الأردن ومحاولاته لمكافحة الاتجار بالبشر

الأردن ومحاولاته لمكافحة الاتجار بالبشر

قدمت سلوى من سوريا إلى عمّان بحثاً عن فرصة عمل تُعيلها وأفراد عائلتها. نجحت بعد جهد من توقيع عقد عمل بفضل أحد السماسرة، وراحت تعمل مضيفة في أحد المقاهي. عندما وصلت سلوى وهي في العشرين من عمرها إلى عمان، حجز لها السمسار في أحد فنادق العاصمة وأخذ جواز سفرها وطلب منها التوقيع على مبالغ مالية كبيرة. بعد اتمام هذه الإجراءات، وجدت سلوى نفسها إحدى ضحايا الاتجار بالبشر، الذي هو واحد من أكبر أنواع التجارة في العالم بعد تجارة السلاح والمخدرات. أجبرت سلوى، بحسب مكرم عودة، مديرة مأوى ضحايا الاتجار بالبشر التابع لإتحاد المرأة الأردني، على العمل في النوادي الليلية والدعارة لبضعة أسابيع.

تقول عودة لرصيف22 "إنه بعد فترة، اتصل أحد إخوتها بنا فقمنا بمتابعة الحالة. تمّ القبض على السمسار وتزويد الفتاة بمأوى ثم عملنا على ارجاعها إلى موطنها". تضيف عودة أنّ إحدى أولى الحالات التي تعامل معها المأوى تعود إلى العام 2007، وكانت فتاة مصرية تدعى إيمان، قادمة من أرياف مصر ومن عائلة فقيرة. تزوّجت إيمان من شاب أردني الجنسية وانتقلت للعيش معه في الأردن. ولكنها عند وصولها إلى عمان، اكتشفت أنّها ليست زوجته الأولى وقام بتمزيق جواز سفرها وأجبرها على التسوّل في الشوارع. بعد اكتاشف قصتها، أبلغ بعض الأشخاص من الحي عنها الجهة المختصة، وتمّ التواصل معها ونجحت جهود المأوى في إعادتها إلى مصر.

بحسب عودة، تعتبر هاتين الحالتين من بين حوالى 600 حالة اتجار بالبشر تعامل معها الأردن منذ عام 2007 حتى الآن، غالبية ضحاياها من الجنسية الفلسطينية والسورية والمغربية والمصرية، بالإضافة إلى الأردنيات. غالباً ما تكون معظم الضحايا من النساء، وتشمل حالات الاتجار استغلال القاصرات وطلب ممارسة الجنس معهن مقابل تشغيلهن.

الأردن مقصد وبلد عبور التجار

بحسب آخر تقرير أصدرته الخارجية الأمريكية حول الاتجار بالبشر (2014)، يعدّ الأردن مقصداً للاتجار بالبشر، فضلاً عن اعتباره بلد عبور للاتجار بالبالغين والأطفال بهدف العمل القسري وتجارة الجنس. وقد أوصى التقرير بضرورة تعزيز الجهود الاستباقية في الأردن من خلال تحديد ضحايا الاتجار بالبشر المحتملين وتوفير المأوى لهم، وتوفير ضمانات لعدم معاقبة الضحايا جراء الأفعال غير القانونية التي قاموا بها بسبب كونهم ضحايا اتجار بالبشر. وطالب كذلك بضمان استفادة الضحايا من الخدمات القانونية والاجتماعية وتوفير خدمات الحماية، والقيام بحملة توعية وتثقيف للعمال المهاجرين بحقوقهم لا سيما مواضيع العمل القسري والمعاملة اللائقة لعاملات المنازل وفق القانون الأردني.

