ما الذي حدث للكرة البرازيلية؟

ما الذي حدث للكرة البرازيلية؟

مرت الذكرى الثالثة عشر لإحراز البرازيل آخر ألقابها في بطولة كأس العالم (2002)، بطريقة لم يكن أشد المتشائمين من عشاق السيليساو يتوقع حدوثها. فالمنتخب الذي ضم في صفوفه آنذاك "إمبراطورية حرف الراء" إلى جانب عدد من النجوم، يبحث الآن عن قلب هجوم جيد يستطيع مساندة نيمار Neymar الذي يغرد وحيداً رغم زلاته، أو يعيد جزءاً من البريق الذي اختفى بعد اعتزال الفينومينا رونالدو Ronaldo.

 

خروج المنتخب البرازيلي من ربع نهائي بطولة أمريكا الأخيرة بعد أداء لا يقل سوءاً عن الذي قدمه أبناء دونغا Dunga ومن قبله سكولاري Scolari في كأس العالم، دق ناقوس الخطر بشكل جدي، لافتاً إلى أن فضيحة الأهداف السبعة أمام أبطال العالم العام الماضي، لم تكن حادثاً عرضياً.

في كأس العام 2002، امتلك المنتخب البرازيلي تشكيلة مرعبة ضمت كلاً من رباعي الرعب (رونالدو Ronaldo – ريفالدو Rivaldo – رونالدينهو Ronaldinho – روبيرتو كارلوس R.Carlos)، مع عدد من النجوم أمثال كافو Cafu ودينلسون Denílson وجونينهو Juninho وكاكا Kaka وجيلبيرتو سيلفا Silva. أسماء ضمنت للبلاد التي تتنفس كرة القدم مع رائحة القهوة، لقبها العالمي الخامس بقيادة سكولاري، بعد وصول ثالث على التوالي للمباراة النهائية، في تكرار للإنجاز الألماني في الثمانينيات.

بعد المونديال الآسيوي، عاد بطل العالم 94 كارلوس ألبيرتو بيريرا Parreira لقيادة المنتخب، ففشل في الاستحقاق العالمي الأول عندما خرج من دور المجموعات في بطولة كأس القارات 2003، قبل أن يتوج بكوبا أمريكا 2004 على حساب الغريم التقليدي الأرجنتين (ركلات جزاء)، ويتبعه بفوز ساحق في نهائي كأس القارات 2005، على حساب الأرجنتين أيضاً (4-1).

زادت هذه الألقاب من حماسة البرازيليين الذين استبشروا بتأهل رابع على التوالي لنهائي المونديال، وعزز هذا التفاؤل وجود نجوم أمثال رونالدو ورونالدينهو وروبيرتو كارلوس وكاكا وروبينهو Robinho وأدريانو Adriano، لكن زيدان Zidane وهنري Henry كان لهما رأي آخر، عندما تعاونا على إخراج البرازيل من الدور ربع النهائي.

في العام التالي، مارس البرازيليون هوايتهم في هزيمة أبناء التانغو في نهائي كوبا أمريكا 2007، وعلى عكس المتوقع انتهت المباراة بثلاثية بيضاء، تلتها ثلاثية أخرى في مرمى المنتخب الأمريكي في نهائي كأس القارات 2009.

التألق القاري الذي أكمله دونغا بعد خلافته لبيريرا، رافقه استمرار بالتراجع على صعيد بطولة العالم، إذ خرج المنتخب البرازيلي للمرة الثانية على التوالي من ربع النهائي، وكانت هذه المرة على يد الهولنديين، لتنتهي مهمة دونغا ويحل محله مانو مينيزس Menezes.

 

المدرب الجديد حاول إحداث ثورة في المنتخب، فقام باستدعاء تشكيلة جديدة خلت من اللاعبين الذين خاضوا المونديال الإفريقي باستثناء روبينهو وداني ألفيس Alves وتياغو سيلفا Thiago Silva وراميريز Ramires، لكنه اصطدم رغم ذلك بخروج مفاجئ أمام البارغواي في ربع نهائي كوبا 2011، بعد أن فشل لاعبوه في تسجيل أية ركلة ترجيحية.

أقيل مانو بعد سلسلة من الانتقادات التي لم تر فيه المدرب القادر على قيادة زعماء العالم في المونديال الذي سيستضيفونه على أرضهم، واستعاض البرازيليون عنه بسكولاري الذي قادهم للمجد العالمي الخامس عام 2002. في ذلك الوقت احتلت البرازيل المركز 22 في ترتيب الفيفا، وهو الأسوأ في تاريخها.

