جيل جديد من النسويات المصريات يتحدى المجتمع والدين

جيل جديد من النسويات المصريات يتحدى المجتمع والدين

في السنوات الأخيرة، لعبت الشابات المصريات أدواراً مهمة في إشعال الثورة وظهرن كناشطات بارزات داخل الحركات الثورية. سعى الكثير منهنّ إلى الانخراط في العمل النسوي مطالباً بحرية المرأة وبإلغاء التمييز ضدها، وظهر جيل جديد من النسويات المصريات (الفيمنست) أدرك أن الديكتاتور ليس فقط الحاكم المتسلط، ففي المجتمع مستويات عدّة من الديكتاتورية.

ثورة يناير لم تشهد أيّة مطالب خاصة بالمرأة واقتصرت مطالبها على تغيير النظام وبعض المطالب الاجتماعية العامة الأخرى. لكن مع مجيء المجلس العسكري وارتكابه انتهاكات ضد العديد من الناشطات من اعتداءات جنسية وتحرش، بدأت الناشطات يدركن مدى الأزمة التي يعشنها في مصر بسبب جنسهن.

دفع جديد للنسويات

دفع هذا الشعور بعضهن إلى الانضمام إلى حركات نسوية أو سلوك النضال النسوي الفردي، مثل منى التهامي، الناشطة التي تعرضت لاعتداء جنسي في نوفمبر 2011 من قبل قوات الشرطة، وحثها ذلك على دخول معركة جديدة مع المجتمع الذكوري وعلى مواجهة المنطق الديني المستخدم لقمع المرأة والهيمنة عليها.

الشابات المصريات يتحدين المجتمع والدين - النسويات المصريات

وفضلت بعض الناشطات العمل بشكل منفرد أو إنشاء حركات نسوية جديدة على الانضمام إلى حركات نسوية تقليدية. هذا هو حال فرح نبيل، الناشطة النسوية وصاحبة صفحة "Egyptian Feminist"، التي قالت لرصيف22: "اعتقد أن حركة الفيمنست تنمو في مصر كما أن الشعب أصبح أكثر وعياً بشأن ختان الإناث والتحرش الجنسي، ولكن لا يزال أمام المرأة المصرية طريق طويل".

في المقابل عملت حركات نسوية تقليدية موجودة منذ أعوام على تفعيل دورها أكثر من ذي قبل واستغلال الشهرة التي حققتها ناشطات في السياسة مثل إسراء عبد الفتاح وهند نافع وماهينور المصري، اللواتي حرّكن المياه الراكدة للدور النسوي في مصر. على ذلك، علّقت ماجدة سليمان، مديرة برنامج العنف ضد المراة في مؤسسة قضايا المرأة المصرية: "كان هناك دور بارز للنسويات في تفجير الكثير من الاحتجاجات خلال السنوات العشر الماضية. لكن خلال الأحداث السياسية الأخيرة استطاعت النسويات في حركات مثل كفاية و6 أبريل وتمرد أن يشاركن ويتصدرن مشهد الكثير من الأحداث".

النسويات والدين

تكمن الأزمة الكبرى التي تواجهها النسويات المصريات في المنطق السائد في المجتمع، والذي يعطي الرجل أفضلية على المرأة ويتعامل معها ككائن ثانوي. ويغذي الدين هذا الفكر الذكوري المهيمن ويبرّره. وأوضحت فرح نبيل: "الدين والنسوية من أكثر الموضوعات المثيرة للجدل في ظل تصاعد النسوية الإسلامية والعلمانية بتوازٍ. فغالبية الحركات النسوية تعتقد أن الأديان بشكل عام تعزز الفكر الذكوري، مثل الحث على ضرب الزوجة وخضوعها للرجل، وكذلك تعدد الزوجات في الإسلام"، وأضافت: "مع ذلك نرحّب بالمتدينات أو اللواتي يعتبرن أنفسهن فيمنست إسلاميات ما دمن داعيات إلى المساواة".

تنقسم النسويات بين اعتبار الدين سبباً في أزمات المرأة وبين اعتبار أن التفسير الديني المغلوط هو السبب. ولفتت فرح البرقاوي، الناشطة النسوية والعضو في "انتفاضة المرأة في العالم العربي"، إلى أنه "لا تنتمي جميع النسويات إلى مدرسة فكرية واحدة. بعض النسويات المسلمات على سبيل المثال لا يعتبرن أن هناك تعارضاً بين الدين الإسلامي وحقوق المرأة وهن يرتكزن بذلك على النص الديني ويخرجن منه ما يشير إلى مكانة المرأة المساوية للرجل في الحقوق والواجبات. مدارس نسوية أخرى في مصر تعتبر الدين ومؤسساته جزءاً لا يتجزأ من المنظومة الذكورية الطاغية في مجتمعاتنا والتي تعزز بدورها دونية المرأة وتبعيتها للرجل".

على سبيل المثال، ترى هاجر عثمان، التي تفضل أن تصف نفسها بأنها مناصرة للشؤون النسوية، أن الأزمة سببها التفسير الديني الخاطئ وليس الدين. وقالت: "الإسلام ليس مشكلة في وجه النسويات. فحينما قدم الرسول إلى المدينة أسند أدواراً للمرأة مساوية للرجل، لكن التفسير المجتمعي للدين خلق هذه الأفضلية"، مشيرةً إلى أن قوانين الدولة ساهمت في زرع هذه الأفضلية حيث لا يحاسَب مرتكب نفس الجرم بنفس العقاب، خاصة في ما يتعلق بالزنا.

