أي لحية تجسّد بشكل أفضل وجه الإسلام؟

أي لحية تجسّد بشكل أفضل وجه الإسلام؟

“لحية البابا” (التي تعرف أيضاً بـ“غزل البنات”)، عبارة كفيلة بأن تُسيل لعاب أيٍ كان. لكن خارج هذه الكومة الناعمة من القطن، بات لعبارة “اللحية” أبعاد اجتماعية وسياسية محورها صراع ديني على السلطة، وعلى كسب رضى الله. أرني لحيتك، فأقول لك من أنت.

رمزية اللحية

مرّت اللحية بمراحل عدّة على امتداد التاريخ، وتغيرت رمزيتها وفقاً للمكان والزمان حتى تحوّلت اليوم إلى سلاح يستخدمه الرجال في مجتمعهم. تعدّ اللحية من دون شك رمزاً للرجولة، وارتبطت دوماً بالقوة والسلطة، لكون السلطة لطالما كانت حكراً على الرجال. كل الكبار عبر العصور، الأنبياء، الفلاسفة والملوك، جمعتهم اللحية الكثيفة. لحية الآشوريين والفرس في بلاد ما بين النهرين كانت ترمز للملوكية. أما في مصر القديمة، فكانت اللحية سمة الفراعنة، حتى أن الملكة حتشبسوت، الفرعون الخامس من عصر الأسرة الثامنة عشرة، كانت ترتدي خلال الاحتفالات لحية طويلة معلقة خلف أذنيها، لتظهر قوتها وانتماءها الإلهي، على عكس الكهنة الذين كانوا يحلقون ذقونهم ورؤوسهم وأجسامهم بالكامل. ولدى اليونانيين، كانت اللحية رمزاً للكرامة، يرتديها الآلهة مثل زوس وبوسيدون، والأبطال مثل هرقل، على عكس “العبيد”.

راحت رمزية اللحية تتغير مع مرور العصور، فقد منعت مثلاً في أوروبا في القرن الثالث عشر، ثم عادت لتظهر في البلاط الملكي في إيطاليا، بعد أن تم ربط خسارة الجيوش الإيطالية في الحروب بكون العساكر قد فقدوا رجولتهم يوم تخلوا عن لحاهم. وهو ما كان ينظر إليه بطريقة مختلفة خلال حكم الرومانيين، الذين كانوا يحلقون لحاهم ليظهروا متحضرين، مقارنةً بالغاليين والبربريين المعروفين بلحاهم الكثيفة وشعورهم الطويلة. لم تتغير كثيراً تلك النظرة للّحية باللغة السياسية التي تتحاور فيها المجتمعات اليوم، إذ نلاحظ كثافة في شعر ذقون السياسيين في الشرق، أكثر بكثير من كثافة ذقون السياسيين في الغرب.

أقوال جاهزة

شارك غردأرني لحيتك، فأقول لك من أنت

شارك غردما الذي تعني لحية روحاني أو نجاد اليوم؟ ولماذا انتقلت اللحية من كونها رمزاً للسلطة، إلى تفصيل يتفاداه السياسيون

اللحية الدينية

روى البخاري عن ابن عمر قول الرسول: "خالفوا المجوس، احفوا الشوارب وأوفوا اللحى". هو حديث من بين أحاديث أخرى يتنازع على تفسيرها العلماء المسلمون. ففي حديثٍ مع شبكة البي بي سي قبل بضعة أعوام، أكّد البروفسور محمد عبد الحليم، من مدرسة الدراسات الشرقية والإفريقية في جامعة لندن، أن اعتبار اللحية واجب لدى المسلمين أمر غير متوافق عليه بين العلماء، لكونه لم يذكر في القرآن. يشبّه الإمام الدكتور عبد الجليل ساجد، عالم دين إسلامي وأحد مؤسسي المجلس الإسلامي في بريطانيا، تلك المسألة بقضية الحجاب لدى المرأة، التي لا تدخل ضمن الواجبات الإلزامية لدى الإسلام، مثل الصلاة أو الصوم، وهذا ما يفتح الباب أمام العديد من التفسيرات. تفسيرات قد تختلف وفقاً للمركز الديني والسياسي الذي يحتله الشخص، ووفقاً للمذهب الذي يتبعه، أكان سنياً أم شيعياً، كذلك وفقاً لدرجة الإيمان، اعتدالاً أو تطرفاً.

ذكر في سفر ليفيتيكوس 19:27 "لا تقص الشعر على جانبي رأسك أو تقص حواف لحيتك". وصية تركت جدالات مفتوحة بين الحاخامات اليهود. بعض المتدينين يؤمنون أن اللحية يجدر بها أن تغطي الذقن لا أكثر، في حين يعتبر آخرون أن على الشعر أن يغطي مساحة أكبر من الوجه، حتى العنق. ولكن مهما توسعت بقعة الشعر، يظل فعل الحلاقة باستخدام شفرة حادة أمراً ممنوعاً على متتبعي الديانة اليعودية، ولا بد من استخدام مقص أو ملقط لإزالة الشعر، أو التحكم بطول اللحية.

الدين المسيحي لا يملك من جهته وصايا تتعلق باللحية، ويترك الخيار للرهبان أو رجال الدين في تبنيه، تشبهاً بالمسيح وكرمزٍ للخشوع والتديّن والحكمة. عند المسيحية، يبدو أن اللحية تلعب أيضاً دوراً فاصلاً في التمييز بين الغرب والشرق، فالكهنة الأرثودكس الشرقيون يظهرون دوماً بلحى طويلة، على عكس كهنة الكنيسة الكاثوليكية الرومانية، وهذا دليل على كون اللحية أكثر من موقف ديني، وتتأثر بالواقع الجغرافي والسياسي والاجتماعي.

