الطريق أمام إلغاء عقوبة الإعدام في العالم العربي لا يزال طويلاً جداً

الطريق أمام إلغاء عقوبة الإعدام في العالم العربي لا يزال طويلاً جداً

شهد عام 2014 تنفيذ أحكام إعدام بحق مئات الأفراد في تسع دول عربية، في مقدمها المملكة العربية السعودية من حيث عدد المعدومين، فيما استمرّت باقي الدول العربية في إصدار قرارات الإعدام بدون تنفيذها.

في العالم العربي، تعدّ جيبوتي الدولة الوحيدة التي ألغت عقوبة الإعدام من قوانينها، فيما حصدت هذه العقوبة في العام الماضي حياة 250 محكوماً في كل من مصر والعراق والأردن والسودان والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية واليمن والصومال وفلسطين.

وجاء في التقرير الذي صدر في الأول من أبريل عن منظمة العفو الدولية، أنه خلال 2014 تم "تنفيذ 607 أحكام إعدام في 22 دولة حول العالم منها 250 عملية إعدام تم تنفيذها في تسعة دول عربية". وبحسب التقرير، فقد جرى تنفيذ 90 حكم إعدام في السعودية تلتها العراق 61، والسودان 23، واليمن 22، ومصر 15، والصومال 14، والأردن 11، وفلسطين 2 (من قبل سلطات حركة حماس في قطاع غزة) والإمارات العربية المتحدة عملية إعدام واحدة. وأفادت المنظمة أنّها لم تتمكن من التحقق من تنفيذ أحكام إعدام في كل من سوريا وليبيا.

في المقابل، تمارس أربع دول عربية تجميداً رسمياً لتطبيق العقوبة، هي لبنان والجزائر وتونس والمغرب، إذ لم تطبّق هذه العقوبة منذ أكثر من عقدين رغم استمرارها بإصدار أحكام الإعدام، فيما لم تسجّل الدول الأخرى كسلطنة عُمان والبحرين وقطر والكويت عمليات اعدام العام الماضي.

تفعيل عقوبة الإعدام مجدداً

يرى ناشطون في مجال مناهضة عقوبة الإعدام أن عام 2014 شهد "انتكاسة" في مجال مناهضة العقوبة عربياً، لا سيما بعد أن أعاد الأردن تفعيل العقوبة في الحادي والعشرين من ديسمبر الماضي بإعدام 11 محكوماً، بعد أن جمّدها نحو 8 سنوات.

لا تتوقف "الانتكاسات" عند دولة عربية واحدة بحسب منظمة العفو الدولية إذ استأنفت مصر تنفيذ العقوبة بعد 30 شهراً من تجميدها، فضلاً عن إصدار قرارات بإعدام مئات المواطنين عقب محاكمات وصفتها منظمات حقوقية بالمجحفة، وإصدار حكم بالإعدام على طفلين على الأقل. أما في اليمن، فقد وثّقت منظمات دولية إصدار أحكام بالإعدام على محكومين دون سن 18.

تعدّ المفوضية السامية لحقوق الانسان التابعة للأمم المتحدة عقوبة الإعدام "عقوبة قاسية ومهينة". فهنالك حالياً 140 دولة أعضاء في الأمم المتحدة، إما ألغت عقوبة الإعدام أو أوقفت تطبيقها، وما زالت 57 دولة تطبّقها، من بينها 14 تطبّقها على الأطفال.

وتعقيباً على ذلك، يقول الناشط في مجال حقوق الإنسان، رياض الصبح "يسير الاتجاه العالمي حالياً نحو إلغاء أو تجميد أو تقليص أكبر قدر ممكن للجرائم التي تطبق بها عقوبة الإعدام.. ولكن، للأسف، في المنطقة العربية تسير الأمور باتجاه معاكس"، ويشير الصبح إلى الوضع في الأردن الذي كان يسير نحو إلغاء العقوبة لكنّه عاد لتطبيقها تحت مبررات عدة كإعادة فرض هيبة الدولة ومواجهة الجريمة.

يستغرب الصبح تلك المبررات قائلاً "ليس هناك أي رابط بين هيبة الدولة والإعدام، كما أنّ معدلات الجريمة في الأردن لم ترتفع خلال السنوات الأخيرة". ويوضح أنّ "بعض الدول العربية تستخدم العقوبة لغايات سياسية. هذا الأمر يظهر جلياً في أحكام الإعدام الصادرة بحق أشخاص ينتمون إلى تيارات المعارضة في كل من مصر والعراق وسوريا". ويتابع “تستند الأنظمة العربية في محاولاتها لكسب الرأي العام في تطبيق عقوبة الإعدام إلى الجانب الشرعي ووجوب القصاص في الإسلام. ولكنها، من جهة أخرى، تتجاهل التفسيرات الدينية الأخرى التي توفر مخرجاً لذلك”.

في استطلاع للرأي أجراه مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية حول إعادة تفعيل عقوبة الإعدام، قال 81% من الأردنيين إنّهم يؤيدون تطبيق العقوبة، فيما اعتبر 18% أن عقوبة الإعدام غير إنسانية.

