مهنة الموت في أنفاق غزة تعاني من الركود

مهنة الموت في أنفاق غزة تعاني من الركود

هم شباب من غزة أرهقتهم مرارة العيش وقسوة الظروف، وقادتهم مسؤولياتهم إلى باطن الأرض للعمل في الأنفاق الممتدة على الشريط الحدودي بين قطاع غزة ومصر. بالإضافة إلى إدخال البضائع إلى القطاع، يبذلون جهوداً كبيرة لتأمين الأنفاق والحفاظ عليها من الانهيار. وبهذه المهنة الشاقة يجدون ملاذاً من شبح البطالة ويتجنّبون عواقب الفقر.

حسن الحمامي (28 عاماً) كان يعمل في مهنة البناء، مهنة بالكاد كانت توفر له قوت يومه. قارن بين عمله السابق والعمل داخل نفق، فوجد أن الدخل المادي من مهنة حفر الأنفاق أكثر جدوى فقرر، برغم المخاطر، أن يكون أحد الذين يخاطرون بأرواحهم لأجل حياة كريمة. وقال لرصيف22: "بدأت العمل في حفر الأنفاق عام 2008، وكنت أداوم 12 ساعة يومياً، وبعدها عمِلت في نقل الإسمنت وبضائع متنوّعة إلى القطاع المحاصر".

الدافع المادي

أنفاق غزة - مهنة الموت في أنفاق غزة - الدافع المادي

وأضاف الحمامي: "إن الوضع الاقتصادي الصعب الذي يمر به قطاع غزة وقلة فرص العمل وانتشار البطالة بشكل كبير دفعتني والكثير من الشباب إلى العمل في الأنفاق التجارية برغم الموت الذي يحدق بنا من كل جانب"، موضحاً أن هناك العديد من الأخطار التي تهدد حياة الإنسان داخل الأنفاق بدءاً من الاصابة بعجزٍ جزئي وصولاً إلى الوفاة، وذلك لعدة أسباب منها انهيار النفق نتيجة استهداف الطيران الإسرائيلي أو انهيار ذاتي ناتج عن عملية الحفر ونوعية التربة أو نتيجة الاختناق الناجم عن نقص الأوكسجين أو حدوث ماس كهربائي أو تسرب غاز عدا الاعتداءات المصرية عليهم. إبن الـ28 عاماً، واجه شخصياً كل المخاطر التي عددها. وفي إحدى المرات، انهار النفق الذي يعمل فيه جزئياً وبقي محاصراً داخله ثلاثة أيام. إلا أنه لم يتوقف عن العمل داخل الأنفاق فلا دخل لعائلته سوى ما يحصل عليه هو من "مهنة الموت".

فوق كل نفق، تثبّت مضخات هواء على مسافات مختلفة ويتم تشغيلها بين ساعة وأخرى، لتزويد العاملين بالهواء. أما التواصل بين أعضاء الفريق، داخل النفق، لاطمئنان بعضهم على بعض أو لتنسيق جلب البضائع من مدخل النفق في رفح المصرية إلى الجانب الفلسطيني، فيتم بالاتصال عبر هاتف سلكي معلًق على الجدران الترابية على طول النفق. وكما روى الحمامي، يتم وضع البضائع في صفائح بلاستيكية يتصل بعضها ببعض ثم يجري سحبها بواسطة حبل طويل وماكينة تعمل بواسطة مولّد كهربائي.

في السابق، كان الحمامي يحصل أسبوعياً على ما يُقارب الـ600 دولار. لكن حالياً، ونظراً لقلة الأنفاق وتراجع العمل، لم يعد دخل العامل يتجاوز الـ70 شيكلاً (18 دولاراً) يومياً.

كذلك لم يجد الشاب الجامعي محمد اسليم (24 عاماً) فرصةً للعمل سوى تحت الأرض. أكّد لرصيف22 أن مهنة الأنفاق هي "الأصعب بين المهن الموجودة على وجه الأرض". وروى: "نجد الأرواح تتساقط أمامنا ولكن لا شيء يمنعنا من مواصلة العمل لأن الوضع المادي القاسي لا يترك للإنسان ترف حماية نفسه من مخاطر الموت".

ولفت اسليم إلى أن هناك صفات يجب أن يمتاز بها حفّار الأنفاق، وهي البنية الجسدية القوية والجرأة والصلابة والثقة بالنفس. فكثير من الشباب غامروا أول مرة ثم لم يعودوا إلى العمل. وكان اسليم أحد هؤلاء لكن ظروفه المعيشية أضطرته للعودة إلى النفق.

