اليمنيون يُقبلون بكثرة على الطب الشعبي

اليمنيون يُقبلون بكثرة على الطب الشعبي

"ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء"، هذه العبارة تتردد على مسمعيك كلما سألت كبار السن عن الطب الشعبي في اليمن. يردّدونها ويأخذون بيدك إلى أقرب عيادة طب شعبي، إذا ما شعروا أنك مريض، مستندين إلى تمتع الأسلاف بصحة متينة اكتسبوها من الطبيعة وليس من معامل الكيمياء والمستشفيات.

الثقة بالأطباء الشعبيين

جوهرة حمود ناهز عمرها السبعين عاماً، تسكن في أحد أرياف جنوب اليمن. حالها كحال الكثيرين ممن يلجأون إلى التداوي بالطب البديل لعدم ثقتهم بالطب الحديث الكيميائي واعتبارهم أن "ضرره أكبر من نفعه".

وقالت حمود لرصيف22: "لم أذهب إلى أي مستشفى طوال عمري لكنّي أواظب على الذهاب إلى أطباء الطب الشعبي. حين أصاب بالصداع أو الحمى أو أمراض المعدة، أذهب إلى أحد أطباء الأعشاب لأخذ وصفات تقضي على آلامي وهي دوماً وصفات مكوّنة من أشجار موجودة في جبال قريتي فقط. أقوم بهرس أوراق هذه الأشجار وغليها ثم شربها. فلعلاج الدمامل مثلاً، هناك شجرة في جبالنا تسمى شجرة العشار. كل الوصفات تؤدي أغراضها على الوجه المطلوب ونتائجها ترضي الجميع".

علماً أن أجزاء الشجر من الأوراق والثمار والزهر واللحاء والبذور والجذور، تُعدّ في صلب وصفات الطب الشعبي، وهي تُمزج بزيوت ومواد طبيعية أخرى. هذه الطرائق التقليدية قد تفيد لعلاج الكسور والالتواءات والأمراض المستعصية كالروماتيزم وارتفاع ضغط الدم والسكري والقرحة. وتوصف أيضاً لعلاج أمراض العمود الفقري والأعصاب والصداع النصفي وأمراض البشرة والحروق.

وربما يكون التنوع النباتي في اليمن هو سبب انتشار ظاهرة "العلاج بالأعشاب". إذ تربط بعض الدراسات بين انتشار الطب البديل بكثافة وتنوّع الغطاء النباتي لأرض اليمن حيث أكثر من 3 آلاف نوع من النباتات، فيما يبلغ عدد النباتات المتوطنة التي لا مثيل لها في أي مكان في العالم 415 نوعاً نباتياً منها 236 في جزيرة سقطرى جنوب شرق اليمن.

طبيبة الفلاحين والفقراء

غالية البناء، في العقد الثامن من عمرها تقطن في قرية دمنة نخلان التابعة لمحافظة أب، وسط اليمن، اشتهرت بوصفاتها الطبية الطبيعية. قالت: "منذ نحو خمسين عاماً، بدأت بممارسة الطب الشعبي بعد أن أصيبت ابنتي بتجمع الماء الأبيض في عينيها. حينذاك، رفض زوجي أخذها إلى المستشفى، وهذا ما اضطرني إلى البحث عن حل، فاهتديت إلى إدخال لساني في عينها وتحريكه إلى أن أزلت الماء الأبيض، فشفيت".

الطب الشعبي في اليمن - صورة 1

وأضافت: "منذ تلك اللحظة، بدأت أعالج عيون الناس بلساني وأستخرج منها الحصى والأشواك والعيدان الصغيرة والغبار، فتحوّل منزلي مقصداً للكثيرين من قرى محافظتي أب وتعز. وفي ما يتعلق بالأجر، فهو على الله ولا أتقاضى أجراً إلا من ميسوري الحال".

وأكملت: "تشقق لساني بسبب العيون التي قمت بمداواتها. الأمر ليس سحراً كما يظن البعض، إنما هي هبة من الله. وهناك حالات صعبة، يقصدني أصحابها فأحيلهم مباشرة إلى أطباء العيون".

وروت البناء: "في إحدى المرات، كنت في مدينة تعز للتداوي في أحد المستشفيات، ولفت انتباهي مريض يضع على عينه شاشاً أبيض. سألته عما يعاني منه فشرح لي معاناته فاستأذنته لإزالة الشاش عن عينه ثم أدخلت لساني وأخرجت حصاة كانت فيها. وعلى الفور أحس أن عينه تماثلت للشفاء. وشاع الخبر فاستدعاني مدير المستشفى عارضاً عليّ أن أعمل في قسم العيون في المستشفى لكنّي رفضت".

