هل يتحقق حلم النساء بالإنجاب المتأخّر؟

هل يتحقق حلم النساء بالإنجاب المتأخّر؟

قبل أكثر من سنة، أثارت كل من Facebook وApple ضجة كبيرة في العالم. فقد أعلنت الشركتان تقديم ميزة جديدة للموظفات لديهما، في إطار برنامج التأمين الصحي، تضمن تغطية تكاليف عمليات "تجميد البويضات" للسماح لهنّ بالإنجاب لاحقاً. يأتي هذا الإعلان كخطوة لزيادة عدد النساء العاملات، الذي لا يزال منخفضاً مقارنة بعدد الرجال، لا سيما في المناصب القيادية. توفّر هذه العملية فرصة للنساء بالاحتفاظ ببويضاتهنّ والتركيز على مسيرتهنّ المهنية والتقدمّ في العمل الذي غالباً ما يتزامن مع سنوات خصوبتهنّ، من دون أن يفوت أوان إنجابهن لاحقاً، حتى بعد بلوغهن مرحلة ما يُعرف بـ"سن الأمل أو اليأس".

إلا أنّ هذا الخبر لم يلقَ ترحيب الجميع وعلت الاتهامات بأن الشركتَين تشجّعان النساء على تفضيل حياتهم المهنية على الأمومة. رأى البعض أن هذه الشركات تبحث عن طريقة مختلفة لإبرام اتفاق أو تعهد ولاء مع النساء العاملات من أجل التأكيد أن العمل يأتي أولاً قبل النواحي الأخرى الحياتية. كما اعتبر آخرون أنّ دفع تكاليف عملية تجميد البويضات المكلفة في الدول الغربية (حتى 10,000 دولار بالإضافة إلى تكاليف سنوية تصل إلى 500 دولار) لن يحل مشكلة فروق الأجور بين الرجال والنساء ولا حتى غياب النساء عن المناصب المهمة، بل سيكتفي بتأخير موعد مغادرة المرأة حياتها المهنية للإنجاب لا أكثر.

مهما اختلفت الآراء في شأن قرار الشركات العالمية بمساعدة النساء على الإنجاب متأخراً، الأكيد هو أن المرأة بات لها الخيار بأن تقرّر متى تريد الإنجاب بغض النظر عن "ساعتها البيولوجية". وقد ساهمت هذه الشركات بتسليط الضوء على هذه التقنية التي تطوّرت في السنوات الأخيرة، والتي وصلت إلى عدد من الدول العربية، إذ تقدم مستشفيات وعيادات مختلفة فيها خدمة تجميد البويضات، وبتكلفة أقل من التكلفة العالمية.

أقوال جاهزة

شارك غردعملية تخصيب البويضات أقل تكلفة في العالم العربي من دول أوروبا والولايات المتحدة!

شارك غردتستطيع المرأة اليوم أن تقرر متى تريد الإنجاب من دون أن تخاف من ساعتها البيولوجية

ما هو تجميد البويضات؟

جاء التأييد العام لحفظ البويضة بالتجميد Oocyte Cryopreservation أو ما يعرف بتجميد البويضات عام 2012 عندما أعلنت "الجمعية الأمريكية للطب التناسلي" ASRM أن هذه العملية لم تعد تعتبر تجريبية بالنسبة للنساء اللواتي يلجأن إليها بسبب مخاوف الخصوبة، مع تشديدها على أنّ هذه التقنية ما زالت تحتاج إلى الكثير من الدراسات وليست مضمونة 100%. وهو أمر شددت عليه أيضاً الكلية الأمريكية لأطباء النساء والتوليد ACOG، معتبرةً أنه رغم التطوّر الكبير الذي شهدته هذه التقنية، لا تزال الأدلة غير كافية لاعتبارها تقنية تفضيلية.

يبسّط الدكتور فواز أديب إدريس، الأستاذ المساعد في جامعة أم القرى ورئيس وحدة الإخصاب والذكورة في المركز الطبي الدولي في جدة تعريف تجميد البويضات قائلاً إنّها "حفظ البويضات خارج الجسم حتى نتمكّن من استخدامها في المستقبل لإحداث الحمل بواسطة تقنية أطفال الأنابيب". تطوّرت التقنية منذ استخدامها الأول وباتت تعتمد على ما يسمى بـ"التزجيج" Vitrification، أي تخفيض درجة حرارة البويضات إلى ما دون 196 درجة مئوية خلال دقيقة واحدة ثم حفظها في أنابيب زجاجية خاصة توضع في سائل النيتروجين Liquid Nitrogen.

