباس للشعب الكويتي عن موقف المنظمة من الاحتلال العراقي للكويت. وفي 15 أبريل 2013، افتتح عباس سفارة فلسطين في الكويت، في بداية جديدة للعلاقة الديبلوماسية بين الفلسطينيين والكويت.

وترى العتيبي أن الكويتي ينظر إلى الفلسطيني كشخص "ببطولة خليل الوزير وشجاعة وديع حداد وألق غسان كنفاني. الشعب الفلسطيني يمثل النموذج الأمثل الذي نرويه لأبنائنا عن معاني النضال والكفاح والإصرار". وتابعت: "على الشعبين الكويتي والفلسطيني أن يكرّسا الأنشطة الثقافيه والفنية التي تعزز علاقة الشعبين الشقيقين. فالفن قادر على إيصال رسالة تعجز الندوات السياسية والخطب النظرية عن إيصالها". وأضافت: "أسعدتني جداً أصداء الحفل الغنائي الذي أحياه الفنان الكويتي عبد الله الرويشد في نابلس وتفاعل الجمهور الفلسطيني معه. كان حدثاً جميلاً".

في مجموعة "كنت في الكويت ولي فيها ذكريات"، تجد أن الكويتيين أصبحوا أعضاءً فيها رغبةً منهم في مشاركة الفلسطينيين وغيرهم ممَّن عاشوا في الكويت ذكريات جميلة لن تستطيع السياسة ورجالها أن يشوهوها.

التعليقات

المقال التالي