حين يكون الاسم سبيل الأقليات للحفاظ على هويّتها

حين يكون الاسم سبيل الأقليات للحفاظ على هويّتها

محمد وأحمد وعمر، أسماء تتصدّر قائمة الأسماء الأكثر شيوعاً في الأردن. وهو أمر طبيعي لكون 95% من سكان المملكة عرباً من المسلمين السنة. ولكن، في المقابل، هنالك مجموعة من الأسماء غير المألوفة تعكس مكوّنات عرقية ودينية للمجتمع الأردني من مسيحيين عرب وشركس وأرمن.

ترى الأقليات في الأردن أنّ الاسم قضية جوهرية تشكّل أبرز سبل الحفاظ على الهوية وإظهارها، حتى أنّ بعض تلك الأقليات، كالأرمن تحديداً، تعتبر في التخليّ عن أسمائها تخليّاً عن القومية والهوية.

قسطة، خريستو أو بنيوت - المسيحيون الأرثوذوكس

رغم ما يمثّله الإسم من انعكاس للهوية الفرعية للأقليات ومصدر فخر للشخص في محيطه الضيق، فقد يؤدي إلى صعوبات اجتماعية محتملة تقود إلى مواقف طريفة في كثير من الأحيان.

أقوال جاهزة

شارك غردالأسماء وأهميتها لدى الأقليات الدينية في العالم العربي

شارك غردأن يكون اسمك “قسطة” أو “بنيوت” في الأردن، قد يضعك هذا في مواقف غريبة

يشاركنا “قسطة عكاوي” تجربته مع اسم يُعدّ من أقل الأسماء تداولاً في الأردن ويقول: "في كل مرة أجتمع مع أشخاص جدد تسيطر حالة من الصمت بعد ذكر اسمي. ثم ينهال سيل من الأسئلة، وهذا هو السيناريو الذي يتكرر غالباً:

- عفواً ما اسمك مرة أخرى؟

- قسطة.

- تعني مصطفى؟

- لا، قسطة.

- هل أنت أردني؟

- نعم.

- لكن "أسطة"، أليس هذا لقب سائق التاكسي في مصر، إذاً لا بدّ أنّ أصولك مصرية؟

- لا أنا اسمي قسطة وأنا أردني.

- لكن ماذا يعني أسمك؟

- هو اسم جدي ولا أعرف معناه، لنتكلم في شأن آخر".

يستكمل عكاوي حديثه: "قسطة اختصار لاسم قسطنطين ملك المسيحيين الأول. يحمل اسمي دلالة مسيحية أرثوذكسية، وأنا أفخر بأن أحمل اسم شخص عظيم في التاريخ المسيحي، لكنّي لا أشعر بارتياح عندما يكون اسمي محطّ نقاش. لذلك أسعى لإنهاء الحوار في أقرب فرصة ممكنة". ويتابع: "لا يقتصر الأمر على أسئلة الفضولين فحسب. بل الأسوأ هو صعوبة التواصل عندما يتعلّق الأمر بالأوراق الرسمية. غالباً ما يواجه الموظفون الحكوميون صعوبة في التعامل مع اسمي. فوجئت في إحدى المرات بورقة رسمية تمّ تسجيلي فيها باسم "فضة" (اسم مؤنث لدى الشرق أردنيين). وكثيراً ما أسمع المزحة نفسها، قسطة أم قشطة، تليها ضحكة طويلة. لا أجدها نكتة مضحكة بتاتاً".

ويضيف: "رغم افتخاري بهويتي العربية المسيحية، اتّخذت قراراً بإطلاق أسماء عربية سهلة على أبنائي لا تحمل دلالات دينية، كما حرصت أن تكون أسماؤهم سهلة اللفظ ومقبولة في اللغة الإنجليزية في حال قرّروا مستقبلاً الهجرة إلى الغرب".

قسطة أحد الأسماء المعروفة بين الأرثوذكس العرب لكنّه يبقى من الأسماء القديمة وغير الرائجة حالياً حتى بين المسيحيين أنفسهم. فبحسب سجلات دائرة الأحوال المدنية والجوزات الأردنية، يبلغ عدد من يحملون هذا الاسم 86 أردنياً كما يحمل 35 شخصاً اسم يوحنا، وخريستو 59، وحنة 139، وتقلا 5، وبنيوت 1 وخريستيان 1.

يقدّر عدد المسيحيين بين 170 و 190 ألف في الأردن، غالبيتهم من الروم الأرثوذكس، كانوا يشكّلون 3% من السكان قبل موجة اللجوء السوري. واليوم، انخفضت النسبة وسط تقديرات حكومية بوجود نحو مليون لاجئ سوري في الأردن، غالبيتهم من المسلمين.

ابكار، أرمين أو آردا - الأرمن

“ابكار كيفوركيان” واحد من 15 أردنياً يحملون هذا الاسم. يرى في اسمه المميز انعكاساً لهويّته الأرمنية ووفاءً لبلده الأم. حَرِص كيفوركيان أن يحمل أبناؤه الثلاثة أسماء أرمنية: أرمين وكيفورك ورافائيل، قائلاً "أنا مواطن أردني من أصول أرمنية. لا ينتقص تمسّكي بهويتي من انتمائي لوطني".