وتشرح لنا الطبيبة المتخصصة بالتوليد وأمراض النساء، غنى شامي، من مركز فقيه للإخصاب في دبي طريقة سير عملية تجميد البويضات بالتفاصيل: "نبدأ أولاً بعلاج هورومونات يدوم من 10 إلى 12 يوماً من أجل تحفيز المبيضَين، لنقوم بعدها بعملية صغيرة تحت تأثير المخدر قد تستغرق 10 أو 15 دقيقة لسحب البويضات عبر إبرة رفيعة موجّهة بمساعدة الموجات فوق الصوتية في البطن أو المهبل. ثم نجمد البويضات بطريقة “التزجيج”، عبر سحب الماء من البويضة لتتمكن من العيش طويلاً”.

تشير شامي إلى أنّ مدة حياة البويضة قد يصل إلى 10 أو 15 عاماً، إلا أنّ الأمر يتوقّف أيضاً على معايير المراكز أو المستشفيات، مشيرة أن مركز فقيه للإخصاب يجمّد البيوضات مدة 5 سنوات فقط.

من هنّ النساء اللواتي يلجأن إلى هذه التقنية؟

“عندما نتحدث عن تجميد البويضات، من المهم التفرقة بين نوعين من النساء اللواتي يلجأن إلى هذه التقنية” تقول غايل أبو غنام، المتخصصة بطب التوليد والنساء في مركز IVF في لبنان. “هناك النساء اللواتي يلجأن إليها لأسباب طبية، وهنّ اللواتي يواجهن خطر فشل المبيض المبكر بسبب علاجات مضرة بالمبيضين Gonadotoxic Treatments (كالعلاج الكيميائي أو الإشعاعي لمحاربة السرطان أو أمراض المناعة الذاتية)، بالإضافة إلى النساء اللواتي يعانين من انقطاع الحيض المبكر لأسباب عائلية أو جينية. أما الأسباب الأخرى، فهي اجتماعية بحتة، على حدّ قول أبو غنام، إذ "لا تعاني المرأة من حالة صحية معينة، بل ترغب في المحافظة على خصوبتها لأنها تريد تأخير الإنجاب".

معظم النساء اللواتي يلجأن إلى مركز "أي في أف لبنان" هنّ لبنانيات وغير متزوجات لأسباب مختلفة. تقول أبو غانم "نجد اللواتي يأتين لأسباب طبية بتوصية من طبيب الأورام قبل بدء العلاج، أو اللواتي يحضرن لأسباب اجتماعية. فهنّ لم يجدن الشريك المناسب بعد ويردن الحفاظ على خصوبتهن لوقت لاحق، لئلا يفوت الأوان عندما يأتي شريك الأحلام"، وتضيف أنه قلما نجد في المنطقة العربية نساء يردن تأخير إنجاب الأطفال (لا سيما إذا كنّ متزوجات) من أجل مسيرتهنّ المهنية.

أما في مصر، فيخبرنا الدكتور شريف باشا سيف، رئيس قسم طب النساء في مركز Sunrise Fertility Center أنّ اللجوء إلى تجميد البويضات ما زال خجولاً، إذ يقوم مركزه بعمليتين أو ثلاث شهرياً. يعزو سيف السبب إلى غياب التوعية ويقول "يجب تثقيف النساء بهذه التقنية، ويجدر على أطباء الأورام أن ينصحوا المريضات باللجوء إليها. ولكن، كيف ذلك وبعضهن في مصر يجهلنها؟". يشجّع سيف النساء على إجراء هذه العملية، لا سيما اللواتي أصبحن في الخامسة والثلاثين ولم يكن أمامهن مشاريع زواج أو إنجاب، قائلاً "من الأفضل تجميد البويضات في عمر صغير، فكلما كانت المرأة يافعة كانت نوعية البويضة أفضل". ويضيف ضاحكاً: "أخبرتني بعض النساء أن تجميد البويضات جعلهنّ يقمن بخيار أفضل لأزواجهنّ. ففي السابق، كلما تقدّمن في السن، كنّ يوافقن على الزواج من أي كان. أما الآن، فيشعرن بضغط أقل ويملكن فرصة انتظار الشخص المناسب".

