المدوِّنات النسويات في تونس: تحدّي المجتمع واختراق محرّماته

المدوِّنات النسويات في تونس: تحدّي المجتمع واختراق محرّماته

ارتبط التدوين في تونس بمعارضة نظام زين العابدين بن علي، إذ شكّل المدونون واحداً من مكونات جبهة أعداء الرئيس الأسبق خلال العشرية الأخيرة من حكمه. وعقب سقوط النظام بداية عام 2011، انفتحت البلاد على نقاشات متنوعة وتحوّلت وجهة المهتمين بالشأن العام إلى قضايا جديدة فرضها الواقع الجديد وصعود تيارات سياسية وثقافية كانت مغيّبة عن الساحة لعقود.

فقد أعاد صعود التيار الإسلامي، بشقيه الإخواني والسلفي، إحياء جدل قديم حول قضايا تحرير المرأة والأحوال الشخصية ومسائل أثارت اهتمام الحركة النسوية في البلاد كالحجاب والنقاب وتعدد الزوجات والحريات الجنسية، خاصةً بعد تلويح بعض رموز الحركات الإسلامية بالعودة عمّا تحقق من تقدم على المستوى التشريعي في تونس منذ الاستقلال، وعن الإجراءات التحديثية التي أقرّها الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة.

هذه القضايا وغيرها دفعت ناشطات تونسيات إلى خوض تجربة التدوين واستغلال قوة انتشار النشر الالكتروني لإيصال صوتهن ومواقفهن بالكتابة حول الشأن العام وكل ما يتعلق بقضايا المرأة التونسية والعربية ولنقد ما يسمينه العقلية الذكورية السائدة في المجتمع.

خولة الفرشيشي: تدوين ضد السائد

في مدونتها التي تحمل اسم "تراتيل أنثى"، لا تفوّت الناشطة التونسية خولة الفرشيشي فرصة إلا وتغتنمها لتوجه سهام نقدها إلى الأفكار السائدة في المجتمع، وتكسر في سبيل ذلك العديد من المحرمات متحدثةً عن المسكوت عنه في الدين والجنس والسياسة.

 

بدأت خولة تجربتها مع التدوين عام 2010 وأطلقت العديد من المدونات التي تم حجبها. تكتب خولة في الحبّ والسياسة وقضايا المرأة. وقالت لرصيف22: "أصبحت الكتابة على صفحات الإنترنت واجباً. لا أوّد افتعال النضال، فأنا لست مناضلة بل كاتبة أكتب وأقلق العقلية المحافظة. أطرح السؤال وأسعى إلى الإجابة عنه بطريقتي".

وأضافت: "التدوين كما أراه ليس مجرد صور ونصوص تافهة أو بسيطة بل باب يفتحه الفرد للقراءة وإعادة الحفر في الذهنية المتكلسة، خاصةً إذا كنت تكتب جيّداً وتحاول أن ترتقي بمستوى الوعي الجمعي لدى الناشئة الذين يستخدمون بكثرة الإنترنت. التدوين محرّض على القراءة والإطلاع ومن ثم على الثورة ورفض المسلمات والتغيير، وليس فسحة للترفيه على شبكات التواصل الإجتماعي".

وعن محاور الاهتمام التي تركّز عليها في مدونتها، قالت: "أغلب نصوصي ترتكز على إشكاليتين: إشكالية التراث وإشكالية الحرية وقضية المرأة في مجتمعات الجنوب. ففي اعتقادي أن نقد التراث الإسلامي ونفض غبار التقديس عنه وقراءته بنفس موضوعي يتقدم بنا خطوات نحو بناء وعي الإنسان في هذه المجتمعات. نحن لم نبلغ لحظة الوعي بعد، وانتقالنا إلى الحداثة مغشوش وليس حقيقياً ومكتملاً. نقد العقلية الذكورية يؤسس لفعل مواطني حقيقي يؤدي إلى بناء مجتمع المواطنة والمساواة بين الجنسين".

إلى اهتمامها بقضايا المرأة، تهتم الفرشيشي بالأحداث السياسية في تونس وبظاهرة الإرهاب التي تعاظمت في البلاد خلال السنوات الأخيرة. ولديها اهتمام واضح بقضايا الحريات العامة، وآخر كتاباتها ذات الصلة ما نشرته حول اعتداء قوات الشرطة التونسية على المقاهي المفتوحة في شهر رمضان وتهديد المفطرين.

يُراوح تفاعل الناس مع ما تكتبه خولة بين الرفض والقبول والحماسة. أثارت بعض نصوصها جدلاً على مواقع التواصل الاجتماعي، وفي هذا السياق قالت: "هناك نصوص حققت رواجاً كبيراً في تونس وخارجها، وأعادت نشر مقالاتي مواقع كثيرة علمانية ومدنية مصرية ومغربية مثل نصوص "داعش منا أو إلينا"، "الإرهاب لا زمن له: حين ترث داعش إرهاب الحجاج"، ومواقفي الداعمة لقضية رائف بدوي".