وبحكم العادة، تمكنت البرازيل من الوصول إلى نهائي كأس القارات 2013، وسحقت بطل العالم الإسباني بثلاثية، وقدم نيمار نفسه نجماً جديداً ووحيداً للبرازيليين الذين ودعوا أساطيرهم واحداً تلو الآخر، دون أن يأتي بعدهم من هو أهل لخلافتهم.

غياب النجوم عن المنتخب الذي اعتاد أن يكون مدرسة تخرج العشرات منهم، زاد من مسؤولية نيمار بشكل كبير، ليكون غيابه عن نصف النهائي سبباً رئيسياً بالخسارة الأكبر في تاريخ أبناء الماركانا.

استقبل البرازيليون الخسارة الكارثية بتكرار السيناريو، حيث أقالوا سكولاري وأعادوا دونغا الذي زاد من حجم المسؤولية الملقاة على نيمار بمنحه شارة القيادة، ليخرج وحيداً من الباب الضيق لكوبا 2015 بسبب سوء السلوك، ويتبعه المنتخب كاملاً بعد الخسارة في ربع النهائي أمام البارغواي.

لم تختلف آراء المحللين ووسائل الإعلام حول الأسباب التي أدت إلى انحدار الكرة البرازيلية بهذا الشكل، فالكل أجمع على أن الأمر ليس مقتصراً على الاتحاد المنغمس بالفساد شأنه شأن الفيفا، بل متعلق أيضاً بتواضع مستوى المدربين قياساً على التطور المتسارع لكرة القدم، إلى جانب غياب المواهب وأفول النجوم بشكل غير مسبوق.

المدرب دونغا الذي تم تجديد الثقة به، قال عقب وداع منتخبه للبطولة، إنه حصل مع لاعبيه على درس مهم قبل انطلاق التصفيات المونديالية التي بدأ البرازيليون بالتخوف منها بسبب غياب نيمار عن المباراتين الأوليين، فيما أكد المدافع تياغو سيلفا على ذلك بالقول إن التصفيات ستكون واحدة من أكثر المنافسات صعوبة على الإطلاق.

ولم تجد صحيفة "لانسي" Lance البرازيلية ما يطمئن في كلام لاعبي المنتخب ومدربه، فطالبت بالعمل وفق فلسفة جديدة وعدم انتظار حصول سقطات أخرى قد تكلف المنتخب التأهل للمونديال المقبل، ونقلت عن المدرب الأرجنتيني المتوج بكأس العالم سيزار مينوتي قوله إنه لم يسبق له مشاهدة البرازيل بهذا السوء الذي شاهده في كوبا 2015. أما المحلل الكروي جوكا كفوري Juca Kfouri فقال في مقال له في صحيفة فولها دي ساو باولو Folha De S.paulo، إن خروج البرازيل بركلات الترجيح لا يخفي حقيقة أن المنتخب يفتقر إلى كل شيء، إلى لاعبين ومدرب وقائد.

وفي ظل غياب النجوم، وعدم وجود أية بوادر لظهور شبان قادرين على إعادة الألق للكرة البرازيلية، يرى معظم المتابعين لكرة السامبا، أن أسرع حل لإيقاظ البرازيل من كبوتها، هو الاستغناء عن المدرب المحلي واستقدام مدرب أجنبي أوروبي للمرة الأولى في تاريخ المنتخب.

ومع وجود أسماء تشهد لها المحافل الأوروبية بحسن أدائها، فإن الفكر الذي يحمله الداهية البرتغالي جوزيه مورينيو Mourinho قد يكون الأنسب للبرازيليين الذين حاولوا التعاقد معه بعد نهاية مونديال 2014 دون أن ينجحوا بسبب تمسكه بالبقاء مع تشلسي، وهذا سيؤخر إعادة البسمة إلى شفاه المشجع البرازيلي الشهير كلوفيس أكوستا فيرنانديز Clovis Acosta Fernandes بعد أن فقدها منذ عام 2002، على اعتبار أن حاملي إرث بيليه لا يرضيهم إلا التربع على عرش كرة القدم العالمي.

كرة القدم البرازيلية .. ما الذي حدث للكرة البرازيلية؟

عمر قصير

صحافي سوري مقيم في تركيا، مساهم في عدد من وسائل الإعلام السورية المكتوبة والمرئية. متخصص في الشؤون الرياضية.

كلمات مفتاحية
رياضة كرة القدم

التعليقات

المقال التالي