الإعدام، بين القصاص واللاإنسانية

يقول الباحث الاسلامي الدكتور حمدي مراد إنّ الاسلام حدّد عقوبة القصاص بشروط ثلاثة هي القتل المتعمّد وزنا المتزوج أو المتزوجة شرط وجود 4 شهود حددّها الشرع، إضافة إلى جريمة الترويع، أو ما يمكن أن نشير إليه بالإرهاب اليوم. وأحيطت كل جريمة بشروط معقدة لتمنع إيقاع عقوبة الإعدام بالجاني. ويضيف أنّ المطالبة بإلغاء العقوبة لا يُقصد منها التهاون في العقوبة وليس التسامح مع المجرم. "ولكن، حينما نرى أنّ الجرائم التي تقضي بالإعدام في العالم وصلت إلى مئات الجرائم وفق النصوص القانونية، في حين حصرها الإسلام بـ3 جرائم، فكيف نقبل بالظلم".

يوضح الخبير القانوني الدكتور محمد علوان "حتى الآن، لا توجد قاعدة دولية عرفية تحظر الإعدام أو تعامله معاملة التعذيب، إلا أنّ المتّفق عليه في القانون والتشريعات الدولية هو أنّ عقوبة الإعدام تندرج ضمن المعاملة القاسية واللاإنسانية". ويتساءل "هل نستطيع توفير ضمانات المحاكمة العادلة بشكل تام"، مضيفاً "واقع الحال عالمياً أظهر وجود حالات تمّ بها الحكم وتبيّن لاحقاً أن الأحكام الصادرة لم تكن سليمة".

وكانت منظمة العفو الدولية قد أشارت في تقريرها السنوي إلى أنّه في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، قامت المحاكم بمقاضاة المتهمين وبإدانتهم من دون اعتبار يذكر للإجراءات الواجبة، فارضةً في كثير من الأحيان أحكاماً بالسجن لمدة طويلة وأحياناً الإعدام، استناداً إلى "اعترافات" ملطّخة ببصمات التعذيب، وبتهم فضفاضة وغامض. وبحسب المنظمة، أصدر أحد القضاة في مصر أحكاماً أولية بالإعدام ضد مئات اتهموا بالمشاركة في هجمات دموية على مراكز للشرطة، عقب محاكمتين شابتهما أوجه قصور أساسية.

الأردن

بعد إعادة تفعيل عقوبة الإعدام، شهد الأردن آخر تنفيذ لها بحق ساجدة الريشاوي المدانة بالمشاركة في تفجيرات فنادق عمان عام 2005 وزياد الكربولي، أحد عناصر تنظيم القاعدة في العراق. وجاء تنفيذ الحكم بالمدانين بعد ساعات من نشر تنظيم الدول الإسلامية (داعش) لفيديو إعدام الطيار الأردني معاذ الكساسبة حرقاً في الثالث من فبراير الماضي.

العراق

استمرت المحاكم في فرض عقوبة الإعدام على مجموعة من الجرائم. وأدين معظم المتهمين بجرائم تتعلق بالإرهاب. في أبريل الماضي، أعلنت وزارة العدل أنّ هناك 600 سجين محكوم عليهم بالإعدام في سجن الناصرية وحده، حيث تم تجهيز السجن بمعدات إعدام جديدة. وفي أغسطس الماضي، قال وزير العدل إن 1,724 سجيناً ينتظرون تنفيذ حكم الإعدام فيما واصلت السلطات تنفيذ عدد كبير من أحكام الإعدام.

مصر

إلغاء عقوبة الإعدام في العالم العربي .. الطريق لا يزال طويلاً جداً - مصر

استُخدمت أخيراً عقوبة الإعدام بمعدل غير مسبوق إذ أصدرت المحاكم أحكام الإعدام غيابياً في كثير من الأحيان. وكان معظم المحكوم عليهم قد أدينوا بالاشتراك في أعمال العنف خلال الاضطرابات السياسية التي وقعت في 2013. ومن بين هؤلاء عدد وافر من أعضاء ومؤيدي جماعة "الإخوان المسلمون"، كما أعيد تنفيذ العقوبة بحق العشرات من المحكومين بعد تجميدها 30 شهراً.

فلسطين

استمر تطبيق عقوبة الإعدام على مرتكبي جرائم القتل وغيرها من الجرائم. ولم يعلن عن عمليات إعدام في الضفة الغربية. ولكن في غزة، أصدرت المحاكم العسكرية ومحاكم الدرجة الأولى التابعة لسلطة حماس أحكاماً بالإعدام على ما لا يقل عن ثمانية بتهمة القتل. وفي مايو الماضي، أعدمت سلطات غزة رجلين كان قد حُكم عليهما بالإعدام بتهمتي الخيانة العظمى والقتل، فضلاً عن تنفيذ عشرات الإعدامات خارج إطار القضاء لأشخاص اتهموا بالعمالة لمصلحة اسرائيل، تلك الإعدامات تمت بشكل رئيسي على يد كتائب الشهيد عز الدين القسام.

