حديقة فراشات في قلب صحراء دبي

حديقة فراشات في قلب صحراء دبي

تظلّ دبي مدينة الغرائب والعجائب والمشاريع الجنونية… ولعلّ آخر هذه المشاريع افتتاح حديقة دبي للفراشات التي تعدّ أكبر حديقة فراشات مغطاة في العالم، جنباً إلى جنب مع حديقة أخرى تشكّل أيضاً، بحسب الزوار، إحدى روائع دبي وأكبر حديقة أزهار في العالم، ألا وهي حديقة العجائب.

قبل انطلاق مغامرتنا في حديقة الفراشات، يقول مدير المشروع، الد. أيمن أحمد، من شركة عقار لخدمات تنسيق الحدائق والزراعة المسؤولة عن تطوير الحديقة "أردنا أن نصمم متنزهاً جديداً يجذب الزوار خلال أيام الصيف، لكون حديقة العجائب تقفل أبوابها من شهر يونيو حتى بداية نوفمبر. أردنا أن تحمل الحديقة الجديدة الروح والطابع نفسيهما، لذا اختار مدير الشركة، المهندس عبد الناصر رحال، فكرة الفراشات".

قد يعتبر الجميع أن الفكرة ضرب من الجنون، إلا أنّها تحققت، ولو بكلفة باهظة. حالما تطأ أقدامكم داخل الحديقة، تصيبكم حالة من الدهشة لأنكم تشعرون وكأنكم انتقلتم عبر الزمان والمكان، من رمال الصحراء القاحلة إلى حديقة أشبه بغابة من النباتات والأزهار، حيث تزقزق العصافير (أصوات مسجلة!) وتحلّق فراشات من كل الألوان والأشكال.

مقالات أخرى:

أن تعيش رمضان في دبي

مزرعة كافيار في قلب الصحراء

تمتد الحديقة على مساحة 2600 متر مربع، وتتشكل من 9 قبب، تُشبك كلّ ثلاث منها في ما بينها. يقول د. أحمد: “احتجنا إلى بضعة أشهر من الدراسات من أجل توفير أفضل بيئة للفراشات. فوقع اختيارنا على أشكال القبب التي تعتبر مناسبة لأنها من دون زوايا، بالإضافة إلى أنها تحمي الحديقة من رياح الخارج". أضيفت إلى الحديقة مختلف أنواع الأزهار والنباتات التي تعيش في الداخل وتوفّر بيئة ملائمة للفراشات، وهنا، لا يتردّد د. أحمد في القول "نوفّر لها بيئة أفضل من الخارج لأنها تحصل على كل ما تريد".

حديقة العجائب .. حديقة دبي للفراشات في قلب صحراء دبي - صورة 1

خلال التجول في الحديقة، لا يمكنكم أن تتجاهلوا الأطباق الموزعة بطريقة مميزة وتضم مختلف أنواع الفواكه المحببة للفراشات كالأناناس والبطيخ والبرتقال والموز، بالإضافة إلى محلول غريب يُعدّ خصيصاً لها ويوفّر كل عناصر التغذية.

ولكن، ما هي هذه الفراشات؟ يقول د. أحمد "تحتضن الحديقة 15 ألف فراشة من كل الألوان والأنواع وهي من 26 فصيلة أحضرناها من أمريكا اللاتينية وأفريقيا وآسيا". وهي مهمة لم تكن سهلة لاضطرارهم إلى إقناع وزارة البيئة والمياه في دبي التي تحظر عادة استيراد الحشرات.

بعد دراسات عدة حول مختلف الفراشات الموجودة في الخارج، وقع الاختيار على الأصناف التي تناسب الحديقة وتصل إلى دبي وهي "شرنقة"، ثم توضع في أماكن مخصصة للتفقيس قبل أن تتحوّل إلى فراشات جميلة ولكن هشّة، إذ إنّ عمرها قصير. بعض الفراشات تعيش بحسب د. أحمد أسبوعاً أو ثلاثة، وإلى حد أقصى شهراً واحداً لا أكثر. عند موتها، يتم تحويل الفراشات إلى أشكال ولوحات فنية تزيّن المتحف في الحديقة.

يضمّ هذا المتحف لوحات خاصة صنعت من الفراشات الجافة التي يجري تحنيطها، وتصل قيمتها إلى ما يقارب 10 آلاف دولار؛ وهي عبارة عن لوحات من مختلف الأشكال وبعضها يحمل رسائل إنسانية عن مفهوم الحياة والحب.

حديقة العجائب .. حديقة دبي للفراشات في قلب صحراء دبي - صورة 2

ولعلّ أشهر الفراشات في الحديقة هي "المورفو اللاتيني" التي تتميّز بلونها الأزرق الزاهي، أو فراشات البومة التي تحمل اسمها من العيون الموجودة على الجزء الخلفي من أجنحتها الشبيهة بعيني البومة، ويعتقد أنها تستخدم لتخويف الطيور وتقليل فرص افتراسها.

إذا أردتم رؤية هذه الفراشات عن كثب أو حتى الحصول على فرصة التقاطها فلا تترددوا في دخول الشرفات المغلقة حيث تستريح. فهنا، تستطيعون الجلوس على مقاعد وضعت خصيصاً لهذا الغرض والاستمتاع بالنباتات والأزهار المحيطة وبكمية هائلة من الفراشات، ولا تترددوا في أن تطلبوا من الموظفين التقاط صورة لكم.

ولكن التحديات كانت كثيرة أمام هذا المشروع، على حدّ قول د. أحمد، وأبرزها السيطرة على درجة الحرارة. يقول "عادة يجب أن تكون الرطوبة مرتفعة جداً والحرارة تناهز 29 درجة مئوية في حدائق الفراشات العالمية كحديقة الفراشات الماليزية أو الكندية، إلا أنه أمر لا يحتمله الزوار وقد نجحنا في تخطّيه. الحرارة مضبوطة عند 24 درجة مئوية لتناسب الفراشات والنباتات والزوار في آن واحد". التحديات الأخرى تتمحور حول توفير الماء والكهرباء والبنى التحتية وضرورة توفير 24 ساعة من الصيانة والاهتمام، يتولاها فريق عمل مؤلف من 30 شخصاً.

هذه التحديات لا يدركها الزوار الذين، منذ افتتاح الحديقة، يتوافدون، كباراً وصغاراً، ليكتشفوا مقابل 50 درهماً (نحو 14 دولاراً) أسرار الفراشات، وإن كانت اللافتات التي تشرح أنواع الفراشات ومصدرها غائبة، وذلك لأن الزوار يعتبرونها "تنفيسة" و"تسلية" بعيداً عن حرّ الخارج وعن ناطحات السحاب. لا ينفي د. أحمد أن تكلفة الحديقة باهظة جداً وأن رسم الدخول لا يكفي لتغطية النفقات. إلا أن المسؤولين يملكون مشاريع مستقبلية لتوسيع الحديقة وخطط جديدة لزيادة الدخل على غرار متجر تذكارات وحديقة للطيور وأخرى للأسماك… يحلمون بلا شك في أن تكون الأكبر والأجمل في العالم!

باميلا كسرواني

صحافية لبنانية عملت في مجال الصحافة المرئية والمسموعة وتعمل في الصحافة الإلكترونية بين دبي ولبنان. تحمل ماجستير في الإعلام من جامعة السوربون الفرنسية.

كلمات مفتاحية
دبي قصص نجاح

التعليقات

المقال التالي