الشيعة في مصر: شعور بالاضطهاد وطموحات اجتماعية وسياسية

الشيعة في مصر: شعور بالاضطهاد وطموحات اجتماعية وسياسية

تُسلَّط الأضواء على الوجود الشيعي في مصر بين آونة وأخرى وفقاً للتطورات التي تظهر على الساحة، سواء خلال المناسبات الدينية الخاصة بهم والتي قد تؤدي إلى بعض المناوشات مع المتشددين من السنّة، أو حينما يطرأ موقف ما على الساحة السياسية يمسهم بشكل أو بآخر، مثل الحرب الأخيرة في اليمن.

ولعل قضية مقتل الزعيم الشيعي المصري حسن شحاتة تعد أحدث الوقائع التي تعيد إلى الضوء النظر في أوضاع الشيعة في مصر كأقلية دينية. فقد حكمت إحدى المحاكم المصرية، خلال الشهر الجارى، بالسجن المشدد 14 عاماً لـ23 شخصاً بتهمة قتل شحاتة وثلاثة من أتباعه عمداً، بعد توجههم، في يونيو 2013، إلى مكان وجودهم وإجبارهم على الخروج من المنزل وضربهم وطعنهم بالأسلحة البيضاء حتى الموت، في ما عرف إعلامياً بقضية "فتنة الشيعة".

بدايات الشيعة في مصر

بدأ النشاط الشيعي في مصر في منتصف الأربعينيات من القرن الماضي، واستمر حتى السبعينيات. وظهرت في تلك الفترة جمعية "آل البيت" التى تُعدّ أبرز الجمعيات الشيعية وما زالت تعمل حتى الآن. ويدين العدد الأكبر من الشيعة المصريين بالمذهب الجعفري أو "الإثني عشري" والذي يعترف به الأزهر.

وقال صالح الورداني في كتابه "الشيعة في مصر" إنه مع بدايات الثمانينيات أثّر نجاح الثورة الإسلامية في إيران على موقف الحكومة المصرية من الشيعة في مصر، فصار يراوح بين التربص بهم وحصارهم إعلامياً، نظراً لأن السلطة المصرية كانت تتخذ موقفاً معادياً من الثورة آنذآك.

أما عن أعداد معتنقي المذهب الشيعي في مصر، فمن الصعب التوصل إلى إحصاء دقيق، إذ لم تصدر إحصاءات رسمية من قبل أيّة مؤسسة حكومية. ولكن آخر تقرير صدر عن مركز ابن خلدون للأبحاث بالقاهرة قدّر عددهم بنحو 700 ألف، فيما يصرح عدد من قادة المذهب الشيعي في مصر بأن العدد يزيد عن ذلك بكثير ويصل إلى نحو مليون ونصف المليون.

اتهامات بنشر التشيع وتلقي تمويل خارجي

يعاني الشيعة في مصر من هجوم دائم عليهم من قبل بعض الجماعات المتشددة التي تكيل لهم اتهامات متكررة بالسعي إلى التوغل داخل البلاد ونشر التشيع، وبأنهم يتخذون بعض الطرق الصوفية غطاءً لهم، بالإضافة إلى اتهامهم بالتعاون مع إيران وتلقي التمويل منها لتحقيق أغراضها.

وفي هذا السياق، اعتبر المفكر المصري الشيعي البارز أحمد راسم النفيس أن هذه الاتهامات مغرضة وعارية تماماً من الصحة، وقال لرصيف22: "التمويلات تغرق العالم العربي والإسلامي، وليس هناك ما هو أسهل من توجيه الاهتامات الباطلة، وحتى وإن صحّت، فمن حق أيّة دولة أن تدعم فصيلاً ترى أن حقه مهضوم".

وجدير بالذكر أن شيخ الأزهر الإمام الأكبر أحمد الطيب، صرح قبل أيام أن "الأزهر لا يمكنه أن يقف مكتوف الأيدي أمام ترويج قضايا تطعن مباشرة في عقيدة أهل السنة". وبعد حديثه عن خلاف السنّة والشيعة حول "عدالة الصحابة" مفصلاً أن "أهل السنة يعتقدون أن الصحابة عدول، والشيعة للأسف الشديد ينكرون هذه القضية... وأحياناً هذا النقد يؤدي بالغلاة والمتطرفين منهم إلى الجرأة على تكفير صحابة الرسول"، أكّد أن طرحه هذا الموضوع في هذا التوقيت سببه أنه "كثر علينا الهجوم من التبشير الشيعي".