الإمارات العربية المتحدة

استمرت المحاكم في إصدار أحكام بالإعدام، هي بغالبيتها عقاب على جرائم قتل. وفي يناير الماضي، أعدمت السلطات في إمارة الشارقة مواطناً من سريلانكا رمياً بالرصاص. وفي الشهر التالي، أعلن رئيس الدولة وقف تنفيذ جميع أحكام الإعدام القائمة بسبب جرائم قتل، وذلك لإتاحة الفرصة أمام السلطات للاتصال بأهالي الضحايا ومعرفة ما إذا كانوا يقبلون "الدية" عن أقاربهم الذين قُتلوا.

السعودية

إلغاء عقوبة الإعدام في العالم العربي .. الطريق لا يزال طويلاً جداً - السعودية مظاهرة إندونيسية اعتراضاً على إعدام السعودية لعاملة أجنبية من إندونيسيا

واصلت المحاكم فرض عقوبة الإعدام على مجموعة من الجرائم، وبعضها لا تنطوي على العنف، مثل "الشعوذة" والزنا وجرائم المخدرات، وفي كثير من الأحيان عقب محاكمات جائرة. وزعم بعض المتهمين، بما فيهم مواطنون أجانب يواجهون اتهامات بالقتل، أنهم تعرضوا للتعذيب أو غيره من صنوف الإكراه أو التضليل للإدلاء باعترافات كاذبة أثناء احتجازهم السابق للمحاكمة. ونفذت السلطات العشرات من عمليات الإعدام، العديد منها بقطع الرأس أمام الملأ. وبين من نفذ فيهم حكم الإعدام سعوديون وأجانب.

سلطنة عُمان

أبقت عمان على عقوبة الإعدام بالنسبة لجريمة القتل المتعمد وجرائم أخرى. وفي يونيو الماضي، أقر مجلس الدولة العماني مقترحات توسيع نطاق العقوبة ليشمل جرائم الاتجار بالمخدرات. ولم ترد أي أنباء عن تنفيذ إعدامات.

اليمن

إلغاء عقوبة الإعدام في العالم العربي .. الطريق لا يزال طويلاً جداً - اليمن خلال إعدام يحيى الرغوة (22 عاماً) في سجن صنعاء المركزي، بتهمة اغتصاب وقتل طفل

استمر تطبيق عقوبة الإعدام على عدد كبير من الجرائم وواصلت المحاكم إصدار أحكام بالإعدام كما استمر تنفيذها. ومن بين السجناء المحكوم عليهم بالإعدام، عشرات أُدينوا بجرائم ارتكبوها وأعمارهم دون 18 عاماً.

تونس

ظلت عقوبة الإعدام سارية المفعول بالنسبة للقتل المتعمّد وجرائم أخرى. ولم تنفذ أي أحكام بالإعدام منذ 1991، ولكن حُكم بالإعدام على شخصين على الأقل، وتم تخفيف حكم الإعدام على ثلاثة سجناء خلال العام الفائت. وفي نوفمبر الماضي، صوتت تونس لمصلحة قرار للجمعية العامة للأمم المتحدة دعا إلى وقف عالمي لتنفيذ عقوبة الإعدام.

المغرب

أصدرت المحاكم ما لا يقل عن تسعة أحكام بالإعدام، ولم يُنفذ أي منها. وواصلت السلطات وقف تنفيذ أحكام الأعدام القائم بحكم الواقع الفعلي منذ عام 1993 ولكن لم تُخفف أحكام الإعدام إلى أحكام بالسجن عن أي من المحكوم عليهم. وفي أكتوبر الماضي، امتنع المغرب عن التصويت على قرار للجمعية العامة للأمم المتحدة يدعو إلى وقف تنفيذ أحكام الإعدام على مستوى العالم.

ليبيا

استمر فرض عقوبة الإعدام على عدد كبير من الجرائم. ولم يُبلّغ عن تنفيذ أية أحكام بالإعدام خلال سنة 2014.

الصومال

واصل الصومال تطبيق العقوبة برغم دعم قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في 2012، وهو قرار يحظر عقوبة الإعدام. وفرضت المحكمة العسكرية العديد من الأحكام التي غالباً ما استهدفت أعضاء في جماعات المعارضة الصومالية المسلحة مثل "الشباب" وجنود وأشخاص أدينوا بجريمة القتل المتعمّد.

نشر هذا الموضوع على الموقع في 10.04.2015

نادين نمري

صحفية أردنية متخصصة في صحافة حقوق الإنسان، لديها اهتمام خاص بقضايا الحريات الدينية والأقليات في الشرق الاوسط، والجندر وحقوق الطفل والأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة، مناهضة لعقوبة الاعدام. حائزة على جائزة صحافة حقوق الانسان للعام 2015 المقدمة من منظمة صحفيون لحقوق الإنسان ومعهد الإعلام الاردني. تعمل في مجال الصحافة المكتوبة منذ 12 عاما.

التعليقات

المقال التالي