تعتبر الناشطة في مجال حقوق الانسان ختام ملكاوي أنّه يجب العمل على تكثيف الجهود لتحسين وضع الأردن في التقارير العالمية في هذا المجال. وقالت لرصيف22، إنّ الاردن يجب أن يفي بالتزاماته الدولية في هذا المجال، لا سيما أنّ المملكة وافقت على أربع توصيات متعلقة بالاتجار بالبشر من بين توصيات مجلس حقوق الإنسان خلال الاستعراض الدوري الشامل عام 2013. وتشمل التوصيات الأربع كل ما يتعلق بالاستغلال الاقتصادي والجنسي وزواج القاصرات واستغلال المرأة، على أن يتم استعراضها خلال المراجعة الدورية الشاملة لمجلس حقوق الإنسان بتقرير وطني عام 2017. ذلك عدا كونها من بين الدول الأوائل التي أقرّت قانون منع الاتجار بالبشر عام 2009.

جهود مبذولة وإنما مبعثرة

اعتبرت عودة أن الأردن قطع أشواطاً كبيرة في مجال مكافحة الاتجار بالبشر، إذ نجد حالياً العديد من مراكز الإيواء والعديد من البرامج للتعامل مع الضحايا. وفي هذا السياق، أعلن وزير العمل نضال القطامين أنّ الأردن بادر إلى إنشاء وحدة خاصة لمكافحة الاتجار بالبشر منتصف عام 2012 وفق مذكرة تفاهم بين وزارة العمل ومديرية الأمن العام.

وقال الوزير إنّ الوحدة تعاملت عام 2014 مع 210 حالات يُشتبه بتعرّضها لجرائم الإتجار بالبشر عبر إيوائها في المراكز المعتمدة وتقديم المساعدة اللازمة مقارنة مع حوالى 52 حالة من الضحايا المحتملين لهذه الجريمة عام 2013 مشدداً على عزم الحكومة المضي قدماً في هذه الجهود.

وكان الأردن قد تبنّى سابقاً العديد من التشريعات في سعيه للحدّ من الاتجار واستغلال البشر. فقد تضمن قانون العقوبات الأردني الرقم 16 لعام 1960 وتعديلاته نصوصاً قانونية وعقوبات عدة تعالج بعض المواضيع التي قد لا ترتقي إلى درجة الاتجار بالبشر كحرمان الحرية والجرائم المتعلقة بالزواج والاغتصاب ومواقعة القاصر وهتك العرض والخطف وإيذاء الأشخاص والبغاء وغيرها.

وتتناول المادة 153 تشديد العقوبة على مرتكب جريمة تهريب الأشخاص حتى وصلت إلى الحبس سنتين على الأقل أو عقوبة الأشغال الشاقة المؤقتة وذلك لضمان الردع في مجال تهريب الأشخاص وسلامة الأراضي الأردنية من حالات الدخول أو الخروج غير الشرعي منها وإليها. وردت أيضاً نصوص قانونية أخرى في قانون العقوبات مثل 310 و311 و316 و317 و318 المتعلقة بتحريض أو إجبار أنثى على ممارسة البغاء، بالإضافة إلى نصوص الاستغلال مثل 293 و294 والنصوص الخاصة بالخطف إذ إنّها تتقاطع مع عدد من الأفعال الموصوفة في تعريف جريمة الاتجار بالبشر، كذلك النصوص التي تجرم أفعالاً تندرج ضمن الاتجار بالبشر مثل الحرمان من الحرية (346) والتسخير للتسول (389) واغتصاب التوقيع (414).

ولكن برغم سن التشريعات الوطنية والمصادقة على الاتفاقيات الدولية التي تحارب الاتجار بالبشر، فإن غياب حملات التوعية الكافية يجعل احتواء المشكلة صعباً. تؤكد رئيسة الجمعية الأردنية لمكافحة الأشكال الحديثة للعبودية والاتجار بالبشر، العين تغريد حكمت، أنّ هنالك حاجة للمزيد من التوعية من خلال الطرق غير التقليدية ومواقع التواصل الاجتماعي للوصول لعدد أكبر من الناس، مشددةً على ضرورة وجود تعاون بين مختلف الدول العربية للتوعية بشأن خطورة تلك الجرائم، لا سيما البلدان التي تكثر فيها حالات كهذه، بالإضافة إلى العمل والتنسيق بين منظمات حقوق الانسان وجمعيات المرأة في الدول العربية، لكون غالبية الضحايا هنّ نساء.

نشر هذا الموضوع على الموقع في 17.04.2015 

التعليقات

المقال التالي