وتابعت: "نشرت بعض النصوص الجريئة عن الجنس ودعارة الذكور ومفاهيم الشرف المتمحورة حول الجسد. هناك مَن تفاعل معي إيجابياً بشكل راقٍ وإن اختلف معي. وهناك مَن وصفني بالعاهرة والملحدة التي تود إخراج تونس من محيطها الطبيعي. ولكني أجيب في كل مرة بنص أكثر جرأة من الذي سبقه".

مها الجويني: التدوين كأداة نضالية

إلى اهتمامها بالقضايا النسوية، تحمل الناشطة والمدونة التونسية مها الجويني هماً نضالياً قومياً. فهي، بحسب ما تقدم نفسها، تناضل في سبيل إنصاف الهوية والثقافة الأمازيغيتين في تونس، الأمر الذي دفعها إلى إطلاق اسم "يوميات جبلية متمردة" على مدونتها، بما يحمله الجبل من رمزية لدى الأمازيغ.

 

وقالت مها لرصيف22: "اخترت هذا الاسم نسبة لجبال الشمال الغربي التونسية المنسية من السلطة، وحاولت من خلال هذا الخيار الانتصار لثقافتي الأمازيغية غير المعترف بها رسمياً من الدولة، والحاضرة بشكل متواضع لدى الإعلام الرسمي". وبرّرت مها توجهها نحو التدوين بـ"عجز المنابر الأخرى كالصحف والمجلات والصحف الإلكترونية عن منحها حرية اختيار المواضيع وحرية الكتابة دون التقيد بخط تحرير معين وحرية نبش المحرمات ومواجهة السائد الاجتماعي والاقتصادي والديني والسياسي".

تعتقد مها أن الإمكانات المتواضعة التي تمنحها المدوَّنة للكاتب تساعده على تفاعل الجمهور معه وانتشار المواد التي يكتبها. وقالت: "الناس تتفاعل مع نصوصي بشكل إيجابي يحمّلني مسؤولية. إذ يبلغ عدد متابعي مدونتي على موقع "الحوار المتمدن" أكثر من 900 ألف شخص أي قرابة المليون. وكل المواضيع المتعلقة بالشعب الأمازيغي وبثقافته وبتفاصيل عيشه وبأسمائه ولباسه وتاريخه الغائب في المناهج التعليمية التونسية تجد لها الكثير من المتابعين. فبعض الناس يرون أنفسهم في ما أكتبه".

على سبيل المثال، ذكرت مقالة "الحركة الأمازيغية بين الحقيقة والتأويل" التي أثارت جدلاً كبيراً، وإلى الآن تتم مشاركتها على مواقع التواصل الاجتماعي. كما ذكرت تدوينة "دي خسارة فيه" المنشورة عام 2013 والتي طرحت فيها المسألة العنصرية في مصر وتطرقت إلى النظرة الدونية التي يحملها الإعلامي المصري للسود سواءً كانوا من النوبة أو من السودان، وقد تم اعتمادها كشهادة في مقالات نشرت حول العنصرية في مصر.

أما بخصوص الكتابة حول القضايا النسوية، فقالت مها: "من المواضيع التي أثارت جدلاً مسألة العذرية والشرف في مجتمعاتنا. كنت قد كتبت: هل يمكن للفتاة غير العذراء الزواج في مجتمعاتنا؟ وتفاعل مع السؤال نساء ورجال كثيرون. فالشاب التونسي ينام مع صديقته قبل الزواج ويريد الزواج من عذراء. كما دوّنت عن الذكورية لدى اليسار العربي واليسار التونسي. وكانت تدوينة مشتركة بيني وبين صديقتي خولة الفرشيشي بعنوان "بين الصديق والعشيق رحلة حضارة" قد أثارت غضب بعض القراء واستحسان بعضهم الآخر، واختلفت المواقف منها بين يساري غيور على يساريته اعتبرنا ننتقد اليسار للنقد، وبين مناضلات الحركة النسوية اللواتي رأين في التدوينة صرخة ضد السكيزوفرينيا (الفصام) التي تسيطر على يسارنا وعلى دعاة الحداثة الذين يتوقون فقط للوصول إلى أجساد النساء".

أحمد نظيف

صحافي تونسي يهتم بشؤون الجماعات الدينية والأقليات، مؤلف كتاب "بنادق سائحة: تونسيون في شبكة الجهاد العالمي". يحمل إجازة في الإعلام وإجازة في الإخراج.

التعليقات

المقال التالي