شهدت الإمارات العربية المتحدة عام 2009 ولادة أول طفل بتقنية البويضة المجمدة لتكون أول حالة من نوعها في منطقة الخليج العربي. يستقبل مركز فقيه للخصوبة في دبي اليوم نحو 10 حالات شهرياً، من جنسيات مختلفة، بحسب الطبيبة غنى شامي. هناك عدد كبير من النساء الوافدات، غير أن عدد الإماراتيات في تزايد، لا سيما مع ازياد نسبة الوعي لديهنّ. أما في ما يتعلّق بوضعهن الاجتماعي، فتأكد شامي ما قاله زملاؤها، مضيفةً إلى أن الكثير من النساء المطلقات يلجأن إلى تجميد البويضات أيضاَ.

ما هي الإيجابيات والسلبيات؟

يتّفق المتخصصون الذين التقيناهم على حسنات عدّة لتجميد البويضات لا سيما أنّ هذه التقنية تعطي الأمل للنساء أكان لأسباب اجتماعية أو طبية. وتعتبر شامي أن التطوّر التقني ساهم في رفع نسب نجاح هذه العملية إلى 70 أو 80%، وأن عملية تجميد بويضات ناجحة قد تسمح لأي امرأة، حتى ولو كانت فوق الأربعين أو انقطع حيضها وما زالت في صحة جيدة ولا تعاني من مشاكل طبية، أن تحبل وتنجب. غير أن شامي لا تنصح بالتأخر كثيراً في الحمل، لا سيما أن تعقيدات الحمل تتضاعف مع الوقت واحتمال نجاحه يتضاءل. تشدّد أبو غنام أيضاً على هذه النقطة، معتبرةً أنّ المرأة يجب أن تكون موافقة ومدركة تماماً لهذه التقنية ومخاطرها، وأنها ليست مضمونة 100%، بالإضافة إلى إدراكها خطورة الحمل المتأخر وضرورة أخذها على محمل الجدّ.

وعلى الرغم من أن معظم المتخصصين والأطباء الذين التقيناهم ينصحون بإجراء عملية تجميد البويضات، مع الأخذ بالعلم كل المخاطر والسلبيات، فإن الجميع لا "يُحيّيون" الحسنات والثورة التي أحدثتها هذه التقنية، ولديهم تحفّظات عدةّ؛ أولاً غياب الدراسات والأبحاث الكافية، وثانياً، المخاطر التي قد ترافق أي حمل متأخر، كارتفاع فرص حدوث ولادة مبكرة مثلاً. يشير البعض كذلك إلى أن "علاج الهورمونات" الضروري قبل إجراء العملية ليس بالسهل، وأنّ 10% من النساء يتجاوبن بشكل سيىء مع أدوية الهورمونات التي قد تتسبّب بأعراض التحفيز الزايد للبيض Ovarian hyperstimulation syndrome، وهي أعراض قد تكون بسيطة أو خطرة وتتمثّل بالتضخّم والغثيان والتقيؤ وفقدان الشهية وأوجاع في المعدة وصعوبة في التبوّل...

وقد طوّرت جامعة نيويورك الطبية وجامعة كاليفورنيا دافيس في الولايات المتحدة "آلة حاسبة إلكترونية للخصوبة" قدّرت أن المرأة التي تجمّد 15 بويضة في عمر 30، لديها فرصة نحو 30% في الإنجاب بينما تملك المرأة التي تجمّد 25 بويضة في عمر 30، فرصة 40% في الإنجاب. وفي حين أن معدلات الحمل الطبيعية ليست مضمونة 100%، فإن فرص الحمل خلال ثلاثة أشهر من المحاولة هي 60% إذا كان الثنائي لا يعاني من مشاكل خصوبة.

ترى جيسيكا عزوري، الحائزة شهادة دكتوراه في علم الأحياء الإنجابي ومديرة مركز A-Clinic في مستشفى جبل لبنان، أنّ "هذه التقنية ليست فعالة، فخلايا البويضات كبيرة وتحتوي على الكثير من الماء. وعندما نقوم بتجميدها، هناك خطر كبير لتشكّل الجليد وإلحاق ضرر بالبويضات".

