هل التنبؤ بالمستقبل والتخاطر ظواهر علمية؟

هل التنبؤ بالمستقبل والتخاطر ظواهر علمية؟

ربما كانت الظواهر ما وراء الحسية من أكثر ما يشغل الناس بسبب غموضها وعدم وجود تفسير واضح لها حتى الآن. نتحدث عن ظواهر مثل التنبؤ بالمستقبل أو التخاطر على سبيل المثال. ولكن هل يعني غياب تفسير علمي واضح لها أنها مجرد خرافات؟

الواقع أن وجود وتكرار مثل هذه الحوادث أو الظواهر يجعل من تجاهلها أمراً صعباً، خاصةً أن العلم من طبيعته ألا يستبعد أيّة فكرة مهما كانت غرابتها دون دليل، كما أنه لا يتبنى أيّة فكرة دون دليل واضح.

ربما تَنتج العلاقة الشائكة بين العلم ومثل هذه الظواهر من أن وظيفة الأول هي رصد وتفسير ما يحدث في الطبيعية بالأساس. وفي حالات ما وراء الحس فإن الرصد تحقق في أكثر من حالة، لكن الأسباب كانت ولا زالت عصيّة على الفهم.

الإحساس بالمستقبل

عام 2011، نشر البرفيسور درايل بيم Daryl J. Bem، أستاذ علم النفس الاجتماعي في جامعة كورنيل الأمريكية Cornell University، بحثاً بعنوان "الإحساس بالمستقبل" أعلن فيه توصله إلى نتائج تشير إلى أن الإنسان يمتلك قدرة على الحدس أو التنبؤ بالمستقبل. أجرى بيم تسع تجارب مختلفة على عيّنة من ألف طالب من طلابه. وفي واحدة من تلك التجارب على سبيل المثال، استخدم بيم كمبيوتر يعرض عيّنات من الصور الفوتوغرافية على شاشتين خلف ستارين إحداهما إلى يمين الطالب والثانية إلى يساره.

تم اختيار مجموعة من الصور التي تولّد شعوراً إيجابياً في الأغلب لدى مَن يشاهدها، ومجموعة أخرى محايدة تماماً. وصار الكمبيوتر يعرض صورة واحدة على إحدى الشاشتين بينما تبقى الأخرى فارغة. وكان على الطلاب أن يختاروا أيّ من الستارين يخفي صورة خلفه وأيهما لا يخفي شيئاً.

النتيجة التي تمنّاها بيم وأعلنها في ما بعد تقول إنه في حالة عرض صورة إيجابية استطاع الطلاب تحديد أيّ من الستارين يخفي الصورة بشكل أكبر من حالة الصورة المحايدة، وذلك بنسبة وصلت إلى 53.4%. وطبقاً لفريق العمل فإن هذا قد يعني أن الاختيار لم يكن عشوائياً، لأن نتيجة الاختيار العشوائي هي 50% مع هامش بسيط من الخطأ والاختلاف لا يصل إلى هذا الحد. وفسر بيم هذا بأنه نوع من القدرة على التنبؤ أو الحدس. وإذا كانت هذه التجربة قد ارتبطت بحافز إيجابي فهي تشير إلى امتلاك الإنسان إمكانية التنبؤ بوجه عام.

وبرغم قبول ونشر الورقة في دوريات متخصصة في علم النفس بسبب حرص العالم الأمريكي على اتباع الإجراءات العلمية السليمة، فإن العديد من العلماء المتخصصين شككوا في إمكانية تكرار هذه التجربة والحصول على النتائج نفسها. ونشر موقع قناة ديسكفري العلمية المتخصصة عام 2012 تحقيقاً تناول فيه تجربة جامعة كورنيل على وجه التحديد كنموذج لأقوى تجربة علمية ادعت رصد وتوثيق ظاهرة وراء حسية لا يمكن للفيزياء الحديثة فهمها.

