كيف تربّي الأم المصرية ابنتها في مجتمع ذكوري؟

كيف تربّي الأم المصرية ابنتها في مجتمع ذكوري؟

تفاصيل متكررة وعادية في أسر الطبقة الوسطى المصرية: قبل أن تجلس البنت لتشاهد المسلسل أو خلاله، عليها أن تحضر الشاي لإخوتها، وعليها أيضاً أن تغسل الأكواب بعد ذلك. تحاول البنت أن تتمرد وتطالب أمها بالمساواة مع أخيها، فتنهرها والدتها قائلة: "هو انتي عايزة تحطي راسك براس أخوكي، ده راجل".

هكذا تحدثت سحر ناصف (33 عاماً)، مهندسة تسكن في القاهرة، عن طريقة التربية التي تلقتها من والدتها، وأضافت أن معظم أبناء الطبقة الوسطى يعاملون المرأة، بنتاً أو أختاً أو زوجةً، وكأنها "مخلوقة لخدمة الرجل".

اعلان


وتلفت ناصف إلى أن البنت المصرية تتشرب من والدتها "ثقافة التأجيل"، فإذا أرادت أن تسهر تقول لها والدتها: "اسهري لما تتجوزي"، وإذا أرادت أن تسافر وتدرس، يقال لها: "لما تتجوزي". وتعلق ناصف على ذلك: "برغم ذلك، تعرف البنات أنهن عندما يتزوجن ستنتهي حياتهنّ ولن تبدأ".

الأم تشرف على ختان بناتها

تشرف معظم الأمهات المصريات، خاصةً في المناطق الريفية والعشوائيات، على عملية ختان بناتهن، ويتحمسن لذلك بحكم العادة. ووفقاً لمسح ديموغرافي لمصر أجري عام 2008، فإن متوسط عمر البنت عند الختان هو 10 سنوات، ويقل هذا العمر في صعيد مصر، ويرتفع قليلاً في الوجه البحري. كما أن 63% من النساء في سنّ 15 ـ 49 سنة يعتبرن أن الختان عادة يجب أن تستمر.

وصفت سحر ناصف عملية الختان بأنها "أبشع عملية تعذيب وعقاب تمارس بحق الأنثى لكونها أنثى، وهي كسر لكرامتها وأنوثها وتحرمها من شيء مهم بدعوى العفة"، وأضافت: "لدي استعداد أن أخسر الدنيا من أجل الدفاع عن هذه القضية". وذكر تقرير لمنظمة اليونيسيف أنه يتم إجراء عملية الختان في مصر على نحو 90% من الفتيات.

ممنوعات عادية

يستمتع الشباب في مصر بالسهر في المقاهي ودور السينما وأحياناً يشاركون في رحلات إلى شواطئ البحر المتوسط، ولكن تلك المتع ممنوعة عن الفتيات، وتحرص الأمهات على ذلك قبل الآباء والإخوة.

تقول سحر إن أمها كانت تلزمها بتقديم ما يشبه التقرير اليومي لأخيها حول خروجها وسفرها وأصدقائها، وكانت تتعرض أحياناً لعنف لفظي من الأخ أو الأب. وتؤكد أن الكثيرين من صديقاتها كنّ يتعرضن لعنف لفظي وجسدي في المنزل. ووفقا للإحصاءات الرسمية، فإن أكثر من 30% من المصريات يتعرّضن للعنف الأسري.

الشأن العام ممنوع

وتلعب الأم دوراً هاماً في منع الفتيات من النشاط في الشأن العام، إذ تربي بناتها على أخلاقيات السلامة وتجنب المخاطر، وعدم الانشغال بأمور أكبر من شأن العائلة.

وقالت رانيا عوض، ناشطة سابقة في حركة اشتراكية شبابية، إن والدتها كانت تلقنهن الابتعاد عن السياسة. حتى متابعة الأخبار السياسية كانت تعترض عليها. وعندما وصل إلى العائلة خبر اشتراكها في تظاهرات وأنشطة سياسية لقيت معارضة جارفة من والدتها أكثر من أبيها.