الطب الشعبي في اليمن - صورة 2

يتزاحم الكثير من الفلاحين على منزل الطبيبة الشعبية غالية البناء لمداواة عيونهم. وقال الشاب حاتم عبده الحاج لرصيف22: "هذه العجوز هبة الله لسكان منطقتها. لديها قدرة عجيبة على إخراج الحصى والأشواك من العيون وأنا أزورها منذ ثلاثة أعوام كلما اشتدّ الألم في عيني. أقطع ثمانية كيلومترات مشياً لأصل إليها. وقد استخرجت من عيني الكثير من الأشواك والحصى بلسانها ووضعتها على راحة يدي".

الطب الشعبي في اليمن - صورة 3

ويقسم حاتم أن الألم يزول من عينيه بمجرد استخراجها للشوائب العالقة بهما. ويوافقه الكهل محمد صالح مؤكداً أن "أطباء العيون المتخصصين لا ينفعون لشيء إلا لابتزاز المواطن وكسب النقود" فيما هو يعطي الحاجة غالية مبلغ ألف ريال يمني (ما يعادل خمسة دولارات) وأحياناً أخرى لا يعطيها شيئاً.

جبر الكسور على الطريقة الشعبية

معروف أن أطباء العظام الشعبيين كثر في اليمن ويمتازون بتعدد طرائق علاجهم للمرضى بحسب ما تقتضيه كل حالة. محمد الورافي، طبيب شعبي مختص في تجبير العظام ويعالج يومياً عشرات المرضى، أوضح لرصيف22 أن "الأمر ليس أكثر من خبرة طويلة ورثتها عن أبي الذي ورثها بدوره عن أجداده. ونجاحي في تجبير الكسور جعلني ذائع الصيت في مناطق مختلفة من اليمن، لذلك يقصدني كثيرون".

وروى مصلح صالح معاناته مع الكسور: "كُسر عظم فخذي جراء طلق ناري فنقلوني إلى مستشفى الثورة في محافظة تعز حيث مكثت طريح الفراش شهوراً طويلة وقدمي معلّقة بوصلة حديد كبيرة. غير أن العظم التحم بطريقة خاطئة ولم يعد بإمكاني دفع نفقات العلاج، فأشار عليّ أحد أقاربي للذهاب إلى طبيب عظام شعبي. وهكذا كان. لجأت إلى طبيب قريب من قريتي يدعى عثمان قاسم، فأعاد كسر عظمي ثم أعاد تجبيره، وكان كلّ يوم يدلّك فخذي بالسمن البلدي إلى أن التحم العظم. ولم تمرّ ثلاثة أشهر حتى تمكّنتُ من السير بصعوبة، وبعد قرابة خمسة أشهر صرت أمشي بشكل طبيعي".

سوء وضع القطاع الصحي

يعاني القطاع الصحي في اليمن من حالة سيئة نتيجة النقص الشديد في الأجهزة والمعدات الطبية غير المتوفرة إلا في مستشفيات كبيرة. وتفتقر المستشفيات اليمنية إلى أبسط المقومات، ولا تستحق مبانيها أن تُسمّى دوراً صحية أو مشافٍ. علماً أن النقص في الكفاءات المتخصصة وفي الأدوية هو واحد من الأسباب الكامنة وراء تفاقم الأزمة. وربما هذا ما يدفع الكثير من اليمنيين إلى تفضيل الأطباء الشعبيين.

وقال الدكتور نجيب أبو اصبع، نائب مدير مستشفى الثورة في اليمن، لرصيف22: "الطب العربي ينحصر بمجالات محدودة، كطب العظام الذي يعالج الكسور البسيطة. ولكن "ويا للأسف، راح كثيرون يمارسون هذه المهنة بدون دراسة أو احتكاك بممارسيها القدماء المتشبعين بالخبرات، ودون دراية بمضاعفات الأدوية التي يصفونها للمريض وتؤدي إلی تدهور صحته وظهور أمراض أخری".

وأضاف: "الوضع الصحي في اليمن جيد. وفي بعض التخصصات استطاع الكادر اليمني أن يجاري دولاً ذات سمعة ممتازة، خاصة في أمراض القلب وزراعة الكلی وجراحة المسالك البولية. ولكن للأسف الشديد قد ينحصر هذا المستوی المتقدم في أمانة العاصمة صنعاء دون غيرها لأسباب كثيرة أولها عدم عقد مؤتمرات وندوات محلية ولغياب المشاركات في المؤتمرات العربية والدولية".

وتحدث أبو اصبع عن هجرة كثيفة للكوادر الطبية إلی دول الخليج، بسبب تدني أجر الطبيب اليمني مقارنة بأجر غيره من الأطباء في بلدان أخرى، فـقال: "نفتقد مساهماتهم في رفع مستوی الكادر الجديد وفي تقديم خدمة طبية راقية للمريض اليمني". وشدد على "الحاجة الملحة إلی تطوير المهارات الطبية وتوفير المعدات الطبية الحديثة لمواكبة التطور الطبي المتسارع".

التعليقات

المقال التالي