كرة القدم في سوريا تعود إلى الواجهة

كرة القدم في سوريا تعود إلى الواجهة

"كانت تغلق الطرق كلها حول الملعب لشدة الازدحام"، هكذا سيبدأ أي سوري لدى الكلام عن ذكريات مباريات نادي الوحدة في ملعب العباسيين مع نادي الكرامة الحمصي أو الاتحاد الحلبي، مؤكداً أن تشجيع الفرق المحلية والتناحر بين مشجعيها عادة متأصلة لدى السوريين. هؤلاء اليوم في انتظار مناسبات كروية عدة، على رأسها التصفيات الآسيوية المشتركة المؤهلة لكأس العالم، ستذكرهم بالتأكيد بالأيام الجميلة - على مستوى كرة القدم على الأقل - مدفوعة بنتائج لافتة يحققها المنتخب السوري بشتى فئاته، والأندية السورية في بطولة كأس الاتحاد الآسيوي.

كأس الاتحاد الآسيوي

عام 2006، وصل نادي الكرامة الحمصي إلى نهائي دوري أبطال آسيا، وخسر اللقب برغم فوزه في مباراة الإياب (2 - 1) على نادي جيونيك هيونداي موتورز Geonic Hundyai Motors الكوري في ملعب خالد بن الوليد، وتلا ذلك وصوله إلى ربع نهائي المسابقة عينها في عامي 2007 و2008، الأمر الذي أنعش كرة القدم السورية حينذاك، وزاد الاهتمام بالدوري سواء لدى الجماهير أو الأندية أو المعلنين والشبكات الرياضية. قصي حبيب، المنتقل أخيراً من نادي الوحدة الدمشقي إلى نادي أمانة بغداد العراقي، يقول إنه في الدوري العراقي "لا يوجد تنظيم، لا توجد روزنامة للدوري، لا يوجد إعلام قوي للدوري... أشياء كهذه هي ما أفتقده في الدوري السوري"، مضيفاً للتوضيح: "قبل سنة 2011".

الدوري السوري غيّر بعض قوانينه وطريقة لعبه، فأصبح يلعب بمجموعتين تضم كل واحدة 9 فرق، يتأهل الثلاثة الأوائل من كل مجموعة إلى دور ثان يلعب بطريقة المجموعات أيضاً، لكن من دون ذهاب وإياب، فيما يهبط الناديان الأخيران من كل مجموعة إلى دوري الدرجة الثانية، ويغيب هذا العام عن الدور الثاني عدد كبير من الأسماء العريقة في كرة القدم السورية، مثل أندية الكرامة والاتحاد وتشرين وحطين. ناديا الوحدة والجيش الدمشقيان فقط ما زالا يحققان الإنجازات، ويتركان بعض الأمل عند جماهيرهما، إذ يتصدر كل منهما مجموعته في الدوري السوري، وتأهلا - الجيش متصدراً مجموعته والوحدة ثانياً على مجموعته - إلى الدور الثاني (دور الـ16) لكأس الاتحاد الآسيوي، لافتين النظر بشكل مفاجىء إلى استمرار كرة القدم السورية برغم توقف كل شيء آخر تقريباً في البلاد. علماً أن نادي الوحدة خسر أمام نادي استقلال دوشنبه Football Club Istiklol الطاجيكي 4-2 بضربات الترجيح بعد التعادل 1-1 حتى نهاية الوقت الأصلي والإضافي، في حين فاز نادي الجيش على نادي الجزيرة الأردني 1-0 في الوقت الأصلي.

يعود نجاح الفريقين في التأهل، كما يقول المحرر والمراسل السوري في شبكة BeIN الرياضية وائل البزرة، إلى "كون الفريقين يضمان حالياً خيرة لاعبي سوريا من جميع الأندية، فهما الوحيدان القادران على دفع رواتب عالية - قياساً إلى وضع البلاد - وتأمين الظروف الملائمة للمنافسة". وكان الناديان قد شاركا في النسخة الماضية من البطولة وخرجا من الدور الأول، ثم "فهما المشكلة وأوجدا لها الحل فكانت النتائج" يضيف وائل.