وعن حالة الاضطهاد التي يشعر بها الشيعة في مصر، قال النفيس: "هناك بالفعل حالة من الشك والارتياب بين أبناء المذهب، لكنها ليست بالشيء الجديد، فهي موجودة منذ 40 عاماً"، لافتاً إلى أن "هناك من

يرشق الشيعة بالأكاذيب مثل الحديث عن أن كتبهم سرية، أو أن عقيدتهم لا تتماشى مع الدين، بل نجد أن مثل هذه الأقاويل تصدر عن رجال من المفترض أنهم هامات دينية مثل شيوخ أزهريين وغيرهم". وأضاف: "هناك حالة من عدم تقبل الآخر بشكل عام ليس في مصر فقط، بل في العالم العربي كله، وذلك على الرغم من أن هناك فئة ليست بالقليلة مؤمنة بأن الدين لله والوطن للجميع".

وعن النظرة السياسية لأوضاع الشيعة في مصر، يكشف النفيس أنه كانت هناك محاولات من جانب الخارجية المصرية، وخاصة وزير الخارجية أحمد أبو الغيط، للتقارب مع إيران في عهد الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، إلا أن الأخير كان يرفضها خشية إغضاب ملك السعودية، في حين أن الشيعة كانوا يمارسون حياتهم وطقوسهم في المناسبات المختلفة بشكل طبيعي.

ويهتم النفيس خلال حديثه بالحرب الأخيرة في اليمن، والتي أثارت جدلاً كبيراً بين صفوف الشيعة في مصر، وأدانها قادة المذهب معتبرين أنها عدوان سعودي على الشعب اليمني. ويرى النفيس أن هناك حالة من الاهتمام الشديد والخوف من جانب السعودية في ما يتعلق بالشأن الشيعي في مصر، وأن السعودية تحاول مدّ سيطرتها ونفوذها داخل البلاد عن طريق تمويل العديد من الرموز الدينية والإعلامية المصرية، لافتاً إلى أن الوثائق الأخيرة التى كشف عنها موقع "ويكيليكس" أصدق دليل على ذلك.

طموحات الشباب الشيعي

أثرت التغييرات التي تعاقبت على الساحة السياسية المصرية في الفترة الأخيرة، تحديداً بعد ثورة 25 يناير 2011، على الشيعة. وقال إسلام الرضوي، المتحدث باسم شباب الشيعة في مصر، لرصيف22: "بعد صعود الإخوان إلى الحكم في مصر كانت هناك هجمة شرسة من جانب الجماعات السنية المتطرفة على متبعي المذهب الشيعي، بدءاً من التحريض العلني ووصولاً إلى التهديدات المباشرة بالقتل، فيما لم تحاول السلطات في ذلك الوقت التدخل لإنهاء ذلك".

وأضاف الرضوي: "في الفترة الحالية، وبعد سقوط الجماعة أصبح الوضع أفضل نسبياً"، موضحاً أن الحكومة الحالية لديها طموحات وتريد إثبات نفسها وعدم التورط مع تيار بعينه، وقال: "هناك المزيد الذي يمكن فعله، حيث يوجد العديد من الحقوق الضائعة للشيعة من بلاغات ضد متشددين وغيرها، ولم يتم التحرك بشأنها حتى الآن".

وفي ما يتعلق بالتحرك الشيعي على الساحة السياسية، توقع الرضوي أن يكون هناك نشاط للكوادر الشيعية في المرحلة المقبلة، سواء من خلال البرلمان أو المؤسسات المختلفة، مشيراً إلى أن "هناك مؤشرات على ذلك، مثل إعلان المستشار البارز الدمرداش العقالي، المنتمي إلى المذهب الشيعي، عن نيته الترشح إلى مجلس الشعب".

ورأى الرضوي أن الشباب الشيعي يشعر ببعض الاضطهاد على المستوى الاجتماعي، "ما بين حقه المهضوم في المواطنة، وتهجيره إلى الاضطهاد المعنوي وسط سكوت تام من الدولة". وخلص إلى أن هؤلاء الشباب لا يطالبون إلا بالمساواة والاعتراف بهم، وحماية حقوقهم عن طريق معاقبة المعتدين عليهم.

كلمات مفتاحية
الأقليات مصر

التعليقات

المقال التالي