برنامج إرادة: قصص نجاح لذوي الاحتياجات الخاصة في غزة

برنامج إرادة: قصص نجاح لذوي الاحتياجات الخاصة في غزة

أحياناً يمكن أن تصنع الإعاقة معجزات إذا ما اقترنت بإرادة صلبة. هذا هو حال شباب من قطاع غزة انتصروا لأنفسهم وللإبداع الكامن في داخلهم، بمساعدة من "برنامج إرادة" الذي انطلق عام 2012 بدعم تركي لتدريب وتشغيل 400 من ذوي الاحتياجات الخاصة.

في الأساس، ركّز المشروع على جرحى العدوان الإسرائيلي على غزة عام 2009. تنوعت الدورات التي يقدّمها للمستفيدين بين حرفية وأكاديمية وتم تشغيل 50% منهم.

مدير "إدارة" محمد المصري يتحدث عن تفاصيل المشروع

 

صعوبات وتحديات

سماح شاهين إحدى اللواتي استفدن من البرنامج تعاني من مشكلة في يدها اليسري تُفقدها التوازن وتؤثر على عملها. قالت لرصيف22: "التحقت بالبرنامج عام 2014 وخضعت لدورة تدريبية لمدة خمسة أشهر في الرسم على الخشب بواسطة الحاسوب، ثم بدأنا فعلياً تطبيق المادة النظرية، وبعد أن انتهينا رعت إرادة مشروعاً لي ولأحد زملائي في الدورة".

وأضافت: "صعوبات عدة واجهتنا في البداية كوننا لأول مرة نستخدم البرنامج الخاص بالرسم بواسطة الحاسوب، إضافة إلى استهجان ودهشة كل مَن يعرفني، فالبرامج المستخدمة بحاجة إلى تفكير دقيق ويستخدمها المهندسون، فكيف لمعاقة أن تنجح به؟". واستطردت: "هذه النظرة كانت جرعة يأس كافية لتُثنيني عن المواصلة لكني مع الوقت وبفضل دعم المشرفين على المشروع لم أستسلم كما كنت سابقاً، ومضيت حتى حققت ناجحاً باهراً في هذا المجال

شاهين بسيطة المظهر عميقة التفكير أثناء عملها. لفتت إلى أنها لم تكن قادرة على استيعاب المادة النظرية في البداية، وفي الاختبارات الأولى للدورة كانت أحياناً تحصل على صفر، حتى دفعها اليأس إلى التفكير بالانسحاب. لكن الإدارة رفضت وقرأت فيها قصة نجاح.

وتابعت: "مع الوقت، أصبحت الأولى على الطالبات". مع العلم أن شاهين أنهت دراستها الجامعية وحازت دبلوماً في الإدارة عام 2008، ولكنها كغيرها من شابات غزة وشبابها، انتظرت فرصتها في التوظيف، لكن الفرصة لم تأتِ وكانت إعاقتها سبباً رئيسياً كونها "إنسانة غير لائقة"، كما وصفها أحد أصحاب الشركات.

"شكراً إعاقتي"

تُصمم شاهين الشكل الهندسي على الكومبيوتر ثم تُصدر أمرها للآلة المرتبطة بالجهاز بالتنفيذ وتفريغ الشكل على الخشب. قالت: "بفضل الله ثم مشروع إرادة، أنا الآن أُصمم ديكورات هندسية للبيوت والمساجد والمؤسسات وهذا نجاح باهر افتخر به في المجتمع حتى أصبحت أقول في نفسي: شكراً لإعاقتي، فلولاها لما اكتشفت الإبداع الكامن في داخلي".

برنامج إرادة قصص نجاح لذوي الاحتياجات الخاصة في غزة - صورة 1

 

برنامج إرادة ساعدها أيضاً على تنمية شخصيتها. شرحت "أن المشروع جعلني أكثر اختلاطاً بالمجتمع والناس. قبله كنت أرغب في الانخراط بالمجتمع وأُصبح إنسانة كغيرها من اللواتي يعشن حياة غير ناقصة، لكن النظرة إليّ كإنسانة غير لائقة كانت شبحاً يقف أمامي كلما حاولت مواجهة قصور المجتمع تجاه فئة ذوي الاحتياجات الخاصة".