لكن الموقع أشار إلى أن مجموعتين بحثيتين حاولتا لاحقاً تكرار تجربة الإحساس بالمستقبل بوسائل داريل بيم، لكن النتائج في المرتين لم تتطابق مع التجربة الأصلية. وشكك الموقع في مدى نجاح التجربة في توفير دليل علمي يمكن اعتماده على امتلاك الجنس البشري لملكات إضافية تساعده على إدراك أكثر مما توفر له حواسه الخمس المعروفة.

العلم وظاهرة التخاطر

لكن أنصار المدرسة المعروفة باسم ESP أو الإدراك ما وراء الحسي لا يكفون عن الخروج بأدلة جديدة وإجراء تجارب تثبت وجود الظاهرة.

ويبدو أن بعضهم وجد ما ينشده في فرع من فروع الفيزياء الحديثة وهو فيزياء الكم Quantum Physics. تتميز هذه الفيزياء بتعاملها مع عدد من الظواهر الغريبة وغير المفهومة بالنسبة للفيزياء التي نعرفها، مثل ظاهرة الارتباط بين جزيئين تفصل بينهما مسافة كبيرة، وتعلُّق مصير أحدهما بالآخر وتغيّر وضعه بالنسبة له في "لا زمن" وهو ما أطلق عليه ظاهرة "التعالق" أو Entanglement. وعليه، فإذا افترضنا أن أحد هذين الجزيئين المتعالقين موجود في القاهرة والآخر في نيويورك فإن حركة الأول تؤثر على حركة الثاني في الثانية نفسها والجزء من الثانية نفسه أيضاً.

بالطبع فكرة الـ"لا زمن" هي فكرة ضد كل منطق يعتمد على الفيزياء التقليدية لفهم الكون. بل هددت هذه الفكرة حين ظهورها النظرية الأهم في تاريخ البشرية حتى الآن وهي نظرية النسبية. وقد حاول بعض كبار العلماء دحض هذه الظاهرة لكن ما حدث أن موثوقية الظاهرة تعاظمت مع مرور الوقت، وأصبح يمكن الاعتماد عليها في إنتاج بعض الأجهزة المتقدمة تكنولوجياً. ما علاقة كل هذا بالتخاطر؟

العلاقة مباشرة جداً، فأنصار ما وراء الحس يقولون إن هذا التعالق يحدث أيضاً بين عقلين يستطيعان التواصل دون أي وسائل اتصال، وقد قام فريق من العلماء الأوروبيين والأمريكيين في العام الماضي بإخضاع هذه الفكرة للتجربة العلمية، وقالوا إنهم استطاعوا رصد تخاطر بين شخصين أحدهما يجلس في بومباي في الهند والآخر في سترازبورغ في فرنسا. على غير العادة حظيت التجربة بمصداقية كبيرة وتغطية إعلامية واسعة وتصدّرت عناوين إحدى وسبعين مجلة وموقعاً إلكترونياً على مستوى العالم ومنها تليغراف الإنجليزية وفوكس نيوز الأمريكية.

يقول عالم الفيزياء الأمريكي ميتشيو كاكو Michio Kaku إن الفكرة قد تبدو جيدة، إلا أنه من الصعب تصديق أنه يمكن لنظام ضخم ومعقّد مثل المخ البشري أن يتعالق مع نظير له، وإن أكثر ما أمكن رصده في إطار هذه الظاهرة كان تعالقاً بين جزيئين أو مجموعتين ضئيلتين من الذرات، ولكن السؤال الذي ما زال من المنطقي طرحه: أليس من الممكن أن يكون هذا كافياً لتواصلٍ بشري بلا أسلاك ولا موجات؟

صحافي مصري حاصل على إجازة في الأدب العربي والإنغليزي. شارك في لجان تحكيم عدد من المهرجانات الدولية للأفلام السينمائية والوثائقية.

كلمات مفتاحية
علوم

التعليقات

المقال التالي