اللحية في الاسلام .. أي لحية تجسّد بشكل أفضل وجه الإسلام؟

اللحية السياسية

في السنوات الأخيرة، تحولت اللحية إلى موضة لدى الرجال، يطوّلونها ويمشطونها، يخصصونها بمستحضرات للتجميل، وقد يشكون فيها الزهور. النساء من جهتهن يعشقن هذا الرمز الرجولي، على أن تكون اللحية ناعمة لدى التقبيل. ولكن في الساحة السياسية العالمية، انقلبت الحال. لم تعد اللحية ترمز للسلطة وباتت غير محبّذة. ولّت أيام اللحية الشيوعية اللينينية، أو اللحية الثورية على طريقة غيفارا. تفضل الرأسمالية الوجوه “المتحضرة” الناعمة، تاركةً اللحى والشوارب الكثيفة للإسلاميين.

أوباما، هولاند، كاميرون، ميركل بطبيعة الحال، ماتاريلا، وغيرهم من مسؤولي الدول الغربية ومن سبقهم بأجيال عدة، لم يظهروا يوماً ضمن فترات حكمهم مع شعرٍ نابتٍ على أوجههم. عندما يرتاحون من مهماتهم السياسية، يربون لحاهم، كما فعل ساركوزي عندما غادر الإليزيه.

على الساحة العربية والشرق أوسطية، لا يختلف الأمر كثيراً، فالرؤساء في المنطقة يحرصون دوماً على إظهار وجهٍ معتدل، بغض النظر عن ميولهم السياسية والدينية. السيسي، فؤاد معصوم، ملك المغرب محمد السادس، السبسي، ملك الأردن عبدالله الثاني، من بين آخرين، يحلقون ذقونهم بشكل شبه يومي. بعض الرؤساء الآخرين يتفننون في رسم شواربهم "الأبوية" مثل الشيخ حمد بن تميم آل ثاني أمير دولة قطر، بشار الأسد، أمير الكويت صباح الأحمد الجابر الصباح، من دون أن ننسى النموذج السعودي الفريد من نوعه، مع لحيتَيْ الملك الراحل عبدالله بن عبد العزيز والملك الجديد سلمان بن عبد العزيز، وحلفائهما هنا وهناك مثل رئيس الوزراء اللبناني الأسبق سعد الحريري.

الربيع العربي لعب دوراً في تغيير شكل اللحى الرئاسية، إذ أطال لحية ثانية لصدام حسين، فوق شواربه الستالينية التي حكم بها العراق قبل إعدامه، وكثّف شعر شوارب وذقن القذافي قبل وقوعه بين أيادي الثوار، كما أطال لحى الكثير من المقاتلين الجدد على الساحة العربية، من أتباع التنظيمات الإسلامية المختلفة، ومن ضمنها تنظيم الدولة الإسلامية (داعش).

النموذج الإيراني

تناوب اللحى على رأس إيران له رمزية مهمة في السياسات الداخلية والخارجية لتلك الدولة. هناك نماذج عدة من اللحى على الساحة السياسية في إيران بحسب مراسلة البي بي سي في إيران رنا راهنبور، في حديث أجرته معها إذاعة PRI’s world. لحية روحاني تعدّ لحية رجال الدين النموذجية، طويلة بعض الشيء ومشذبة، ولكنها أطول من لحية محمد خاتمي، وهذا ما يشير إلى كون هذا الأخير أكثر إصلاحياً. أما لحية أحمدي نجاد، فهي قريبة من لحى الباسيج أو اللحى المليشياوية، عمرها أسبوعان أو ثلاثة، غير مشذبة، وتفوق بحجمها لحى ضباط المخابرات، التي لا تبقى أكثر من 3 أيام، وتتشابه من جهتها مع لحى مقاتلي حزب الله. يصف أستاذ العلوم السياسية سمير حمّال في مقالٍ له نشر على موقع L’Express لحية أحمدي نجاد باللحية الذكية والمثيرة للاهتمام، إذ كانت تعبر عن توازنٍ دقيقٍ بين موقعه "الثوري" ضد الغرب، وموقعه "الإسلامي" داخل البلاد. يرى حمّال أن القادة الإيرانيين الشيعة يظهرون بلحى أطول من نظرائهم السنّة، وكأنهم يرغبون في الظهور في موقع المدافعين أكثر عن الدين والإيمان. دخلت لحى المتطرفين الإسلاميين اللعبة نفسها، أكانوا من المنتمين لتنظيم داعش أو لنظرائه مثل القاعدة وجبهة النصرة، حتى أصبحت اللحية الطويلة محل شبهة في الانتماء إلى أحد التنظيمات المتطرفة.

لا تزال اللحية في المنطقة تؤخذ على محمل الجد، والمس بها يعد أمراً مذلاً إلى حدٍ كبير. استخدمت حماس على سبيل المثال الحلاقة لمعاقبة بعض أعضاء حركة فتح، في حين سبق لحزب الإسلام الصومالي أن أمر بمعاقبة كل من لا يطيل لحيته ويحلق شاربه. من دون أن ننسى اللعنة الشهيرة التي أطلقها خلال مؤتمر القمة الإسلامية عام 2003 ممثل العراق عزة الدوري في وجه وزير كويتي، عندما قال له بشكل مباشر على الهواء “إخرس أنت أمام العراق، لعن الله أبو شاربك”.

كريستين أبي عازار

صحافية لبنانية تعمل في مجالي الإعلانات والصحافة المكتوبة. متخصصة في الشؤون الاجتماعية والثقافية في منطقة الشرق الأوسط. عملت سابقاً في مجلة ماري كلير Marie Claire العالمية بنسختها العربية.

التعليقات

المقال التالي