وتعاني عروبة عاشور (24 عاماً) من إعاقة بصرية جزئية رافقتها منذ ولادتها. قالت لرصيف22: "كنت على أعتاب التخرج من قسم المحاسبة في إحدى جامعات قطاع غزة، وحين سمِعت عن مشروع إرادة واستشرت محيطي، وجدت أنه أنفع لي، فالتحقت به لنيل دبلوم في المحاسبة المالية والمصرفية ثم تم اختياري للعمل في تعبئة بيانات على الكومبيوتر".

سلامة الفكر أولاً

وأكدت عاشور على ضرورة أن يواجه الإنسان صعوبات الحياة وألا يقف عند أول عقبة تواجهه، وقالت: "طموحي كان دراسة الصحافة والإعلام لكن طبيعة إصابتي منعتني من ذلك. لم أستسلم وبحثت عن تخصص آخر حتى وجدت نفسي ناجحة في المحاسبة".

برنامج إرادة قصص نجاح لذوي الاحتياجات الخاصة في غزة - صورة 2

بدئها العمل في قسم تعبئة البيانات على الكومبيوتر منحها شعوراً بالمسؤولية وأصبحت أكثر اندماجاً في المجتمع، وأكثر ثقةً بنفسها. والتأثير السلبي لقضائها ساعات طويلة أمام شاشة الكومبيوتر على نظرها لم يدفعها إلى الاستسلام فطلبت تجديد عقد عملها.

"شعور صعب أن تكون طوال حياتك سليماً ثم تُصبح فجأة رهينة لعكازين". بهذه الكلمات بدأ ناجي نصر (38 عاماً) حديثه. تعرض نصر لإصابة في قدمه إثر الأحداث التي دارت بين حركتي حماس وفتح عام 2007 ما أفقده جزءاً من ساقه اليمنى فاضطر للسفر إلى خارج غزة لإجراء عمليات جراحية.

قبل إصابته، كان نصر يعمل في شركة خاصة ويتقاضى راتباً عالياً. لكن بعد أن أصبح من ذوي الاحتياجات الخاصة، أجبرته الشركة على تقديم استقالته لأنه أصبح بنظرها "شخصية غير سوية وغير لائقة للعمل"، بحسب ما روى. وقال: "قرار الشركة كان أصعب القرارات عليّ. تخلّت عنّي في أشد الظروف، وهذا جعلني لا أثق بأحد وبقيت بين أربع جدران في غرفتي خمس سنوات لا أعرف النهار من الليل. حتى علاقتي بأبنائي لم تعد كما كانت سابقاً".

وأضاف: "سيطر عليّ اليأس لسنواتٍ طويلة بسبب الإصابة وبسبب نظرة المجتمع إليّ، إلى أن حدثني صديق لي عن برنامج إرادة كمحاولة منه لإخراجي من ظُلمة الحياة. وفعلاً توجهت إلى إرادة لتعلم مهنة النجارة. إدارة المشروع اختارت لي ورشة الحفر على الخشب. ومع مرور الوقت اكتشفوا موهبة الرسم لديّ حتى أصبح اسم الورشة الرسم والحرق على الخشب. وكنت أول شخصٍ رسم بالحرق على الخشب في برنامج إرادة".

برنامج إرادة قصص نجاح لذوي الاحتياجات الخاصة في غزة - صورة 3

صار الرسم بالحرق على الخشب من الهوايات التي يُمارسها نصر على أيّة قطعة خشبية ملقاة على قارعة الطريق ليحولها إلى لوحة فنية تستحق التأمل. حالياً، هو بصدد إقامة معرض خاص به يعرض فيه لوحات لثمانين شخصية لها بصمة خاصة على القضية الفلسطينية، وسيتنقّل هذا المعرض بين بضع دول. وقال: "لن أكون كاذباً إذا قلت إن إرادة أحيتني بعد أن قتلني يأس الإعاقة".

كلمات مفتاحية
غزة قصص نجاح

التعليقات

المقال التالي