أنفاق غزة - مهنة الموت في أنفاق غزة - الدافع المادي صورة 2

ابن الـ24 عاماً بدأ عمله عام 2011 في إدخال البضائع إلى القطاع وكان يعمل أكثر من 15 ساعة يومياً. وقال: "الأنفاق الممتدة على الشريط الحدودي بين مصر وقطاع غزة كانت شريان حياة لسكان القطاع بسبب إغلاق المعابر وتشديد الحصار. والآن بفعل الإجراءات الأمنية المصرية ضد الأنفاق وأصحابها، تم اغلاق المئات منها مما أدى إلى شلل العمل داخل الأنفاق". ومن الطرق التي يتبعها الأمن المصري لإغلاق الأنفاق، وبحسب اسليم، إغراقها بمياه الصرف الصحي وإطلاق الكلاب المفترسة على عُمّال الأنفاق.

لا إجراءات سلامة

وروى اسليم حادثة حصلت معه: "بعد أن توفي زميل لنا داخل النفق، قرر المسؤول أن نضيف بعض الإجراءات الفنية على النفق. وبينما كنت أنا وثلاثة آخرين في الداخل، انهار جزء من تربة النفق عليّ حتى غمرتي وكدت أفقد التنفس لولا تمكنّ زُملائي من انتشالي وإخراجي". وأكّد أنه لا توجد أيّة إجراءات تضمن سلامتهم وحمايتهم من المضاعفات التي قد يسبّبها عملهم، عدا عدم توفر الاسعاف الطبي الصحيح للمصابين.

أما عن العائد المادي فهو يرى أن المهنة لم تعد مربحة كما كانت في البداية. فالعامل عند فتحة النفق لا تتجاوز أجرته اليومية الـ70 شيكلاً (18 دولاراً) والعامل داخل النفق 120 شيكلاً (31 دولاراً) وذلك بسبب تراجع وتيرة عمل الأنفاق والتشديد المصري.

مستقبل تحت الأرض

"أنا من شريحة الشباب الذين وجدوا قوت يومهم تحت الأرض بعد أن فقدوه فوقها". بهذه الجملة بدأ حسن يونس (27 عاماً) حديثه. يونس يعمل هو وخمسة من إخوته في الأنفاق. كل يوم، يغادرون المنزل ونظرات أمهم الحزينة والقلقة تستودعهم الله.

لم يبدأ يونس العمل مباشرةً داخل النفق. فالخوف شعور طبيعي ينتاب أي شخص سمع عن روايات الموت داخل الأنفاق. طوال يومين راح يراقب عن قرب طبيعة العمل الجاري قبل أن يقرر الالتحاق بركب الأحياء تحت الأرض. لم يكن يتقاضى راتبه كاملاً ولا دورياً لكن عدم توفر فرص عمل أخرى أجبره على المتابعة.

أنفاق غزة - مهنة الموت في أنفاق غزة

وتابع يونس: "النفق قبر حقيقي مُجهّز للعمل. كانت مساحته في البدايات ضيّقة بحيث لا يستطيع الإنسان أن يمشي فيها بشكل معتدل. ومع الوقت وصلت الأنفاق إلى مرحلة صارت تتسع لمرور سيارات وبراميل ومواد كبيرة الحجم. ويتم تزويد بعض الأنفاق بسكة تسمح بنقل البضائع على شكل قطار تقليدي لإدخال مواد الإعمار من إسمنت وحديد وغيرها".

لم يسلم هو الآخر من مخاطر المهنة. قبل عامين تعرّض لإصابة بماس كهربائي جعله يتشنج، ولولا مساعدة زميله العاجلة لفقد حياته. ومن قصص الموت التي شاهدها أمامه روى: "كان هناك شاب لا يبلغ العشرين عاماً من العمر قرر العمل معنا داخل النفق، لكنه واجه رفض عائلته. وأمام إصراره، وافق والده بشرط أن يرافقه. وفي أول نهار عمل له، انهار عليه جزء كبير من النفق وتوفي أمام والده في موقف مأسوي".

وأشار يونس إلى أن صاحب النفق سرعان ما يتنصل من مسؤولياته تجاه أيّ عامل يتعرّض للإصابة، أو يقع في الأسر، وهذا بنظره من أهم المخاطر التي يتعرّض لها عمال الأنفاق. وتابع: "هناك العديد من الزملاء الذين اعتقلهم الأمن المصري منذ سنوات وما عدنا سمعنا عنهم أيّ خبرٍ. وهؤلاء لا يتم دفع أيّ تعويض لأسرهم بحجة أن كل إنسان قرر العمل داخل النفق مسؤول عن قراره".

مئات الشباب لم يجدوا لأحلامهم واقعاً فوق الأرض، فنزلوا إلى باطنها علّ الحياة تبتسم لهم من العمق. منهم مَن لا يزال يكافح ومنهم من ورّث أهله حسرة موته ومنهم مَن أصيب بإعاقة دائمة. وكل ذلك من أجل لقمة العيش.

كلمات مفتاحية
غزة

التعليقات

المقال التالي