التصفيات الآسيوية

على مستوى المنتخبات، كانت الحال أخيراً جيدة أيضاً، فمنتخب الناشئين تأهل إلى كأس العالم تحت 17 في تشيلي أواخر العام الجاري، والمنتخب الأولمبي إلى نهائيات كأس آسيا المقبلة في قطر. أما المنتخب الأول، فقد نجح مبدئياً في الصعود بترتيب الفيفا ستاً وعشرين مرتبة دفعة واحدة، بعد فوزه في مباراتين وديتين مع الأردن وطاجيكستان، منتقلاً من المرتبة 151 إلى 126، محسّناً موقعه في التصفيات المشتركة المؤهلة لكأس العالم في موسكو 2018، وكأس آسيا في الإمارات 2019. ويقع في مجموعة، يعتبر منتخب "اليابان الفريق الوحيد الصعب فيها"، وفقاً لقصي حبيب، الذي يشارك في تشكيلة هذا المنتخب، والذي يبدو متفائلاً بالتصفيات، كسائر زملائه.  يقول: "لا بد أن يضمن المنتخب على الأقل تأهله إلى كأس آسيا 2019"، مضيفاً أن "مهمة التأهل إلى كأس العالم، التي عجزت عنها حتى الآن جميع التشكيلات السابقة للمنتخب، مهمة صعبة جداً، بسبب الإمكانات الضعيفة للمنتخب بكل المقاييس". ويشير حبيب إلى أن "كرة القدم تتطلب معايير احترافية للتأهل وتحقيق الألقاب، الأمر الذي يتطلب صرف الكثير من النقود على المدى الطويل، ويجب أن يكون هناك تخطيط صحيح".

كرة القدم في سوريا - المدرب

وائل البزرة لا يشارك لاعبي المنتخب في تفاؤلهم، ويقول: "دائماً عندما تنطلق شرارة التصفيات تهب روح النشاط في نفوس المتابعين والصحفيين وكذلك المحللين، منتظرين تكوين منتخب قادر على بلوغ الآمال". ويبرر هذا التشاؤم بأن "المشكلة تكمن في أن هيكلة الاتحاد السوري لكرة القدم فاشلة مضموناً وتخطيطاً، فطبيعي أن يخرج منتخب منهك القوى". ويلفت إلى "التراجع الدائم في مستوى المنتخب، أو على الأقل عدم مجاراته تطور المنتخبات الأخرى. فهنالك منتخبات كنا نفوز عليها حتى وقتٍ قريب بعشرة أهداف باتت تهزمنا"، في إشارة إلى منتخب جزر المالديف.

تعقيدات

سبق بدء معسكرات المنتخب جدلاً حول اللاعب السوري عمر السومة، الذي يلعب في الدوري السعودي لمصلحة نادي الأهلي، والذي اعتبره عدد من الصحف الرياضية "أفضل صفقة في الدوري السعودي لهذا الموسم"، بعد تصدره لائحة هدافي الدوري. أما مصدر الجدل فهو حديث عن نية قطر تجنيسه ليلعب في المنتخب القطري، كونه لم يمثل بلاده في أي مناسبة بعد، ويحق له أن يلعب لمصلحة منتخب آخر وفق قوانين الفيفا. هذا الأمر يجده وائل طبيعياً. يقول: "لقد سلّطت الأضواء عليه، ومن الطبيعي أن تلهث منتخبات خليجية تتبع مبدأ التجنيس وراءه"، مؤكداً أنه "تم عرض مبالغ كبيرة عليه". هذا الجدل حسم قبل أسابيع قليلة، بالتأكيد على أن السومة سيلتحق بالمنتخب السوري، وكانت مشاركته الأولى في المباراة الودية مع منتخب سلطنة عمان، التي جرت في الخامس من يونيو.

كرة القدم في سوريا - عمر سوما

لم تغب الحرب في سوريا عن كرة القدم، ومنذ مشاركة المنتخب السوري في نهائيات كأس آسيا 2011، بدأت تخرج الأصوات المعارضة التي تعتبر إنجازات المنتخب إنجازات للنظام، الأمر الذي يمنعها من دعمه. كذلك أثار أخيراً حنق جمهور الكرة السوري، خبر عن هرب محمد جدوع كابتن منتخب الناشئين، الذي يشارك في مباريات كأس العالم المقبلة، متجهاً إلى ألمانيا بشكل غير نظامي للالتحاق بنادٍ ألماني، وذلك بعد قرارٍ أصدره الاتحاد الرياضي بمنع لاعبي منتخب الناشئين المتأهل إلى كأس العالم من السفر.

في الوقت نفسه ما زالت متابعة مباريات كرة القدم سائدة بين السوريين، خصوصاً الدوريات الإسبانية والإنغليزية والإيطالية، وبطولة دوري الأبطال الأوروبية، وما زالت مباراة لبرشلونة أو ريال مدريد - والأهم إن كانت بينهما - قادرة على التسبب بازدحام غير اعتيادي في شوارع العاصمة. كما تستطيع كرة القدم المحلية أن تنتزع أحياناً بعض هذا الاهتمام، الذي فقدت معظمه في السنوات الخمس الأخيرة، ولكن المؤكد أن أي إنجاز يحققه المنتخب أو الأندية السورية، سيعتبر إنجازاً مضاعفاً نظراً لظروف البلد الذي تأتي منه هذه الفرق.

مناف زيتون

كاتب ومدون وصحفي سوري.

التعليقات

المقال التالي