حديقة العصر الذهبي للسينما المصرية مهددة

حديقة العصر الذهبي للسينما المصرية مهددة

على مدى عقود، ظلت حديقة “الميريلاند” أحد أجمل المتنزهات في حي مصر الجديدة الراقي في القاهرة، حيث صور نجوم السينما المصرية العديد من أفلامهم، ولكنها الآن مهجورة ومهددة.

قبل قرابة شهرين، استيقظ سكان مصر الجديدة ليجدوا أن بعض أشجار حديقة الميريلاند الصامدة في مكانها منذ أكثر من ستة عقود قد قطعت من جذوعها وأن عمالاً ينتشرون فيها لتحويل جزء من الحديقة إلى مرآب. وقالت شركة مصر الجديدة للإسكان والتعمير التي تتولى الإشراف على الميريلاند أن هذه الاعمال جزء من مشروع يستهدف تطوير الحديقة التي لم يعد أحد يرعاها منذ أكثر من عشر سنوات.

ولكن أهالي الحي، خصوصاً أولئك الذين عاصروا الحديقة عندما كانت الحياة تدب فيها ثم رأوا كيف هرمت وانحسرت المساحات الخضراء فيها، رفضوا قبول الأمر الواقع وشنوا حملة على وسائل التواصل الاجتماعي احتجاجاً على "مذبحة الاشجار" في الميريلاند، ونشروا صوراً للجذوع المقطوعة، ما أثار اهتمام وسائل الإعلام فاضطرت السلطات إلى اتخاذ قرار فوري بوقف العمل في المشروع المثير للجدل.

الحديقة أصبحت الآن مغلقة ومهملة، مداخلها الخرسانية والمبنى الصغير الجميل الذي كان يضم مطعماً ومقهى، تكاد اليوم أن تكون سوداء بعدما كانت بيضاء. أما العشب الأخضر فيبس وصارت تربة المتنزه جدباء مقفرة. بعض الأشجار التي افلتت من القطع، لا تزال منتصبة، تحيط بها حفر وحطام ذات لون رمادي قاتم، أما البحيرة التي كان الأطفال في الماضي يركبون فيها مراكب صغيرة ويطعمون طيور البجع حولهم، فقد اختفت تماما وزال السحر الذي كانت تضفيه على الميريلاند.

يقول مجدي بدر الدين وكيل وزارة الكهرباء السابق الذي تطل شرفة منزله على حديقة الميريلاند "على مدى قرابة عشر سنوات أهملت الحديقة تماماً بحجة أن هناك مشروعاً لتطويرها". ويضيف "الميريلاند تشكل متنفساً لكل منطقة شرق القاهرة فضلاً عن قيمتها التاريخية والحضارية والجمالية والبيئية"، مشيراً إلى أنها كانت جزءاً من مضمار سباق الخيول العربية في العصر الملكي ولا تزال المقصورة الملكية لهذا المضمار قائمة بالقرب منها.

ويتذكر مجدي بدر الدين أن هذه المنطقة ارتبطت في أذهان المصريين بالعديد من الأفلام المهمة في السينما المصرية التي تم تصويرها فيها ومنها "نهر الحب" لعمر الشريف وفاتن حمامة الذي انتج في العام 1960 وفيلم عبد الحليم حافظ ولبنى عبد العزيز "الوسادة الخالية" في العام 1957.

لكن علي مصطفى رئيس شركة مصر الجديدة التي قامت بقطع الأشجار يؤكد أن "ما تم هو تقليم لأشجار معمرة في جزء من الحديقة من أجل بناء كاراج أسفله، ثم نقلها إلى مكان آخر داخل الحديقة". غير أنه يعترف أنه كان هناك "تقليم جائر لبعض الأشجار". ويضيف "إدارة المرور طلبت منا إقامة مرآب سيارات للموافقة على تطوير الحديقة وإقامة مقاهي ومطاعم جديدة بها".

وينتظر الجميع الآن قراراً سياسياً من رئيس الوزراء ابراهيم محلب لتقرير مصير الحديقة التي شيدت في العام 1963 على مساحة 50 فداناً خصص منها خمسة فدادين لإقامة مقهى ومطعم كان يستضيف في عطلات نهاية الأسبوع فرقاً موسيقية شهيرة في الستينات والسبعينات تعزف موسيقى غربية مثل "بلاك كوتس" و"بتي شاه"، كما كانت ترقص فيها أسبوعياً سهير زكي إحدى أشهر الراقصات المصريات.

وقال وزير البيئة خالد فهمي "الوضع الذي وصلت إليه الميريلاند خلال السنوات العشر الأخيرة غير مقبول ونحن بحاجة إلى تطويرها بالشكل الذي يحافظ على قيمتها الجمالية".

وأضاف أن هناك وجهتي نظر الآن لتطوير الحديقة وصيانتها، إما الإبقاء على وضعها القانوني الراهن مع إيجاد آلية لمراقبة إدارتها أو "نزع ملكيتها ووضعها في عهدة إحدى الجهات الحكومية وهذا قرار سياسي" لذلك "سيرفع الأمر إلى رئيس الوزراء".

ويقر وزير البيئة بأن الميريلاند كانت بمثابة "رئة" للتنفس في مدينة يقل نصيب الفرد فيها من المساحات الخضراء كثيراً عن المعدل المقبول دولياً ولا يتجاوز "سنتيمترات قليلة" وأنه تم "جز" بعض الأشجار المعمرة فيها التي "لا نستطيع أن نأتي بمثلها" الآن.

وتقول أسماء حلوجي من جمعية محبي الأشجار وهي جمعية أهلية تهتم بالأشجار في جميع أنحاء القاهرة "تم قطع 38 شجرة يبلغ عمر بعضها 68 عاماً وهي تمثل حوالى 10% من أشجار الحديقة".

ويأمل سكان مصر الجديدة في أن تعود الحديقة كما كانت مفتوحة للجميع. وتقول إيمان فرج الباحثة المتخصصة في الاجتماع السياسي التي اصطحبها والدها وهي طفلة لحضور الاحتفال بافتتاح حديقة الميريلاند أنها "كانت مكاناً للاختلاط" بين الشبان والبنات، وبين المسيحيين والمسلمين وهو ما يتناقض مع "المعايير السائدة اليوم" في المجتمع الذي شهد مداً إسلامياً ومحافظاً مع بداية الثمانينات. وتضيف "كانت الميريلاند نموذجاً مثالياً لحياة الطبقة الوسطى في مصر في ستينات وسبعينات" القرن الماضي.

وتتابع "كان الأولاد والبنات يلتقون من دون حجاب وكانت الكحول تقدم لمن يرغب كما كان من الصعب التمييز بين المسلمة والمسيحية من حيث المظهر".

وكالة الأنباء الفرنسية

كلمات مفتاحية
سينما مصر

التعليقات

المقال التالي