صعود الحركات الإسلامية والنسوية 

أدى صعود الحركات الإسلامية من إخوان مسلمين وسلفيين خلال الأعوام الأخيرة إلى ظهور خطابات نسوية كردة فعل على المواقف التي اتخذتها هذه الحركات تجاه المرأة، خاصةً تشجيعها على ختان الإناث وتعزيز فكرة إلقاء اللوم على ضحية الاغتصاب أو التحرش الجنسي. وقالت فرح البرقاوي: "لا شك في أن صعود الحركات الإسلامية المتشددة ساهم في جذرية بعض الحركات النسوية تجاه الدين".

وأوضحت هاجر عثمان أن الإخوان خلال حكمهم شكلوا عائقاً كبيراً أمام النسويات اللواتي ناضلن في مواجهة حملات ختان الإناث في العديد من المناطق. وأشارت إلى دورهم في تصاعد الفكر الديني المتطرف الذي يعتبر المرأة "عورة" ويسعى إلى فرض قيود على لبسها وصوتها. وذكّرت بانتقادهم للفتيات اللواتي كنّ يخرجن في التظاهرات ضدهم بحجة عدم جواز اختلاط النساء بالرجال.

مما يشاع عن النسويات في مصر أنهنّ تكرهن الرجال وتسعين إلى منح المرأة أفضلية على الرجل والبحث عن حقوق لا يجيزها الدين الإسلامي. وعلّقت فرح نبيل: "هناك اعتقاد خاطئ بين الكثير من الناس بأن الفيمنست يكرهن الرجال ويبحثن عن الأفضلية لا المساواة. وهذا ليس حقيقياً. النساء لا يرغبن بالأفضلية وإنما يرغبن بتحقيق المساواة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية"، مشيرةً إلى أن هناك العديد من الرجال الذي ينشطون إلى جانبهم من أجل مساعدتهنّ لانتزاع هذه الحقوق.

ناشطات مستقلات وحركات تقليدية

هناك اختلاف كبير بين النسويات المستقلات وبين المؤسسات النسائية التقليدية. فالنسويات يفضلن التطبيق العملي لمبادئهنّ وتوجهاتهنّ في الحياة اليومية بعيداً عن التنظير. وأوضحت رانيا عوض، النسوية والناقدة الفنية: "المستقلة تواجه المجتمع بكل ما فيه من مصائب. هي تتقبل المجتمع وتواجه قمعه وتحاول أن تثبت له بتصرفاتها وأخلاقها وسعيها إلى النجاح ما تريده بدون تنظير. باختصار هي تطبق قناعاتها على نفسها وعلى محيطها".

وترى عوض أن الحركات النسوية لعبت دوراً واسعاً في مصر منذ عام 2005، إلا أن هذا الدور لا يزيد عن التنظير وليس مجدياً لقضية المرأة. وقالت: "الحركات النسوية هي مؤسسات نظرية ولا تطبق فكرها على الأرض. الشيء الجميل الذي تقوم به هو الإصدارات التي تقدمها، وكذلك مساعدتها نساء تعرضن للعنف. لكن هذا في الواقع لا يفيد فهي لا تخدم قضية المرأة في الشارع. إنها تكسب المال والشهرة دون أن تتعرض للقمع".

علياء المهدي وأزمة "فيمن"

أثار ظهور علياء المهدي وانضمامها إلى حركة "فيمن" اهتماماً كبيراً من المجتمع المصري ووسائل الإعلام. انقسمت النسويات المصريات حولها. وأوضحت فرح برقاوي: "للنسويات مواقف مختلفة من علياء المهدي".

وقالت هاجر عثمان: "ظهور علياء المهدي أضرّ بقضية النسويات في مصر إلى حد ما. فالصورة التي ظهرت بها هي نفسها التي تكرسها وسائل الإعلام في أفلامها ومسلسلاتها، والتي تؤكد عليها أيضاً الزوايا الإرهابية وعلى رأسها السلفيون وغيرهم ممن يهاجمون حقوق المرأة وحقوق الإنسان بصفة عامة. هؤلاء يقدّمون صورة مشوهة عن النسويات ويحاولون إظهارهنّ نساء منحلات يردن خلع الحجاب وتدخين السجائر وإقامة علاقات جنسية بحرية والتأخر في الليل خارج المنزل، وكل ما هو بعيد عن القضايا النسوية الحقوقية".

الكثيرات من نسويات مصر يرتدين الحجاب كما يعتبرن ارتداءه جزءاً من حريتهن وليس أمراً مفروضاً عليهن، حتى أنهن كن في الصفوف الأولى ضد دعوات خلع الحجاب التي أطلقها الصحافي شريف الشوباشي واعتبرنها تدخلاً في شؤونهن ومحاولة للتحكم بحريتهن.

وقالت رانيا عوض: "الكثير من الفتيات يرين أن الحجاب جزءٌ من حريتهن ما دمن يلبسنه بدون ضغوط، ومحاولة فرض خلعه عليهن تنتهك هذه الحرية".

وأضافت: "دائماً المرأة هي الجزء الضعيف في المعادلة. فحتى في الجانب السياسي، تركز السلطات على اعتقال الفتيات والناشطات بهدف القول للمجتمع أنهن خالفن التقاليد الموروثة وأنهن لا يحترمنه".

التعليقات

المقال التالي