الأم واستدامة القمع

وترى رانيا عوض أن تربية الأم لبناتها بهذه الطريقة لا تخلو من بعد سياسي، فبرأيها، "تشجع السلطات القمعية هذه النماذج من الأمهات لأن المرأة إذا تحررت فإنها ستربي جيلاً حراً".

ولفتت عوض إلى أن "الذي يربّي الرجل في المجتمع هي المرأة، لذا لا تفتح السلطة للمرأة أبوابها للمشاركة في العمل العام، أو الخروج إلى المجتمع. والأساس في انتقال الأفكار القمعية هي المرأة، فهي التي تحافظ على ثقافة الثأر في الصعيد. وإذا تحررت الأم بشكل كافٍ فإن سياسة القمع للدولة ستختلف".

وأضافت: "اعترضت كثيرات من بنات جيلي على طريقة تربيتهن، ولكنهن الآن يربين أطفالهن بالطريقة ذاتها، لأن المجتمع يدفعهن إلى ذلك. المجتمع يقاوم التغيير".

تغيّرات بطيئة

تختلف سناء السعيد، عضو المجلس القومي للمرأة ورئيسة الهيئة العليا للحزب المصري الديمقراطي، مع عوض وترى أن هناك تطوراً رئيسياً حدث في تربية الأمهات لبناتهن وانعكس ذلك على سلوك المرأة في المجتمع اليوم. وقالت: "في الماضي، كانت البنت في خدمة الأسرة ولكن هذه النظرة تغيرت، والأم تغيرت الآن وبالتالي تغيرت النظرة إلى البنت"، ولكنها استدركت أن "التغيير ليس بالقدر الكافي".

وعزت السعيد هذا التغيير الإيجابي إلى ارتفاع نسبة التعليم بين الأمهات، وإلى نشاط مؤسسات المجتمع المدني في مكافحة ظواهر كالختان مثلاً، وأضافت: "تكاد تكون المرأة مثل الولد في الحضر، ولكن في الأرياف، لم تتغير كثيراً النظرة إلى البنت، باستثناء الاهتمام بقيمة تعليمها الذي شهد ارتفاعاً ملحوظاً".

وترى عضو المجلس القومي للمرأة أن "الأم لم تعد تتدخل في عادات ابنتها كما كان الأمر في السابق. لم تعد تتدخل في أمور عدة، الحجاب مثالاً. ولكن تظل حرية المرأة ضمن الإطار المشروع الذي يتقبله المجتمع المصري".

وأكدت سحر ناصف أنها عندما ستربي أولادها، فإنها ستعلمهم "أن الأخ ليس أفضل من الأخت، ومن الجميل أن تشاركه، وتحتمي فيه وبه، ولكني سأرفض أن يلغي الأخ شخصية أخته، أو أن تلتزم الأخت بإعطاء تقارير عن تصرفاتها ومشاويرها لأخيها"، كما كان حالها.

وعن مساحة الحرية التي ستمنحها لبناتها قالت إنها ستضطر ألا تسمح لبناتها بالسهر خارج البيت مع رفيقاتها، "إلا في أنشطة تابعة للمدرسة، بسبب قلة الحياء المنتشرة عند الرجال، ونظراً للأضرار النفسية والجسدية التي قد تتعرض لها"، ولكنها سترفض أن تختن بناتها.

وقالت الصحافية والناشطة النسوية رسمية الخولي: "في المناطق الحضرية كالقاهرة والاسكندرية، قلّت الممارسات القمعية التي تقوم بها الأم، وأخذت المرأة حريتها بالمساواة مع الرجل في فرص التعليم والمشاركة الاجتماعية والسياسية. ولكن الوضع يختلف في القرى والأرياف والمناطق العشوائية حيث مستوى الأم التعليمي متدنٍ. فهناك لا تزال تمارس عمليات الختان، ويحظر سفر الفتاة للدراسة أو للعمل إلا بعد زواجها وبإذن من زوجها. وفي المنزل وضع البنت أدنى من وضع أخيها الأصغر فتنظف له، وتعد له الطعام، وتستأذن منه إذا أرادت أن تخرج أو تسهر مع إحدى صديقاتها".

التعليقات

المقال التالي