وعلى الرغم من أن العيادة التي تديرها تقوم بـ25 عملية تجميد بويضات سنوياً، فهي لا تشجع ولا تروّج لهذه العملية، لا بل لعملية تجميد الأجنّة Embryo freezing التي يشجّع عليها الكثير من الأطباء، لا سيما إذا كانت المرأة متزوجة، لأنّ فرص النجاح أعلى. تعتبر عازوري أنّ تجميد البويضات قد يُشكل أملاً بسيطاً عندما لا يكون أمام المرأة أي حلّ آخر، إلا أنه ليس مضموناً.

لا بدّ من الإشارة إلى أنّ عملية تخصيب البويضات، على غرار كل إجراءات الخصوبة، أقل تكلفة في المنطقة العربية من دول أوروبا والولايات المتحدة. تراوح الأسعار في مصر ما بين 2000 إلى 3000 دولار، وهي أكثر تكلفة في الإمارات العربية المتحدة، إذ تراوح ما بين 3000 و4000 دولار، بدون أن ننسى تكلفة "إيجار" أنبوب التجميد الذي يدفع سنوياً.

الموقف القانوني والديني

وضِعت معظم القوانين الخاصة بالخصوبة والولادة في عدد من الدول العربية قبل العديد من السنوات. وبالتالي، لا تذكر هذه القوانين بشكل مباشر عملية تجميد البويضات وموقفها منها، ما يدخلها ضمن القوانين الخاصة بتقنيات الخصوبة والحمل المساعدة. يوضح الدكتور شريف سيف أن "القانون الذي يشمل الخصوبة في مصر وُضع عام 1987 ولا يذكر تجميد البويضات، ولكنه ليس ممنوعاً باعتباره تقنية للحفاظ على الخصوبة". ويشدّد سيف على أن القوانين المصرية أو العربية تسمح بكلّ التقنيات المحافظة على الخصوبة ما دامت العملية تتم بين زوج وزوجة. أما من الناحية الدينية، فيشير سيف إلى أن المرجعيات الإسلامية والمسيحية في الشرق الأوسط لم تتّخذ موقفاً من تجميد البويضات، لكنها منعت بشكل مطلق "التبرّع بالبويضات أو الحيوانات المنوية". وهنا يتساءل سيف "الأمر غريب، يضعون قيوداً دينية أو قانونية على هذا النوع من التبرّع، إلا أنّهم يسمحون بتقنية اختيار جنس الجنين الممنوعة في أوروبا".

تعتبر الدكتورة أبو غنام من جهتها أنّ تجميد البويضات ليس جدلياً بعد، لكون القليل من النساء يعرفن أنهن يستطعن إجراء هذه العملية لأسباب طبية أو اجتماعية. وتشير إلى أن فرنسا مثلاً لا تسمح بتجميد البويضات لأسباب طبية، لا اجتماعية أو أخلاقية، في حين أن بعض العيادات في بلجيكا والولايات المتحدة بدأت تقدّم هذه الفرصة لأسباب اجتماعية.

لا بدّ من الإشارة إلى أنّ عملية تجميد البويضات باتت أكثر اعتماداً في الإمارات العربية المتحدة منذ أن أصدرت وزارة الصحة قانوناً جديداً خاصاً بالإخصاب في الأنبوب IVF، يمنع إجراء تقنية تجميد الأجنة. أما في ما يتعلق بالسعودية، فيشير الدكتور إدريس إلى أنّ لجنة الافتاء لم تصدر فتوى بتحريم التقنية، في حين تمّت إباحتها من قبل العديد من المشايخ في دول أخرى. والسبب الرئيسي لغياب الخلافات الفقهية على تجميد البويضات يعود إلى إنّ هذه التقنية لا تسّبب معضلة في ما يتعّلق بتجميد "روح"، خلافاً لتقنية تجميد الأجنّة.

باميلا كسرواني

صحافية لبنانية عملت في مجال الصحافة المرئية والمسموعة وتعمل في الصحافة الإلكترونية بين دبي ولبنان. تحمل ماجستير في الإعلام من جامعة السوربون الفرنسية.

التعليقات

المقال التالي