موضة الحروب الجديدة: الملاجئ النقّالة

موضة الحروب الجديدة: الملاجئ النقّالة

تطور النزاعات السياسية اليوم يواكبه تطور كبير في صناعة الأسلحة لمجاراة متطلبات الحروب التي تزداد تعقيداً. أما التطور الذي يمس ضحايا هذه الحروب، فهو يترجم غالباً بطريقة الموت، وبالأصفار التي تضاف تدريجياً إلى أعداد القتلى في الوسائل الإعلامية. الخيار الوحيد المتاح لأولئك الذين يعيشون في ساحات النزاعات هو البحث عن ملاجئ ليست متوفرة على الدوام. ولكن قد يتغير ذلك، إذ بات بإمكانهم اليوم اقتناء ملاجئ نقالة قد تحميهم من البراميل المتفجرة والقذائف.

فقد بدأت شركة إستونية تدعى Terramil بتصنيع ملاجئ نقالة مضادة للقنابل يمكن تركيبها في غضون ساعة ونصف الساعة. ما يميز هذه الملاجئ أنها خفيفة الوزن، يمكن نقلها من مكان لآخر بسهولة، قبل طمرها في الرمال بواسطة جرافة للمزيد من الحماية. بحسب بيتر كيرستي، صاحب هذا الابتكار، تم اختبار قوة تحمّل هذه الملاجئ باستخدام مجموعة من الأسلحة المختلفة، كما

أضيفت إليها معدات قياس لاحتساب الضغط وقوة الاهتزاز ومستويات الصوت، وكل ما يمكن أن يشكل خطراً على المختبئين داخل الملجأ، وذلك من دون أن يسجل حدوث أي أضرار. يتسع الملجأ النقال لحوالى 12 شخصاً، وبإمكانه استيعاب مولد كهربائي وبراد وغيرهما من الضروريات، إذا ما اضطر الأفراد إلى الاختباء فترة طويلة.

يبلغ سعر الملجأ نحو 20,000 دولار، والطلب عليه في تزايد مستمر. وبحسب تقرير لوكالة رويترز، إن عدداً كبيراً من المهتمين به هم من الشرق الأوسط، وبلدان مجاورة لروسيا، جراء الأزمة الأوكرانية والمخاوف التي ولدتها.

الملاجئ النقالة .. موضة الحروب الجديدة

ثقافة الملاجئ

إن وضع الملاجئ في المنطقة والعالم يعكس سياسات الدول والنظرة التي تحملها الشعوب للحروب التي تخوضها. للمثال، نلاحظ اختلافاً مثيراً للاهتمام في علاقة الإسرائيليين والفلسطينيين بالملاجئ. فإسرائيل تضم 9600 ملجأ عام و20,000 ملجأ خاص، موزعة في جميع المناطق. تعود ثقافة الملاجئ هذه إلى العام 1951، أي بعد ثلاثة أعوام على إعلان نشأتها، عندما وضعت قانوناً للدفاع المدني يطالب المنازل والمباني السكنية والمكاتب بتجهيز ملاجئ أو غرف آمنة. إلى ذلك، تطلق السلطات والمجتمع المدني مشاريع لجمع التبرعات لإنشاء ملاجئ إضافية في الأماكن العامة والمدارس. يعتبر البعض أن هذه السياسة التي تعتمدها إسرائيل تشيع الأمان لدى المدنيين، في حين ينظر إليها آخرون على أنها تعزز لديهم الخوف الدائم من وقوع اعتداءات.

الصورة مختلفة تماماً من الجانب الآخر. ففي حين يهرع المدنيون والعسكريون إلى الملاجئ المحيطة بهم فور انطلاق صفارات الإنذار في إسرائيل، يبقى الفلسطينيون في منازلهم عندما يبدأ القصف. تفتقر غزة إلى الملاجئ لحماية سكانها، وتلك المتوفرة فيها تعود إلى أيام الحرب المصرية-الإسرائيلية عام 1973. مردّ غياب الملاجئ إلى افتقار القطاع للموارد الضرورية لبنائها، ولكن الكثيرين يعزون ذلك الغياب إلى النظرة التي يحملها الفلسطينيون اليوم للملاجئ، التي يعتبرونها طريقة أخرى للتشرد، وهم يرفضون أن يكونوا لاجئين مرةً جديدة.

لا يختلف الأمر في سوريا التي ليست مزودة بوسائل الحماية المناسبة. فبحسب تقرير نشر في صحيفة الغارديان، تتضمن حمص مثلاً ملجأً واحداً، هذا إذا كان ممكناً اعتبار طابق أرضي استُخدم لإقامة حفلات الأعراس قبل اندلاع الحرب ملجأً. الكثير من السوريين يترددون أيضاً في الاختباء تحت الأرض، مثل “أبو ندا”، الذي لم يلجأ إلى ذلك الطابق الأرضي إلا بعد أن دُمٰر منزله، ودُمٰر أيضاً منزل آخر كان قد لجأ إليه مع عائلته.

لذا إن كنت مواطناً عربياً في دولة تعيش حرباً، ولا تؤمّن لك ملجأً آمناً، فاِجمع بعض جيرانك المفضلين وحثهم على تقاسم تكلفة ملجأ نقال تزرعونه في فسحة قرب منازلكم، لعله يحميكم من القصف العشوائي والقذائف الطائشة.

كريستين أبي عازار

صحافية لبنانية تعمل في مجالي الإعلانات والصحافة المكتوبة. متخصصة في الشؤون الاجتماعية والثقافية في منطقة الشرق الأوسط. عملت سابقاً في مجلة ماري كلير Marie Claire العالمية بنسختها العربية.

التعليقات

المقال التالي