وحول المواقف التي يواجهها أبناء عائلة كيفوركيان في المدرسة، تقول والدتهم هيلين: "بالتأكيد يسألهم زملاؤهم في المدرسة عن أسمائهم، وهذا يكون مدخلاً لأبنائي للتعريف بأصولهم والحديث عن تاريخ الأرمن وسبب هجرتهم إلى الأردن".

بحسب الكاتب “آردا فريج ديركرابديان” مؤلف كتاب "الأرمن الأردنيون"، تعود هجرة الأرمن إلى الأردن للحرب العالمية الأولى إثر تهجير وإبادة الأتراك لهم عام 1915. وكانت أعدادهم في خمسينيات وستينيات القرن العشرين حوالى عشرة آلاف نسمة. إلا أنّها تناقصت بسبب الهجرة المتواصلة إلى الدول الغربية. ويبلغ عددهم اليوم حوالى ثلاثة آلاف وخمسمئة، تقطن غالبيتهم في عمان.

تقول عضو الجمعية الأرمنية للإغاثة، نارين ماركريان: "نحن ندعم الأسماء الخاصة التي تدل على العرق إلى جانب التمسّك باللغة وبعاداتنا وبتقاليدنا. فإنّ الأسماء هي أيضاً أداة للحفاظ على هويتنا". وتضيف "في السنوات العشرين الأخيرة، أصبح البعض يمنح أبناءه أسماء عالمية كجاك وكريستين ومارسيل لمواجهة صعوبة لفظ الأسماء. بالطبع نحن لا نشجع ذلك، فتغيير الأسماء هو بمثابة التخلّي عن التاريخ والهوية الأرمنية".

ينال، جواشة أو شوماف - الشركس

وفي وقت يبدي فيه الأرمن تشدداً تجاه الحفاظ على أسمائهم، يبدو الشركس الذين هاجروا إلى الأردن عام 1874 أكثر انفتاحاً تجاه اعتماد الأسماء العربية، وغالباً ما تخلط الأسر الشركسية بين الأسماء العربية والشركسية.

يقول نائب رئيس النادي الأهلي وعضو الجمعية الخيرية الشركسية سامر بلقر: "تُعدّ الأسماء جزءاً من الهوية والحفاظ عليها حق مشروع. ولكن نتيجة عوامل عدة، باتت الأسر الشركسية تميل بشكل متزايد إلى إطلاق أسماء عربية على أبنائها"، ويضيف: "هناك مجموعة من أسماء شركسية سهلة اللفظ ومتداولة بشكل كبير مثل نارت، ينال، دانا، سيرسا… وبحسب تعداد دائرة الأحوال المدنية، يبقى اسم أرام الأكثر شيوعاً (1024 شخصاً) ونارت (309 شخصاً)”.

لكنّ غالبية الأسماء، وتحديداً القديمة منها، صعبة اللفظ وغير مفهومة للبعض على غرار جواشة ونشقوا وسيناميس وبشماف وميرنار وشوماف، الأمر الذي يدفع بالأسر، بحسب بلقر، إلى البحث في قوائم الأسماء العربية تجنباً لتكرار الأسماء لا سيما أنّ تعداد الشركس في الأردن يقارب 150 ألفاً. ويشير بلقر إلى أنّ "العامل الديني يُعدّ من أكثر العوامل تأثيراً في اختيار الأسماء، فالأسماء العربية وصلت إلى الشعوب الشركسية مع اعتناقها للإسلام، أي قبل أكثر من 400 عام. وبالتالي، سبق إطلاق أسماء عربية لدى الشركس الهجرة إلى الاردن، فضلاً عن أنّ الشركس مندمجون بالمجتمع الأردني وتجدهم في الوظائف العامة والمؤسسات العسكرية".

ويوضح بلقر: "لا شك أنّ الاندماج في المجتمع وإدخال الأسماء العربية لا يعني بأيّ حال من الأحوال التخلي عن الهوية الشركسية. فيمكن التعرّف على أي مواطن أردني من أصل شركسي من خلال اسم عائلته لأنّ أسماء العائلات الشركسية معروفة ومميزة". ويضيف: "لا يقتصر الحفاظ على الهوية على الأسماء فقط بل كذلك على اللغة والعادات والتقاليد والطعام والحفاظ على التاريخ العرقي".

نشر هذا الموضوع على الموقع في 06.04.2015

نادين نمري

صحفية أردنية متخصصة في صحافة حقوق الإنسان، لديها اهتمام خاص بقضايا الحريات الدينية والأقليات في الشرق الاوسط، والجندر وحقوق الطفل والأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة، مناهضة لعقوبة الاعدام. حائزة على جائزة صحافة حقوق الانسان للعام 2015 المقدمة من منظمة صحفيون لحقوق الإنسان ومعهد الإعلام الاردني. تعمل في مجال الصحافة المكتوبة منذ 12 عاما.

التعليقات

المقال التالي